التناقض في نفي مبدأ عدم التناقض

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا الكريم، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وبعد:

اخترنا لهذا البحث موضوع المبادئ العقلية ورد الشبهات حول مبدأ عدم التناقض، وقد رمنا في بحثنا هذا البساطة في صياغة هذه المبادئ والتعبير عنها بلغة سلسة وتقريبها للأفهام بأمثلة بسيطة، فصياغتها في علم المنطق في الفلسفة أو منطق علم الرياضيات، دقيقة اللغة عسيرة الفهم.

وبالنسبة لاختيار مبدأ عدم التناقض من بين المبادئ الأخرى، فلأنه تعرض للهجوم من قبل المشككين إلى جانب مبدأ السببية كثيرا، ولأن السببية قد ردت الاعتراضات عنها في كثير من الكتابات فاخترنا أن نناقش الاعتراضات على مبدأ عدم التناقض في بحثنا هذا.

وقد وجدنا أن الأفكار الخاطئة حول هذا المبدأ تعود إلى أسباب كثيرة، فتارة هي نتيجة لعدم صحة التصورات عند الطرف الآخر لأقوال المدافعين عليها، أو أن الدليل العلمي الذي يطرحونه غير قطعي، أو أنهم لا يأخذون بالأدلة المعارضة الراجحة، مما سنكتشفه في طيات هذا البحث.

وقد بدأنا البحث بتعريف للمبادئ العقلية ثم ذكر أهم صفاتها، ثم انتقلنا إلى بيان دلالتيها الفطرية والعقلية على وجود الله تعالى، ثم بعد ذلك ذكرنا أشهر الشبهات والاعتراضات حول مبدأ عدم التناقض، وأخيرا قمنا بالرد على كل اعتراض على حدى.

ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد.

تعريف المبادئ العقلية

المبادئ العقلية هي علوم ومعارف يجدها الإنسان في نفسه ضرورة وتنطبق على كل الأشياء في هذا الوجود، وقد يدركها وقد لا يدركها ولكنه يستعملها في حياته وفي كل لحظة دون أن ينتبه لها، ويرجع ذلك لأنها دقيقة جدا وليست كالعلوم المكتسبة، وعليها تقوم المعرفة الإنسانية كلها، ولا يخلو حتى التعامل بين البشر منها بل وبين الإنسان ونفسه أيضا. ولتقريبها من الأفهام نسوق أمثلة عليها:

مبدأ السببية:

وهو أن لكل حادث سببا، فلا يخلو حادث في الكون من تحقق هذا المبدأ، والحادث هو ظهور شيء بعد أن لم يكن، فالإنسان يأوي إلى غرفته كل ليلة لينام على سريره ويستريح، ولا يثير انتباهه أبدا بقاء السرير في مكانه لأنه أمر بديهي، لكن يدخل يوما ليجد السرير في يمين الغرفة بعد أن كان في يسارها، فينقدح في نفسه باعث يدفعه للسؤال: ماذا حدث؟ ومن فعل هذا؟ وما سبب ذلك؟ فتغير السرير من مكان لآخر هو أمر حادث، لذلك استوجب سببا. وهذا المبدأ يعم كل الحياة، فالعلوم التجريبية تقوم على هذا المبدأ العقلي، فالعلم التجريبي هو بحث عن أسباب الظواهر في هذا العالم، وبحث في علاقة الأثر بالمؤثر والتي هي عين مبدأ السببية، ونجد هذا المبدأ واضحا جليا في ميدان الطب، فعندما يعرض للإنسان ألم يسارع إلى الطبيب ليكشف له عن سببه، وهذا تطبيق لا واع لمبدأ السببية، ويسري كذلك على العلوم الإنسانية وغيرها، ولأن كل شيء في العالم حادث، كما يؤمن به المؤمن والملحد على حد سواء، فلكل تلك الأشياء أسباب.

مبدأ عدم التناقض:

وهو أن الشيء وضده لا يمكن أن يجتمعا في مكان واحد وفي زمان واحد، أي أن النقيضين لا يجتمعان أبدا، فلا يجتمع الحي والميت، لأن الميت هو ذهاب الحي والعكس صحيح، ولا يجتمع حزن وفرح، لأن الحزن عكس ونقيض الفرح، ولا يجتمع الليل والنهار كذلك، ومن عدم الفهم أو المغالطة تناسي شرطي الزمان والمكان ومحاولة التشغيب، فالليل والنهار قد يجتمعان في أمكنة مختلفة كدولتين متباعدتين تقعان على الطرفين من الكرة الأرضية، لكن لا يتصور عقلا ولا حسا، أبدا، اجتماع الليل والنهار في نفس المكان وفي نفس الوقت.

وقد يلاحظ الإنسان كمية التكلف في رد التشغيبات والاعتراضات على هذه المبادئ وذلك راجع لنفوذها وعمقها في النفس فكأنها تدفع هويتها عنها بعيدا.

