مقتطفات من كلام عبدالله عبدالعزيز العزي حفظه الله تعالى

ما علل به مذهب المعتزلة في خلق كلام الله، وهو لأنهم ينفون الصفات كلها؛ هو في الحقيقة: (تعليل عليل)! …والحق أن مأخذ القوم لقولهم بخلق صفة الكلام؛ هو أن الكلام صفة فعلية، والصفات الفعلية مخلوقة عند جمهور المتكلمين، لا تقوم بذات الله -عند من يقول بذلك- ولا يتصف الله بها أزلًا، بل هي منفصلة عنه، فعندما يحدث الله فعلًا معينًا، فيوصف هذا الفعل باعتبار حقيقته؛ فلو خلق الله (مالًا) لفلان من الناس، فهو رزق؛ ويوصف الله هنا بأنه رازق، باعتبار إضافة هذا المخلوق المنفصل، والذي يوصف بأنه رزق= إليه، ولو خلق الله (حروفًا مسموعة)، فهو كلام، ويوصف الله هنا بأنه متكلم، باعتبار إضافة هذا المخلوق المنفصل، والذي يوصف بأنه كلام= إليه، وهكذا في سائر الصفات الفعلية لدى جمهور المتكلمين؛ فالتحقيق هو: أن أصل الصفات الفعلية عندهم واحد، وهو مطلق الإحداث من قبل الله، لكن تتنوع هذه الصفات باعتبار تنوع ما يحدثه الله، ثم تضاف هذه المحدثات المنفصلة عن الله إليه، باعتبار أنها صفة فعلية؛ فافهم هذا الشرح لمذهبهم في الصفات الفعلية جيدًا.

2- أما قول هذا الفاضل: (فلا يرون الكلام صفة له أصلًا)؛ فهذا غلط منه في حكاية نص مذهب المعتزلة؛ حيث هم يحكون الإجماع على وصف الله بالكلام، وأنه من صفاته، بل حكى بعض المعتزلة اتفاق الأديان على وجوب اتصاف الإله بالكلام، وأن الإله لا بد وأن يكون متكلمًا! لكن المعتزلة -كما عرفت- يجعلون الكلام من الصفات الفعلية، لا الذاتية، وقد عرفت أن الصفات الفعلية عند جمهور المتكلمين هي صفات مخلوقة إضافية؛ فإن كان مراد هذا الفاضل: أن المعتزلة ينفون كون الكلام صفة ذاتية، أو حقيقية -على اصطلاح المتأخرين-؛ فكلامه حق، لكن نص كلامه مشعر بإطلاق النفي، وهو هنا غلط محض بلا ريب.

3- أما قول هذا الفاضل: (وتفرع عن قولهم بنفي الصفات القول بخلق القرآن)؛ فقد سبق بيان أن هذا التعليل منه لقول المعتزلة بخلق القرآن= عليل؛ فليس هذا مأخذ القوم؛ وإلا لوجب بأن يقولوا بمخلوقية كل ما يضيفونه من الأحكام لله تعالى؛ لكونهم ينفون الصفات كلها، حسب ما حكاه هذا الفاضل عنهم، وهم يكفرون من يقول بحدوث العلم الإلهي، ويخرجونه من الملة بلا تردد، وأقل مطالعة لكتبهم تنبئك بهذا.

ثم ها هنا أمر لا بد من التنبيه عليه، ولعله منشأ الغلط لدى هذا الفاضل؛ وهو: ما أردت بقولك عن المعتزلة أنهم ينفون الصفات كلها؟ إن أردت نفي مطلق الصفة؛ فهو -والله- ليس مذهبًا لهم، ولا يعرفونه، ولم أره في شيء من كتبهم، مع تتبعي لها، وإن أردت نفي ما يعبر عنه بصفات المعاني، أي: (القدرة، العلم، الحياة… إلخ)؛ فنعم! وهذا هو نص مذهبهم؛ فهم لا يرون أن ذات الله يقوم بها معنى لأجله يصح أن يوصف بالصفة، وبتعبير آخر: فالله يوصف -وهذا عند منكري الأحوال منهم- بأنه: قادر، عالم، حي؛ لكن لذاته، لا لمعنى زائد على الذات كما يقوله الصفاتية، ولا لما هو عليه في ذاته، كما يقوله مثبتو الأحوال منهم؛ لأن جهة استحقاق الله لهذا الوصف؛ هي مجرد الذات، وهذا عند جمهورهم، والمنكرين للأحوال؛ فالله: قادر لذاته، عالم لذاته، حي لذاته، من دون قيام أي معنى بالذات ليصح اتصافه بهذه الأحكام، كما يقوله الصفاتية.