مبدأ الهوية:

أو الماهية، وهي أن الشيء هو نفسه، فأنت يا من تحمل اسم فلان، هو أنت في حد ذاتك لا شيء آخر، ويعتبر هذا المبدأ من أعقد المبادئ وأعسرها إدراكا، وذلك لشدة بداهته، والملاحظ أن المفهوم كلما كان بديهيا كلما صعبت تجليته ومحاولة إبرازه ليصبح سهل الإدراك لعامة الناس. لكن ما يميز هذه المبادئ أن الإنسان لا يحتاج معرفتها ليطبقها أو يستعملها فهي منطبعة مبثوتة فيه كما هي الروح والحياة، لتكون دليلا فطريا على وجود الله تعالى ويكون العلم بذلك يقينيا يستطيعه جميع الناس على اختلاف عقولهم.

ولمزيد تجلية لمبدأ الهوية نسوق كلاما للإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في معرض حديثه عن هذه المبادئ التي أسماها حاسة سادسة، وسار في مبتدأ كتابه المسمى الفصل في الملل والأهواء والنحل، يعد هذه المبادئ ويسوق عليها أمثلة يسيرة الفهم قريبة المأخذ، فيقول في مبدأ الهوية ما يلي: “ويعرف (الطفل) أن للأشياء طبائع وماهية تقف عندها ولا تتجاوزها، فتراه إذا رأى شيئا لا يعرفه قال أي شيء هذا فإذا شرح له سكت”[1].

مبدأ الثالث المرفوع:

وهو مبدأ رديف لمبدأ عدم التناقض، فكما أن النقيضان لا يجتمعان حسب مبدأ عدم التناقض، فلا يمكنهما أن يرتفعا في نفس الوقت، فلا يمكن للإنسان أن يكون لا حيا و لا ميتا، أو لا جائعا ولا شبعانا، ولا يمكن ألا يكون هناك ليل ولا نهار. ولا يمكن أن يكون لا داخل ولا خارج المنزل. فلا بد، دائما، من حضور حالة أو طرف من طرفي النقيض، فإذا حضر الطرف الآخر ارتفع الأول وكان هذا مبدأ عدم التناقض.

فهذه كانت لمحة بسيطة عن هذه المبادئ العقلية الأولية، بأمثلة عنها تقرب جنسها للقارئ، فهي من نوع التعاريف التي تعرف بمكوناتها إذا أردنا الفهم الكامل لها، وينضاف إلى ما عرضناه أمثلة أخرى عنها كقول الجزء أصغر من الكل، و 1+1=2…

ولهذه المبادئ تسميات كثيرة، كل منها يدل على صفة من صفاتها، فهي: البديهيات، والعلوم الفطرية، والعلوم الضرورية، والمبادئ العقلية الأولية، والقضايا المعروفة بنفسها…[2].

والجديد في هذه المبادئ ليس عينها، فهي كما رأينا أمور بديهية نستعملها كل لحظة، لكن الجديد هو إدراكها وكشفها وتحريرها ليعيها الناس، فهناك من يسعه فهمها وهناك من لا تتسع حويصلته لذلك أو لا يستطيع فهمها فالناس في العقل مراتب. وسنرى في القسم الثالث من البحث التناقضات الصارخة التي يسقط فيها كل من يلجأ إلى دفع هذه المبادئ أو رفضها.

صفات المبادئ العقلية الأولية

وأهم صفتين من صفاتها: الكلية والضرورية[3]، وفي ما يلي تبيان هتين الخاصيتين:

صفة الضرورة:

فهذه المبادئ كما سبق وقلنا هي أصل العلوم والمعارف كلها، عليها تقوم، بمعنى أنها تعود إليها وهي منطلقها، فالعلوم إما ضرورية أو نظرية، ونقصد بالنظرية ما يكتسب عبر الطلب ونصل إليه عبر التفكير والبرهان، والضرورية عكس ذلك، فهي لا تحتاج برهانا ولا استدلالا، بل هي منطبعة موجودة في النفس منذ تعقلها، ولذلك سميت ضرورية، وإجمالا فهذه الخاصية تعني أمرين، الأول أنها علوم غير مكتسبة موجودة فينا ولا تحتاج برهانا، ثم إنها الأساس الذي انطلقنا منه لنبني سائر المعارف والعلوم المكتسبة، تلك المسماة النظرية.

يقول حجة الإسلام الغزالي رحمه الله[4]:”وهذه العلوم وكأنها مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة ولكن تظهر في الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج وكأنها كانت مستكنة فيها فظهرت”.

صفة الكلية:

فهي مبادئ عامة ومطلقة تعم كل الأشياء في العالم بدون استثناء، حتى العالم نفسه، فلا يمكن أن تجد أبدا أشياء تخالف هذه المبادئ، فلا تطبق على أجزاء أو أبعاض من العالم فقط، ولا على بعض المعارف أو العلوم بل تعمها جميعها، في كل الأمكنة والأزمنة والظروف.

أهميتها في الدلالة على وجود الله تعالى وكماله

إن من أهم ما تدل عليه قطعا هذه المبادئ وجود الخالق المحدث لهذا الكون، سبب هذا العالم وكل ما فيه، وتدل كذلك على صفاته ككماله تعالى وحكمته. وتدل المبادئ العقلية بمجرد وجودها في الإنسان دلالة فطرية على ضرورة الخالق سبحانه، ومن جهة ثانية، تدل بمقتضياتها دلالة عقلية.

الدلالة الفطرية:

تعتبر المبادئ العقلية أحد خمسة مستويات للفطرة في دلالتها على الله تعالى، وهذه المستويات هي: المبادئ العقلية الأولية، النزعة الأخلاقية، الجانب الغريزي، الشعور بالغائية والشعور بالإرادة الحرة[5]، فبالإضافة إلى أن الإيمان بالله تعالى قضية فطر عليها الإنسان، موجودة في نفسه، فقد يغطيها الران فلا يصل الإنسان بمقتضاها إلى الإيمان، وهنا نجد أن الفطرة تحتوي مكونات أو مستويات أخرى تدل على الله تعالى، منها المبادئ العقلية، وبالتحديد وجود هذه المبادئ، فخاصية الضرورة تدل دلالة جلية على أن واضع هذه المبادئ في الإنسان هو الله تعالى، وذلك لعدة أسباب، فهي أولا غير مكتسبة فكيف للإنسان أن يعرفها؟ وهنا يطرح سؤال المصدر، ثم هي مبادئ كلية مطلقة تسري على كل شيء، وجودها موضوعي لا يتعلق بوجود الإنسان أو عدمه، فـ 1+1=2 مبدأ صحيح مطلق ولو لم يوجد إنسان قط في هذا العالم، فوجودها غير تابع للإنسان بل هي مستقلة عنه، وهنا يطرح سؤال آخر: كيف يعرف الإنسان المطلق؟ ألا يدل ذلك على أن مصدرها مطلق؟

والأجوبة كالتالي: فالله عز وجل خالق هذا الكون وفاطره، لأن هذا المكون، المبادئ العقلية، موضوعي مستقل عن الإنسان مبثوث في نفسه وهذا يدل على أن هناك من وضعه، وهو حي مطلق قادر مريد حكيم وعليم، وما هذه إلا دلالة واضحة على وجود الله عز وجل وصفاته.

الدلالة العقلية:

معلوم أنه من لم تسعفه فطرته ولم تدله على الله تعالى أن عليه أن يلجأ إلى البرهان العقلي، فالعقل، هذه الآلة التي يمتلكها الإنسان تستطيع التفكير والبرهان والاستدلال والتوصل إلى النتائج، ولكن اعتمادا على معطيات أهمها المبادئ العقلية.

وأشهر وأول دليل عقلي على وجود الله تعالى ما يسمى دليل الخلق والإيجاد الذي يتكون من مقدمتين ونتيجة:

المقدمة الأول: كل حادث لا بد له من محدث

المقدمة الثانية: الكون حادث

النتيجة: الكون له خالق وهو الله تعالى

ونلحظ هنا بجلاء ووضوح مبدأ السببية، فهو المقدمة الأولى التي اعتمدنا عليها لاستنتاج أن الكون له خالق لأنه حادث، لأن له بداية، لأنه ظهر من العدم بعد أن لم يكن.

ثم إن السببية تدل على وجود الله تعالى ومجموعة من صفاته من خلال ما يسمى: دليل الإتقان والإحكام، وهو كما الدليل السابق، يتكون من مقدمتين ونتيجة:

المقدمة الأولى: الإتقان والإحكام يستدعيان وجود صانع متقن محكم.

المقدمة الثانية: الكون متقن محكم.

النتيجة: الكون له خالق حكيم عليم لا يجوز أن يكون غير الله تعالى.

وهنا أيضا نلحظ استعمال مبدأ السببية، فنحن نستدل بالأثر على المؤثر ونتجاوز ذلك بالدلالة أيضا على صفات المؤثر انطلاقا من صفات الأثر، وهذا أيضا شيء بديهي، فالناس في حياتهم اليومية، إذا رؤوا الصنعة الجميلة البهية، علموا يقينا بوجود صانع حاذق لها، فتجد إنسانا مثلا يتسابق إلى خياط ملابس بمجرد أنه شاهد جاره أو أحد أصدقائه يلبس ملبسا أنيقا جميلا فأثاره ذلك فإذا به يسأل عمن خاطه، ليسارع الخطى إلى هذا الماهر، فيطلب منه أن يخيط له ملبسا أنيقا أيضا.

فالملبس الجميل زيادة على أنه يدل على وجود صانع، بل ويدل على خبير بأنواع الألبسة خبير بالألوان والأثواب وأنواع الخيوط، متقن مجد في عمله…

هذا فيما يخص مبدأ السببية. ننتقل الآن لنرى تطبيق مبدأ عدم التناقض للدلالة على وجود الله تعالى:

إن مبدأ عدم التناقض هو الأس والأساس في عملية الاستدلال على وجود الله تعالى، ذلك أنه به وُجدت ثنائية الوجود والعدم، وإلا لصار الوجود والعدم لا معنى لهما، وكذا الحدوث وعدمه، لذلك فمبدأ عدم التناقض أساسي في عملية البرهان للانتقال بين النقيضين، ونسيق برهانا للدلالة على وجود الله تعالى يظهر بوضوح هذا المبدأ:

يقول الشيخ سعيد رمضان البوطي:”إن جميع الأمور والأشكال المفروضة في الذهن لا تعدو أن تتصف بأحد أوصاف ثلاثة: الوجوب، الاستحالة، الإمكان.