وسبب ذهاب المعتزلة هذا المذهب فيما أثبتوه من الصفات الذاتية؛ هو أن أخص وصف لله عندهم، هو القدم، فالقول بإثبات المعاني الزائدة على الذات والقائمة بها= مناقضٌ لهذا الأصل كل المناقضة؛ لأنه لا يخلو الحال من أمرين: إما أن تكون هذه المعاني قديمة، وهذا شرك؛ لتعدد القدماء، وإما أن تكون هذه المعاني حادثة؛ وهذا تشبيه؛ لقيام الحوادث بذات الله تعالى.

نعم المعتزلة تنكر كثيرًا من الصفات، مثل الصفات الخبرية الذاتية؛ كالوجه، والصفات الخبرية الفعلية؛ كالاستواء، وهذا الأمر من الشهرة في كتب القوم، بحيث لا يخفى على أحد، وليس هو داخل في محل النزاع عندما نبيّن غلط من يطلق نسبة نفي الصفات إلى المعتزلة فتنبه جيدًا، فبعضهم -هداه الله- يظن أننا عندما ننكر حكاية أصحابنا وغيرهم، عن المعتزلة إنكار الصفات كلها؛ أن تلك الصفات الخبرية داخلة في منازعتنا لهم! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثم لا يخفى أن المعتزلة من جملة المتكلمين، والمتكلمون قائلون بحدوث العالم، بل هو من ضروريات الدين عندهم، ولا يخفى -أيضًا- تكفيرهم للفلاسفة لقولهم بقدم العالم؛ فأخبرنا كيف يَجمعُ المعتزلة -وهم من أهل النظر- بين القول بنفي الصفات كلها، ومنها: (القادرية، العالمية، الحيية)، -وهذه الصفات هي التي يتوقف عليها صحة الفعل، ولا بد من وجودها؛ ليصح الفعل المحكم من قبل الإله، وإلا لما كان إلهًا يستحق أن يُعبد- وبين القول بأن ذات الله أوجدت هذا العالم من العدم، وأحكمت صنعه غاية الإحكام؟! 

فهل ترى أن من كان فاقدًا لصفة القدرة بالكلية، يقدر على تحريك بعوضة؟ فضلًا عن إيجاد هذا الكون الواسع؟! وهل ترى أن من كان فاقدًا لصفة العلم بالكلية، يُحكم أي فعل يصدر منه؟ فضلًا عن إحكام صنع هذا الكون الواسع؟!

ولا يخفى -أيضًا-، أن المعتزلة من طوائف الوعيدية، وأنت خبير بأن من أصولهم الخمسة: القول بإنفاذ الوعيد، وهو أن مرتكب الكبيرة من أهل التوحيد؛ مخلدٌ في النار عندهم، إذا مات عليها بلا توبة منها؛ فأخبرنا كيف يعلم الله عندهم -وهم ينفون الصفات كلها عنه بحسب كلامك- أن فلان بن علان، ارتكب كبيرة الزنا، ومات عليها بلا توبة منها؛ حتى يدخله النار! فمن لا يوصف بالعلم مطلقًا؛ لن يعلم أبدًا هل الذي ارتكب الزنا، هو سالم بن خالد، أم علي بن سالم؟!

فانظر إلى ما يترتب من المحالات والتناقضات في التصورات عندما تُشرح مذاهب الناس على غير وجهها!