فما اتصف بالوجوب هو ما يحيل العقل عدمه، وما اتصف بالاستحالة هو ما يحيل العقل وجوده، وما اتصف بالإمكان هو ما لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه.

وهذا الكون الذي نراه في جملته، إنما هو نوع من الممكن…وهذا يعني أنه لابد لهذا الكون الذي كان في أصله قابلا لكل من الوجود والعدم بحد سواء، من قوة خارجة عنه مؤثرة فيه خصصته لجانب الوجود، وتلك القوة هي قوة الله عز وجل.”[6]

إذن فهناك أشياء ممكنة الوجود، فكأس الشاي والقلم والسيارة وغيرها ممكنة الوجود أي أنها جائزة عقلا، عكس مستحيل الوجود الذي يستحيل أن يوجد وهي المستحيلات العقلية، كقولنا دائرة مربعة، أو شخص حي وميت…

ولأنه يمكن وجود سيارة تحمل على أحد جوانبها اسمك الكامل مثلا، وهي ليست شيئا مستحيلا، فهي تحتاج لمن ينقلها من حالة العدم هذه إلى حالة الوجود. وهذا بالضبط ما انطوى عليه البرهان سالف الذكر، فالكون ممكن الوجود لكنه معدوم، ولينتقل إلى الوجود لا بد له من مرجح، لأنه يستوي في حقه العدم والوجود فضروري أن يوجد من يرجح وجوده من عدمه، وهو ما يسمى واجب الوجود، وهو الله تعالى.

اذن فثنائية الوجود والعدم قائمة على مبدأ عدم التناقض، والترجيح أيضا يقوم على هذا المبدأ، ثم على السببية.

ثم إن مبدأ الهوية، مبدأ أصيل في العملية الاستدلالية، فهو ما يجعل موضوع البحث محددا غير هلامي، فأنت حين تبحث عن فاعل الكون فهو محدد فيه نفسه لا في غيره. فلا يمكن للمرجح أن يكون غير هذا المرجح.

وهكذا نرى كيف تحضر المبادئ العقلية بقوة في العملية الاستدلالية على وجود الله تعالى وصفاته عز وجل.

شبهات حول المبادئ العقلية والرد عليها

نريد بإذن الله تعالى في هذا القسم الأخير، مناقشة الشبهات والاعتراضات التي يشكك بها الملحدون وغيرهم في مبدأ عقلي معين، وهو مبدأ عدم التناقض، ولقد اخترناه لأنه حاضر بقوة في البرهان والاستدلال العقلي على وجود الله تعالى وصفاته، فالسببية التي تخبرنا أن لكل حادث سبب، يسبقها مبدأ عدم التناقض الذي يظهر الفرق بين الحادث والقديم، فلولاه لاستوى الاثنان وما استطاع الانسان مناقشة القضية لا نفيا ولا إثباتا. ثم إنه ما يرسم حدود البرهان بل وسبب البرهان، فما البرهان إلا إظهار الصواب بنفي الخطأ، أو العكس، والظاهر أن الأمر لا يتم سوى إذا كان لثنائية الخطأ والصحيح معنى، الأمر الذي لا يكون في عدم وجود مبدأ عدم التناقض.

نبدأ بإيراد الاعتراضات واحدا واحدا، ثم نعقب ذلك بالرد على كل اعتراض بحدى تاليا.

الاعتراضات على مبدأ عدم التناقض قسمان: اعتراضات عامة يتشارك فيها مع غيره من المبادئ العقلية ثم اعتراضات خاصة به وحده.

الاعتراضات على مبدأ عدم التناقض:

الاعتراض الأول: وهو ما ينافح عنه الحسيون التجريبيون وخاصة العِلمويون، على خطى سابقيهم من المنتسبين إلى الوضعية المنطقية، والذين يقولون بأن الحقيقة لها منفذ واحد وهو الحس عبر ميدان التجربة وما لايدركه الحس فليس بمعرفة ولا حقيقة. وهم بذلك لا يولون العقل أية أهمية بل ينكرونه وينكرون المبادئ العقلية التي هي جزء أصيل من العقل، فهي من أقسام العقل عند حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، فيقول في معرض حديثه عن هذه الأقسام:”…الثاني: هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجوار الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد.”[7]

لكن المتمذهبين الحسيين ينكرون العقل ومبادئه، ومنهم من يجعل التجربة أساس العقل، فليس هناك من مبادئ ثابثة، كما نظّر لذلك جون لوك الذي يعتبر أن الإنسان يولد صفحة بيضاء تملأها التجربة.

وبهذا النمط من التفكير يصبح الحديث عن أي استدلال عقلي باستعمال المبادئ العقلية لغوا فكريا لا غير.

الاعتراض الثاني: وهو القدح في خاصية الضرورة في المبادئ العقلية، وهي تعاليها عن الاستدلال والبرهان والنظر وكونها قاعدة تنبني عليها كل المعرفة البشرية النظرية، فيعترض الملاحدة ويرفضون التسليم بضرورتها، لأن ذلك يفتح الباب لسؤال المصدر وهنا يفضلون غلق الباب بإنكار هذه الخاصية، بل ويعتبرون كل العلوم والمعارف نظرية تحتاج برهانا واستدلالا، ويجعلون هذه المبادئ من العلوم النظرية التي تقبل النفي أو التغير والتبديل ليست مطلقة. ويطلبون من المؤمنين بهذه المبادئ البرهان والأدلة على قولهم وإلا فدعواهم مردودة عليهم.