وخذ هذا المثال:

من المصطلحات الكلامية الشهيرة، والتي لا يخفى معناها على من نظر في أصغر كتب المتكلمين؛ مصطلح: (المعاني)، ويقصد به عندهم الصفات الزائدة (= العلم، القدرة، الحياة… إلخ)، وبحكم تطبيق كثير من الشُراح للمنهجية الأولى؛ فتراه لا يفهم من (المعاني) إلا (المفهوم)، وبالإضافة إلى كثرة تردد هذا المصطلح (= المعاني) في مسألة (التفويض) عندنا، وهو هنا في هذا الموضع من البحث؛ يُقصد به المفهوم بلا شك.

فعندما يرى بعضهم هذا المصطلح (المعاني) في بعض كلام شيخ الإسلام، ويرى أنه ينسب للمعتزلة إنكار المعاني؛ يفسر هذا، بأن المعتزلة تنكر مفاهيم الصفات؛ وهذا غلط قبيح جدًا جدًا.

لعل مما يضاف إلى أسباب كثرة الوهم لدى شُراح الرسائل العقدية، من السلفية المعاصرين، فيما يتعلق بمذاهب الآخرين؛ أن متأخري السلفية ركزوا على بحث التوحيد العملي، ولم يتوسعوا في بحث التوحيد العلمي، لاسيما قسم الصفات منه، كما تراه عند شيخ الإسلام (تـ728) في كثير من مصنفاته، وانظر -مثلًا- لأهم متون متأخري السلفية في الاعتقاد، وهو “كتاب التوحيد” للإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي (تـ1206)، فسترى أن جل أبواب الكتاب هي في مسائل التوحيد العملي، عدا بضعة أبواب في الأسماء والصفات، والقضاء والقدر (= أفعال الرب)، وليس فيها تفصيل، وإنما اكتفاء بالعموميات، كما كان عليه أهل الحديث. والإمام -رحمه الله- ليس بحاجة لمن يبرر له صنيعه هذا في كتابه؛ فقد كان عصره يتطلب التركيز على تقرير هذه المسائل؛ لحدوث خلل عظيم فيها، فكان هو فارسها الذي لا يشق له غبار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولا شك أن لهذا تأثيرًا على تصور مذاهب الآخرين؛ فمعظم كتب المتقدمين من مختلف الطوائف ركزت في بحثها العقدي على التوحيد العلمي (= أفعال الرب، صفاته)، ويقل، بل يندر أن تبحث تلك الكتب التوحيد العملي. فتجد -مثلًا- كتاب “المعتمد في أصول الدين” لابن الملاحمي الخوارزمي (تـ536)، قد تناول مسائل التوحيد العلمي في أكثر من 800 صفحة! وبناء على هذا؛ فلك أن تتخيل عدد مسائل هذا الباب التي بحثها هذا الكتاب، وقارن ذلك بما في كتب متأخري أصحابنا!

طبعًا، وهذا ليس مما يُعاب على المتأخرين من أصحابنا، فما هم إلا امتداد لأهل الحديث، وأهل الحديث لم يكونوا يخوضون في أسماء الرب وصفاته وأفعاله، كخوض المتكلمين والفلاسفة، فهذه هي طبيعة مدرستهم العقدية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد كان لهم أبواب معينة في الاعتقاد ركزوا على بحثها وتقريرها؛ لكن يجب على الباحث في هذا الفن أن يستحضر ما سبق بيانه؛ لأمرين مهمين:

1-ألا يطلب الباحث شرح مذاهب المخالفين في بعض مسائل باب التوحيد العلمي من كتب المتأخرين من أصحابنا، فضلًا عن نقدها، وهنا سيضطر للرجوع لكتب أولئك، وقيامه هو بشرحها ونقدها بنفسه.

2-أن الباحث قد لا يجد رأيًا لأصحابنا المتأخرين في كثير من تفريعات المخالفين في باب التوحيد العلمي، وهو هنا بين أمرين:

أ- إما أن يسكت، ولا يقرر شيئًا في الفرع المراد بحثه، ويكتفي بكليات هذا الباب، كما فعل قدماء أهل الحديث في بعض مسائله الاعتقادية.

ب- إما أن يجتهد في بحث هذا الفرع، فيبين مذهبنا فيه؛ بناء على ما يظهر له من أصول مذهبنا، وقواعده، وأقوال أئمته، كما فعل شيخ الإسلام (تـ728) في غير ما مسألة عقدية.

من المسائل الشهيرة التي خُرجت من غير أصلها الذي تفرعت منه؛ ما يُنسب لأبي الهذيل العلاف (تـ235) من القول بمنع التسلسل في الفعل في جهة المستقبل؛ حيث زعم بعض أكابر علماء مذهبنا أن الرجل قال بهذا اطرادًا منه لمنعه في جهة الماضي؛ إذ رأى أنه لا فرق بين الحالتين؛ فقال بالتسوية عند ذلك!

وهذا التخريج لقول الرجل: (غير صحيح)، وإن قال به بعض أكابر علماء مذهبنا؛ فالله أمرنا بالقسط والعدل، ونسأله أن نقوم بهذا الأمر على أكمل وجه، وأن نلقاه وليس في ذمتنا حق لأحد.

لذا فاعلم أن أصل قول العلاف بمنع التسلسل في جهة المستقبل، وانقطاع حركات أهل الدارين، بناء منه على هذا المنع= ليس اطرادًا منه لمنع تسلسل الأفعال في جهة الماضي؛ بل هو متفرع من مسألة عظيمة، وهي: (هل المخلوقات والمحدثات محصورة بعدد معين؟)؛ فلما قال هو بأن للمحدثات عددًا معينًا؛ استنادًا منه على آيات قرآنية تدل على ذلك؛ كمثل قوله تعالى: {وأحصى كل شيء عددًا} وأمثال هذه الآية= قال بأنه لا بد أن تنقطع حركات أهل الدارين، ويصيرون إلى سكون دائم؛ حتى يصح أن تكون المحدثات محصورة بعدد معين؛ إذ لو استمرت حركات أهل الدارين أبد الآبدين؛ فمعنى هذا أن أعمالهم لا نهاية لها، فبناء على ذلك؛ فالمحدثات إذًا غير محصورة بعدد معين، وهذا مخالف للأصل الذي قرره الرجل، واستدل له بآيات من القرآن.

ثم لما ناقشه أصحابه في قوله هذا؛ أورد هو عليهم تفرقتهم بين التسلسل في الماضي وبين التسلسل في المستقبل؛ إذ منعوا الأول وأجازوا الثاني؛ فأجابوه بالجواب المشهور لدى المتكلمين من التفرقة في الحكم بين ما دخل في الوجود، وبين ما لم يدخل في الوجود بعد، فما دخل في الوجود لا بد أن ينقطع، دون ما لم يدخل في الوجود، فلا بأس من تسلسله.

فإذا تقرر لك ما سبق؛ علمت غلط من نسب للرجل أنه يقول إن لقدرة الله نهاية وغاية، وأن هذه القدرة تنتهي قبيل حصول السكون لأهل الدارين؛ وبعد ذلك يستحيل على الله الفعل أبدًا؛ فيصير أهل الدارين إلى سكون دائم عند ذلك= فهذا كذب صريح على الرجل لا شك في ذلك؛ فإن كانت هذه صفة الله؛ بأن يستحيل عليه الفعل في المستقبل أبدًا= فهذا ليس بإله عند العلاف، ولا عند أحد من المتكلمين، ولو صرح الرجل بهذا؛ لكفره أصحابه، إذ وصف الله بصفة الأجسام، لكن الله عند العلاف قادر على الفعل دائمًا وأبدًا، وليس اطراد منع التسلسل هو الأصل الذي تفرع منه قوله بانقطاع حركات أهل الدارين، حتى يُلزم بهذا اللازم الذي صرح هو بعدم التزامه، بل صرح بتضليل من يزعم أن الفعل على الله يستحيل في المستقبل، بحسب نقل أصحابه عنه؛ بل الأصل الذي تفرع منه قوله بانقطاع حركات أهل الدارين -كما سبق معنا- هو قوله بأن المخلوقات والمحدثات محصورة بعدد معين؛ فلذا قال بانقطاع حركات أهل الدارين؛ حتى لا ينهدم عليه أصله هذا.