الاعتراض الثالث: وهو القدح تاليا في خاصية الكلية، فإن كانت المعارف كلها نظرية، وكان الحس هو المنفذ الوحيد للمعرفة والحاكم عليها، وكان كل ما لا يقع تحت مجهر الحس ولا يدخل مختبر التجربة خارج حساب المعرفة البشرية، فإن هذه المبادئ، على فرض التسليم بها، جزئية لا كلية، لأنها من نتاج الحس، والموصل إليها هو الاستقراء لأجزاء الكون المشاهد. ويسمون ما اتفق عليه كل الناس “منطقا سليما”  كما يسميه الفيزيائي “ستيفن هوكنغ” أو ما يسميه رولان أومنيس”حسا مشتركا”.

الاعتراض الرابع: وهو الأكثر شهرة، وهو اعتراض خاص بمبدأ عدم التناقض، وهو ما يعتبرونه سقوط هذا المبدأ بسبب ما توصلت إليه فيزياء الكم من نتائج كسرت الفيزياء الكلاسيكية، وأنهت الحتمية المعروفة في العالم الكبروي (الماكروسكوبي)، وفيزياء الكم هي ذلك الفرع من الفيزياء الذي يحمل التعبير الملائم للجسيمات المكونة لأصناف المادة في الكون، وقد انطوى هذا الفرع من الفيزياء على نتائج غريبة وعجيبة، توهم البعض أنها تناقض مبادئ العقل، كوجود جسيم في نفس الوقت في مكانين مختلفين، وكعدم القدرة على تحديد سرعة جسيم في حالة تحديد موضعه والعكس أيضا فيما يعرف بمبدأ الريبة لهايزنبرغ، وخاصية التراكب لدى الجسيمات التي تجعلها في حالتين متناقضتين كالثبات والحركة في نفس الوقت، ومن أغرب الأمثلة على خاصية التراكب، تلك التجربة التخيلية التي قام بها الفيزيائي إروين شرودينغر أحد أعمدة الفيزياء في عصرنا هذا، وأحد آباء فيزياء الكم، والتجربة تقوم على وضع قطة في صندوق به مصدر إشعاعي وقارورة زجاجية تحمل سما وعداد غيغر، ومطرقة تقوم بكسر القارورة في حالة تم رصد جسيم منطلق من المصدر الإشعاعي على عداد غيغر، فينطلق السم فتموت القطة، لكن وريثما يفتح أحدهم الصندوق فالقطة في حالة متراكبة من الموت والحياة، فإذا فتح الصندوق ظهرت حالة واحدة للمشاهد، ويجذر بالذكر أن “المشاهد” له دور مهم في معادلات فيزياء الكم. وهنا نرى جليا انتقاض مبدأ عدم التناقض، فالقطة ميتة وحية في نفس الوقت حتى يُفتح الصندوق.

ومن أبرز التجارب التي يستشهد بها المعترضون ويتخذونها دليلا على سقوط مبدأ عدم التناقض، تلك التجربة الأولى من نوعها التي كانت بهدف تحديد طبيعة الضوء، فإذا بها تظهر تناقضات عجيبة حيث تبين أن الضوء جسيم وموجة في نفس الوقت، وهي تجربة يونغ أو تجربة الشق المزدوج المشهورة وهي تجربة يطلق فيها الضوء على لوحة فيها شقين، فيقع أن يجتاز الفوتون الشقين في نفس الوقت، ثم تعم هذه النتيجة الخاصة بالفوتونات كل الجسيمات الذرية وما تحت الذرية كالالكترونات وغيرها.

إذن فهذه التجربة الواقعية حاسمة في نقض مبدأ عدم التناقض بسبب وجود جسيم في موضعين مختلفين كما صرح بذلك مثلا أحد كبار الملحدين في عصرنا هذا والداعين إلى الإلحاد بقوة، المنافح عن العلموية وكاتب “كون من لا شيء”، ذلك الكتاب الذي يناقض أبسط بديهيات العقل انطلاقا من عنوانه، يناقض مبدأ عدم التناقض، فيساوي بين الوجود والعدم، أو هكذا يحب أن يوهم القارئ، إنه الفيزيائي لورنس كراوس، الذي حل ضيفا على إحدى مقابلات البودكاست “بودكاست 115” وهي منشورة على اليوتيوب، ليصرح أن مبدأ عدم التناقض ليس صحيحا، لأنه لا يمكنك القول أن الإلكترون يتواجد على الدائرة أو لا يتواجد عليها.