فتأمل يا مريد التحقيق؛ كيف يختلف فهمك للمسائل إذا فُرعت من غير أصلها، وحُكيت من غير وجهها!

أن المؤلف -أو المترجم- أقحم فصولًا لا علاقة مباشرة لها بدحض نظرية التطور، كالقول بإثبات الإله! وهذا لا شأن له بنقد جوهر نظرية التطور، إذ لا يخفى أن بعض التطوريين يؤمنون بوجود الإله، ويرون أن الإله هو من صنع الخلية الأولى، والتي تطورت منها الكائنات. نعم! نظرية التطور هي من أقوى أسباب الإلحاد، بل قال بعض مؤرخي الأفكار: (إنها أقوى الضربات التي وجهت للفكر الديني في أوروبا!) لكن مجرد إثبات الإله، لا يعود على حقيقة النظرية بالنقض؛ فعدد لا بأس به من أئمة التطوريين هم يؤمنون بوجود الإله؛ فلا تلازم بين المسألتين، كما تصور مؤلف، أو مترجم الكتاب.

لا شك أن ما يلزم من الأقوال والمذاهب من الباطل هو أحد مسالك النقض على المخالفين، وبيان فساد مقالتهم لكن الشأن هو عندما يكون ما نورده هو مما يلزم فعلًا على أصول مذهب الخصوم، بحيث لا يقدرون على الانفكاك منه، أما إذا كان الإيراد غير لازم على أصولهم، أو ينقلب على مذهبنا وأصوله بالنقض؛ فإيراده دلالة على قلة التحصيل!

إذا تقرر ما سبق؛ فاعلم أن ما أورده هذا الفاضل على من يقول بخلق القرآن هو من هذا النوع الأخير، وبيان ذلك فيما يلي:

اللازم الأول: وهو قول هذا الفاضل بأن خلق صفة الكلام يتسلسل في جميع الصفات= هو غير لازم على أصول المعتزلة -تحديدًا- في الصفات؛ لأنهم يفرقون بين الصفات الذاتية وبين الصفات الفعلية، والصفات الذاتية يتصف الله بها أزلًا عندهم؛ فهو لم يزل قادرًا عالمًا حيًا، وليس كذلك في الصفات الفعلية، نعم القول بخلق صفة الكلام؛ لكونها صفة فعل؛ يلزم منه القول بخلق جميع صفات الأفعال؛ وهذا منطوق مذهب القوم، وهم يصدعون به في الليل والنهار، وقد شرحنا مذهبهم في صفات الأفعال في رسالة سابقة على هذه القناة؛ فراجعها إن شئت، أما ما أورده هذا الفاضل نقلًا عن الإمام أحمد (تـ241) -رحمه الله-؛ بأنه ألزم من يقول بخلق الكلام أن يقول بخلق صفة الوجه= فهم أصلًا -وأعني المعتزلة، والجهمية بحسب ما ينقل عنهم- لا يثبتون صفة الوجه حتى يورد عليهم هذا الكلام، وإيراد هذا الفاضل له ذهول منه عن مذهب القوم فيما يثبت وما لا يثبت من الصفات لله عندهم.