الردود على الاعتراضات:

لقد سقط المعترضون ومثيرو الشبهات حول المبادئ العقلية عامة ومبدأ عدم التناقض خاصة في أخطاء منهجية ومعرفية وعلمية كثيرة، بيانها في النقاط التالية:

فيما يخص الاعتراض الأول: فالحس لا يقوم وحده أبدا بالوصول إلى المعرفة، فهو مجرد منفذ وقناة لمعطى حسي عبر إحدى الحواس الخمسة لتنقلها السيالات العصبية إلى الدماغ فيقوم الإنسان بتعقلها فاستنباط المعلومات والمعرفة والنتائج منها، وبدون العقل فالمعطى الحسي لا يتجاوز أن يكون صورة دون معنى، تحتاج لترجمان هو العقل، وعماد العقل هذه المبادئ العقلية التي بدونها لا يستطيع الإنسان الوصول إلى معرفة. فأنت لما تدخل غرفة منزلك فترى الزجاج مكسورا لم تقوم بردة فعل؟ فالنافذة المكسورة أو غير المكسورة مجرد صورة تراها العين، ولا فرق بينهما لو كان مبدأ عدم التناقض ملغيا، لكن العمدة على العقل الذي يستنتج بالمقارنة والربط والرجوع إلى الذاكرة ومجموعة من العمليات الكثيرة والسريعة التي تمر في أجزاء من الثانية ليصل إلى حقيقة أن هذه الصورة تعني أن هناك حادثا، لأن مبدأ عدم التناقض يفضي في أول ما يفضيه إلى انفصال حالة الانكسار وعدم الانكسار وأنهما متناقضتين، ويمضي العقل في استنتاجاته ليقر بوجود سبب وراء الحادث ثم التفكير في الأسباب والفاعلين وغير ذلك من سلسلة الترابطات العقلية من مجرد معطى حسي بسيط.

ثم إن العلمويين يقعون في خطأ منهجي آخر عندما يعرضون عن المبادئ العقلية بحجة أنها لا تخضع للبرهنة بواسطة التجارب، ويغضون عمدا أو سهوا الطرف عما اشتمل عليه منهجم من مكونات غير تجريبية كثيرة جدا، فالفروض والخيال والإيمان بحتمية القوانين والإيمان بوجود نظام لهذا الكون وأن لكل أثر مؤثرا (والتي هي عين السببية) وغيرها من المكونات هي من جنس ما لا يمكن البرهنة عليه، ولعل أهم تناقضاتهم وأبرزها قولهم “المنهج العلمي التجريبي هو طريق المعرفة الوحيد”، فنسألهم هل تؤمنون بصحة هذه المقولة؟ فإن قالوا نعم، سألناهم: وكيف يمكن البرهنة على هذه “الحقيقة” انطلاقا من التجربة؟

ثم إن الكثير من النظريات ليست قائمة على التجربة والمشاهدة بل فقط على دلالة الأثر على المؤثر، كوجود الإلكترون ونظرية التطور وغيرها، ولو كان الحادث والقديم يستويان ما كان العالم محتاجا لأسباب أصلا.

وبالحديث عن نظرية التطور، فإنها من أهم ما يتكئ عليه المعترضون ليعضدوا من أدلتهم ضد المبادئ العقلية، فيصرحون أن عقولنا ما هي إلا نتاج عملية نشوء وارتقاء طويلة جدا، هدفها استبقاء النوع لا إيصاله إلى الحقيقة، وبهذا فإن العقل ومعارفه ليست حقيقة بل هي وهم يعرضه العقل لاستبقاء الجنس البشري.

وهنا ينقلب السحر على الساحر، فكيف تتثق في نظرية التطور التي هي استنتاج العقل بعد استقراء ومسح لأجناس الحيوانات وبقاياها من العصور المتقدمة جدا؟ كيف يمكن الثقة في هذه النظرية التي هي نتاج عقل يريد فقط أن يحافظ على الإنسان، ألا يمكن أن تكون وهما أيضا؟ وبهذا فاعتراضهم سلاح ضدهم ينفي كل معارفهم من أصلها، فلا عبرة باعتراضهم هذا.

وهذه الفكرة ليست مما يخفى على التطوريين، بل كانت حاضرة في مناقشاتهم من لدن تشارلز دارون، فقد أرقته فكرة صدقية المعارف التي ينتجها العقل البشري، فقد كتب في رسالة لصديقه ويليام غراهام في الثالث من يوليو سنة 1881 الآتي:

“عندي شكّ دائم في أن تكون لقناعات عقل الإنسان – التي تطوّرت من حيوانات أدنى – أيّ قيمة أو أن تستحقّ التصديق أصلًا. هل بإمكان أيّ منا أن يصدّق قناعات عقل قرد، إن كانت هناك أصلًا قناعات في ذلك العقل؟!”

والسؤال: أليس هذا الطرح كافيا لهدم المعرفة الإنسانية كلها لدى المعتقد بالتطور؟

الرد على الاعتراض الثاني: فلا يمكن اعتبار كل العلوم نظرية للسبب الآتي: وهو أنه لو قدر أن كل العلوم مكتسبة ما اكتسب الإنسان علما. وفي بيان هذه الحقيقة يقول الرازي رحمه الله:”ليس يجب أن يكون كل تصور مكتسبا وإلا لزم الدور أو التسلسل إما في موضوعات متناهية أو غير متناهية وهو يمنع حصول التصور أصلا بل لا بد من تصور غير مكتسب وأحق الأمور بذلك ما يجده العاقل من نفسه ويدرك التفرقة بينه وبين غيره بالضرورة”[8].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”إن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقفت على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدؤها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها”[9].