اللازم الثاني: يظهر أن المؤلف الفاضل لم يتصور مراد المعتزلة في قولهم بخلق أسماء الله؛ وإلا لما أورد هذا الكلام على أنه من اللوازم المبطلة لقولهم بخلق القرآن، وذلك بأن هذا الفاضل يتصور -بحسب ما ظهر لنا من كلامه- أن مراد المعتزلة بخلق أسماء الله؛ أنهم يرون أن مفاهيم هذه الأسماء مخلوقة، والله غير متصف بها من الأزل حتى خلقها لنفسه، أو خلق كلامه! فالمفهوم من هذه الألفاظ: (القدير، العليم، الحي، الخبير، العزيز… إلخ)= لم يتصف الله به أزلًا؛ حتى خلقه له، أو خلق كلامه= فهذا التصور في غاية الوهم والغلط والخلط، وهو يوحي بعدم فهم مذهب القوم، والأصل الذي تفرع منه! وتبيين ذلك: بأن مفاهيم أسماء الله ثابتة له في الأزل لدى القوم؛ فالمفهوم المستفاد من هذه الألفاظ العربية: [القدير، العليم، الحي، العزيز، العظيم… إلخ] هو ثابت لله من الأزل، ولا أظن أني بحاجة لكي أخبرك بأن الثابت في الأزل من هذه المفاهيم هو ما كان وصفًا ذاتيًا، لا وصفًا فعليًا؛ فتنبه، لكن الألفاظ التي يعبر بها عن هذه المفاهيم هي مخلوقة، وليست قديمة؛ وذلك أن من مذهب معظم المعتزلة أن مبدأ اللغات اصطلاحي بين البشر، وليس توقيفيًّا من قبل الله، وهذه مسألة أصولية شهيرة، وتفرع منها -أيضًا- الخلاف في أسماء الله، هل هي توقيفية أم لا؟ كما ذكر ذلك البرماوي الشافعي (تـ831) في شرحه على منظومته في أصول الفقه، وحتى لو قال المعتزلة بأن الله هو واضع اللغات؛ فهذا لا ينتقض على قولهم بخلق أسماء الله؛ لأنهم يقولون أن كلام الله مخلوق؛ وكذلك الأشعرية، مع أنهم يقولون بأن واضع اللغة هو الله تعالى، وأن كلامه غير مخلوق؛ إلا أنه يلزمهم بأن يقولوا بأن أسماء الله مخلوقة، ولا يخفى عليك أن هذا بسبب قولهم بالكلام النفسي؛ فحتى لو كانت اللغة عندهم بإلهام من الله، وأن كلام الله قديم؛ إلا أن الألفاظ من وضع البشر، بناء على أصلهم في الكلام النفسي؛ فستكون الأسماء مخلوقة على وفق أصولهم، وقد اعترف بذلك أحد شُراح “جوهرة التوحيد”، وكذلك الغزالي (تـ505) في كتابه “المقصد الأسنى” ذكر أنه يلزم على مذهبهم القول بخلق ألفاظ أسماء الله كما هو مذهب المعتزلة، نعم! المذهب الذي لا ينتقض عليه القول بقدم هذه الألفاظ؛ هو مذهب السالمية وبعض فقهاء الحنابلة، وبعض المحدثين؛ وذلك لأنهم يقولون بقدم حروف القرآن، وفيها أسماء الله بتركيبها العربي؛ أما الأشعرية فلا يقدرون على القول بقدم ألفاظ أسماء الله، إلا بمخالفة أصلهم في حقيقة صفة الكلام.

فإذا فهمت مذهب الاعتزال فيما ينسب لهم من القول بخلق أسماء الله؛ فاعلم أنه يرد على هذا الفاضل إيرادان، بحسب هذا اللازم الذي أورده، وهما:

1- إذا كنت تلزم المعتزلة لأجل قولهم بخلق القرآن؛ أن تكون أسماء الله مخلوقة؛ فيلزمك إذًا ألا تقول بخلق الحمير والبغال والحوت والقردة… إلخ، مما ورد ذكره في القرآن؛ لكونك لا تقول بخلق القرآن! فإن استدركت قائلًا: (لكن حقائق هذه الأشياء مخلوقة)؛ أجابك المعتزلة بأن مفاهيم أسماء الله وصفاته، والتي عبر عنها بالعربية في القرآن؛ هي قديمة وثابتة في الأزل لله تعالى، وكون اللفظ الدال عليها مخلوقًا؛ لا يدل على انتفاء ثبوت هذه المفاهيم لله في الأزل؛ حتى تلزمنا بأن ذات الله تكون مخلوقة، وذلك إذا قلنا بأن ألفاظ أسمائه وصفاته مخلوقة!

2- أنه يلزمك ألا تقول بقدم أي اسم وأي صفة لله تعالى، بل ستكون كلها حادثة، وذلك بناء على مذهبنا ومذهبك في القرآن الكريم؛ حيث لا يخفى عليك أن القرآن الكريم في مذهبنا ليس قديمًا؛ فالله لم يتكلم بالقرآن من الأزل، وإنما تكلم به لما بعث سيدنا محمدًا بالحق؛ فهو من آحاد صفة الكلام الحادثة، فهل ستقول حينها بحدوث صفة الحياة، واسم الله الحي -مثلًا-؟! وإن لم تقل بهذا؛ خالفت مذهبنا ومذهبك في صفة الكلام؛ ولحقت بالسالمية وفقهاء الحنابلة وبعض المتأخرين من أهل الحديث، القائلين بقدم القرآن بحروفه!

والمسألة عظيمة، ولها أصول وفروع أخرى، وليس هذا محل بسطها وشرحها؛ لكن انظر إلى عاقبة عدم فهم المذاهب جيدًا! ولا غرابة أن تكون الالزامات التي أوردها هذا الفاضل: (ضعيفة)، والسبب يعود لعدم تصوره لمذهب القوم بشكل جيد.

فهل تبين لك يا طالب التحقيق أهمية فهم المذاهب جيدًا قبل التصدي للرد عليها؟!

قال ابن أبي الحديد المدائني المعتزلي (تـ656) عن فخر الدين الرازي الأشعري (تـ606):

[ومن العجب أن يقرر الشبهة ذلك التقرير، ويؤكدها ذلك التأكيد، ويكون جوابه عنها هذا الجواب! وهذه قاعدة هذا الرجل؛ يتوكل للمخالفين، ولا يتوكل عليهم]!

المصدر: “التعليق على كتاب المحصل” -مخطوط جامعة استنبول-، وهذا الكتاب -حاليًا- قيد التحقيق في أوروبا، وبعد قراءتي للمخطوطة؛ تبين لي علو كعب ابن أبي الحديد في علمي الكلام والفلسفة، فالمشهور عن الرجل اعتنائه بعلوم الأدب، لكن من طالع تعليقه هذا؛ علم ما لديه من تحقيق ودقة نظر في هذه المباحث.

وللرجل مصنفات كلامية أخرى، وهي:

-شرح الياقوت، و”الياقوت في علم الكلام” متن كلامي مختصر، كتبه أبو إسحاق إبراهيم ابن نوبخت، من متكلمي الروافض، وهو مجهول لا يُعرف بأي عصر عاش، لكن المؤكد أنه توفي في أول القرن السابع؛ لأنه نقل عن فخر الدين الرازي (تـ606) قاعدته في ظنية الأدلة السمعية، وإن لم يصرح باسمه.

-شرح مشكلات الغرر، و”غرر الأدلة” كتاب كلامي لأبي الحسين البصري (تـ436).

-نقض الأربعين، و”الأربعين في أصول الدين” كتاب كلامي مشهور لفخر الدين الرازي (تـ606)، كُتبت عليه شروح وتعليقات ومختصرات، وما طُبع في العجم بعنوان “البراهين في علم الكلام”، هو نفس كتاب “الأربعين”، وقد أفادني بهذا أحد طلبة العلم من الأشاعرة. وابن عرفة التونسي (تـ803) ينقل عن “نقض الأربعين” في كتابه “المختصر الكلامي”! فلعله توجد نسخة من هذا الكتاب في دولة تونس، أو في دول المغرب الإسلامي

من المهم أن يعي طالب علم المعتقد، طريقة ترتيب مؤلفي كتب العقائد لكتبهم؛ فهذا سيساعده على فهم مقاصدهم ومذاهبهم ومدارسهم بشكل جيد.

وخذ أمثلة على ذلك:

-في (المتكلمين)؛ نرى”المعتزلة” يجعلون صفة الكلام ضمن [باب العدل]؛ والسبب أنها صفة فعلية حادثة عندهم. بينما نرى “الأشعرية” يجعلونها ضمن [باب التوحيد]، أو ضمن [باب الصفات الذاتية القديمة]؛ والسبب أنها صفة ذاتية قديمة عندهم.