وخذ مثالا على ذلك لتقريب فهمك للمسألة: هب أن رجلا محكوما بالإعدام ينتظر تنفيذ الحكم من طرف جندي، لكن الجندي ينتظر الأمر ممن يعلوه وهكذا، فلن يتم الإعدام أبدا، لأن التسلسل لا نهائي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال، إذاك، أن يصل الأمر إلى الجندي، وبالتالي لن ينفذ الحكم. أما في الحالة المعاكسة، أي أنه إذا نفذ الحكم، تبين وظهر بالملموس وبما لا يدع مجالا للشك أن السلسلة تنتهي عند شخص غير مأمور لا ينتظر أمر أحد.

وقد يعترض معترض بعد برهان التسلسل الممتنع فيسلم بوجود العلوم الضرورية، لكن محل اعتراضه هو اعتبار المبادئ المشهورة والتي ذكرناها في القسم الأول عين العلوم الضرورية، ويتعلل بأن برهان التسلسل الممتنع يبين وجودها لا طبيعتها ومكوناتها.

والجواب بإذن الله على هذا الاعتراض سهل يسير بحول الله وقوته، فالبرهان على أن القوانين المذكورة سالفا كالسببية وعدم التناقض هي من العلوم الضرورية يكفي فيه أن نبين أنها تحمل خاصيات وصفات هذه العلوم الضرورية، وهي عدم القدرة على البرهان عليها وكونها أساسا للمعرفة النظرية، وهذا يتحقق بدون أدنى شك في تلك القوانين، فهي مما لا يمكن البرهنة عليه لأن في ذلك استعمالا لها وسقوطا في الدور، وهذا لا يستقيم، ثم إن كل المعارف البشرية من أبسطها إلى أعقدها تدور حولها وتنبني عليها، فهي إذن تكون حاملة لصفات العلوم الضرورية فهي إذن منها، ولم يقل أحد أنها وحدها العلوم الضرورية.

يقول جون كلوفرمونسيما:”يسلم العلماء بصحة بعض الفروض المقبولة، والتي ليس هناك سبيل إلى إدراكها إدراكا،  فليس هناك من يستطيع أن يدعي أنه رأى البروتون أو الإلكترون، ولكن الناس يلمسون آثارهما، وكذلك الحال فيما يتصل بترکیب الذرة وخواصها، وكذلك الحال فيما يتعلق بتركيب الأجرام السماوية البعيدة ، وما يفصلها من مسافات شاسعة، مما لا نستطيع أن نخضعه لتجاربنا، أو نقيم الأدلة المباشرة على صحة نظرياتنا وفروضنا حوله .

فمن الواضح إذن أن كثيرا من المعلومات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته ويسلم بصحتها، لا بد أن يتقبلها ويؤمن بها إيمانا يقوم على التسليم بصحتها، وليس معنى ذلك أنه إيمان أعمى، فهو إيمان يسمح بأن يوضع على محك الاختبار في شتى مواضعه، فيزداد بذلك قوة وتدعيما، ويستطيع الإنسان أن يمارس مثل هذا الإيمان فيما يتصل بفكرة وجود الله”[10]

أما فيما يخص الاعتراض على خاصية الكلية في هذه المبادئ، والاقتصار على الاستقراء، مجموعة أخطاء فادحة، فالكون يشهد بما لا يدع مجالا للشك أن هذه المبادئ مطلقة تصدق على كل حيثياته، بل وحقيقة أنها مطلقة نافذة أصلا في النفس البشرية وبديهية عقلية، وإلا توقف الإنسان عند كل حركة من حركاته أو سكنة من سكناته ليعاود النظر في صلاحية المبادئ العقلية الأولية وهذا ما لا يقول به عاقل، ثم إن خاصية الضرورة تقتضي خاصية الكلية ضرورة، فالضروري مطلق المصدر لا نصل إليه من استقراء لأجزاء الكون، فبذلك يتأكد أنها مطلقة في مصدرها مطلقة هي عينها. يقول الرازي رحمه الله:”وأما الكليات فالحس لا يعطيها ألبتة فإن الحدس لا يشاهد إلا هذا الكل وهذا الجزء، فأما وصف الأعظمية فهو غير مدرك بالحس.”[11]

وإن بعض الحسيين قد تفطن لكلية هذه المبادئ فبدت له كمية الرعونة والغباء في القول بالاستقراء أداة لتحصيل هذه المبادئ فاختار وهرع إلى التعامل البراغماتي معها كما اختار الفيلسوف والرياضياتي الإنجليزي برتراند راسل، وهي أننا نأخذ بها لأنها تفيدنا فقط، وصدقيتها صلاحيتها!

أما الاعتراض الرابع والأخير وعمدة الاعتراضات فيما يخص مبدأ عدم التناقض فالرد عليه من وجوه:

أن علم فيزياء الكم لا يعدو أن يكون علما نظريا، ومن الخطأ المنهجي رد الضروري بالنظري، يقول الرازي:”القدح في الضروريات بالنظريات يقتضي القدح في الأصل بالفرع، وذلك يوجب تطرق الطعن إلى الأصل والفرع معا، وهو باطل”.[12]

إذن لو صح إسقاط الضروري لسقط معه مباشرة النظري لأنه ينبني عليه.