-في (المعتزلة)؛ نجد “البصريين” منهم يجعلون صفة الإرادة ضمن [باب العدل]؛ لأنها صفة فعلية متجددة عندهم. بينما نجد “الحسينية” منهم يجعلون صفة الإرادة ضمن [باب التوحيد]؛ لأنها لا تزيد عن العلم عندهم.

-في (الأشعرية)؛ نرى لـ”ـلأشعرية المتفلسفة” طريقة غريبة -على عموم كتب علم الكلام، لا سيما كتب المتقدمين- في ترتيب كتبهم، وهي الإطالة في بحث المقدمات الفلسفية؛ كالماهية، والمواد الثلاث، والعلة والمعلول، والوحدة والكثرة، والأفلاك… إلخ؛ بما يعادل ثلثي الكتاب! ثم الشروع في بحث الإلهيات؛ وهذا بسبب تأثرهم الشديد بالمشائين. بيمنا نرى لكتب “الأشعرية المغاربة المتأخرين”، ترتيبًا مختلفًا جدًا عن ترتيب كتب السابقين عليهم، وخصوصًا كتب “الأشعرية المتفلسفة”؛ وترتيب “متأخري الأشعرية المغاربة” مركز على بحث مسائل الاعتقاد الكبرى بالدرجة الأولى، إذ اهتموا بتقرير الاعتقاد الحق -في نظرهم- المتعلق بالإله، والرسل؛ لذا نراهم -في كتبهم الكثيرة- أغفلوا كثيرًا من مباحث الاعتقاد، وبعض فروع مباحث كتبهم -كتفاريع خلق الأفعال-، بالإضافة إلى المقدمات الكلامية والفلسفية، والتي كانت -جميعها- محل عناية عند السابقين عليهم؛ والسبب أن مؤسس هذه المنهجية كان متشددًا في قضية إيمان المقلد، فكان لا يرى صحة إيمانه؛ لذا ركز على تقرير ما يحقق له هذا الإيمان بدليله؛ لكي يتعلم المسألة بدليلها، فيسلم في الآخرة.

هذا الجانب -مع أهميته- يقصر عدد من الباحثين في العناية به، والحقيقة إن الاعتناء به مما سيساهم في فهم المذاهب والمدارس العقدية بشكل جيد، كما ينبغي أن يستحضره من أراد أن يكتب كتابًا في مسائل الاعتقاد على مذهبنا؛ فلا يدمج أنواع الصفات الإلهية في موضع واحد -مثلًا-، بل ليجعل (الصفات الذاتية) في فصل، و(الصفات الفعلية) في فصل، و(الصفات الذاتية الفعلية) في فصل آخر، وعلى غرار هذا فقس

مما اقتنيته اليوم، وفيه بحث نفيس للدكتور عبد الرحمن بدوي (تـ1423)، بعنوان “أوهام حول الغزالي”، في: ص241-251.

وقد ناقش فيه أربعة تصورات مشهورة عن الغزالي (تـ505) وهي:

1-تأثير هجومه على الفلسفة.

2-اتفاق (شكه) مع شك ديكارت.

3-اتفاق (عليته) مع علية هيوم.

4-تأثر تصوفه وأخلاقه بالنصرانية.

وقد زيّف د. بدوي كل هذه التصورات، وبيّن عدم صحتها مع شهرتها!

بحث ممتع جدًا، كعادة كتب وأبحاث د. بدوي.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن الكاتب (رحمة الله)

مبارك عامر بقنة

(رحمة الله)

كاتب وباحث تربوي، تخرّج في تخصص الكيمياء الحيوية، وعمل في ميدان التعليم لسنوات طويلة. له مشاركات في العمل الاجتماعي والخيري، وتجربة في التدريس والدعوة. يهتم بالقضايا الفكرية المعاصرة، وله مؤلفات وأبحاث، وعمل في اخر حياته على كتب في الإلحاد المعاصر والقراءات الفكرية. كما ولي اهتمامًا بعالم التقنية والبرمجة، وصمّم عددًا من المواقع المعرفية

المقالات الشائعة

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

Instagram Feed

Edit Template

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـُشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©