يقول رولان أومنيس:”وإذ لا يزال عقل الفيزيائي يحاول استنقاذ ما يمكن استنقاذه من التمثيل الحدسي للمفاهيم، فإن حقبة جديدة قد أشرقت، حقبة سوف تعلو فيها الصورة الرياضية للأفكار والقوانين الفيزيائية، على سائر صور الفهم الأخرى.”[13]

إن فيزياء الكم علم صوري تجريدي، اتخذ الرياضيات أساس البناء والتعبير، والمتخصص في الرياضيات يعلم علما لا يحده شك، أن المنطق في الرياضيات الذي ينبني عليه العلم كاملا، يعتبر مبدأ عدم التناقض قانونا جوهريا في بناءه، فبه نعرف “نفي عبارة”، وهي العبارة التي تكون خاطئة إذا كانت العبارة الأصلية صحيحة والعكس صحيح، وبالمبدأ نفسه يتم البرهنة على خطأ العبارات التعميمية بإعطاء مثال مضاد يناقض التعميم وبذلك يسقط التعميم، ثم هناك استعمال المبدأ في نظرية المجموعات واستعماله في وضع عملية “المتممة”، وبيان هذه العملية، أنك إذا أخذت مجموعة كبيرة ثم جزءا منها، فمتممة الجزء في الكل هي كل ما سوى الجزء حتى يتم الكل، أي المجموعة الكبيرة، وإن العنصر المشترك بين الجزء ومتممته يقع في المجموعة الفارغة، أي أنه عنصر من قبيل المستحيل، كقولنا دائرة مربعة ورجل حي وميت، فهذه تناقضات ومستحيلات عقلية لا تسمح بوجود هذه الأشياء أصلا. ومن هذا العرض الوجيز يتبين مقدار أهمية المبدأ في علم الرياضيات، ولو انتفى هذا المبدأ، لانتفت الرياضيات ولسقطت معها فيزياء الكم.

أن الأمر ليس كما يقدمه المتصدرون من الفيزيائيين لنشر ثقافة العلم كما يسمونها، الذين هم أغلبهم ملاحدة، والذين يصورون الأمر ببساطة شديدة تصل إلى حد قلب الحقائق في العديد من المرات، ليقربوا الأفهام من العلوم المتقدمة فيما يسمى مشاريع تبسيط العلوم، وثقافة البوب ساينس، حيث تكتب الكتب والروايات وتسجل الأشرطة السمعية والبصرية والوثائقيات وحتى الأفلام، لإيصال العلم المتقدم كالنسبية وفيزياء الكم، أو نظريات حديثة أخرى، ومن أمثال هؤلاء، الفيزيائي ميشيو كاكو، صاحب كتاب “فيزياء المستحيل” الذي تضمن العديد من الأمور التسطيحية، ثم أشرطة أخرى كثيرة له، وهناك الفيزيائي “لورنس كراوس” والذي يعتبر “كتابه كون من لا شيء” إحدى مساهماته في تبسيط العلوم ونشر الثقافة العلمية، والذي لا يغيب عن قارئه كمية المغالطات المتضمنة فيه بدء من كلمة العدم أو اللاشيء في عنوانه، وهناك البيولوجي “ريتشارد دوكنز” الذي يعتبر أشهر ملحد في العالم وغيرهم. فهؤلاء يستغلون بُعد الناس عن الإطار النظري ليصرفوا رؤاهم أو تأويلاتهم أو ما يريدون إيصاله من مغالطات إلى الجمهور الواسع، جمهور غير المتخصصين.

ونحن لن نكون غير موضوعيين فنشخصن أو نهاجم، بل نقول بإذن الله تعالى، أن العلماء والفلاسفة اتفقوا على أن فيزياء الكم علم غامض فاجأ مكتشفيه وواضعي نظرياته أصلا، وباتوا يتحدثون عن “فلسفة الكوانتم” وتأويل النظرية، ولذلك يقول رولان أومنيس بعد أن ذكر عجائب عالم الكم:”إن الهدف من التأويل هو التوفيق بين هذه المتقابلات، وتوضيح أنها متساوقة إن أمكن هذا، وتأسيس أنماط من التفكير قادرة على الجمع بينها دون تشويه لها”[14]

وإن التأويلات كثيرة نقتصر على اثنين منها لنرى كيف انقسم العلماء ولم يتفقوا في إيجاد تأويل صحيح يتفقون عليه كافة، وسنكتشف أيضا أنه توجد تأويلات تضم مبدأ عدم التناقض وغيره من المبادئ، وهي فهوم لا تناقض العقل ومبادئه، مع ما في هذه التسمية من إنكار لخاصيتي الضرورة والكلية، وإن نعت المبادئ العقلية بالحس المشترك أو المنطق السليم، لمن الأخطاء الفادحة التي توقع فيما بعد في هذه التناقضات، فلو تم التسليم بضروريتها وكليتها، ما وقعت المشكلة بعد ظهور التناقض، ولكان هذا التناقض متوهما، ولحاولنا تقريب فهمنا للتجارب إلى هذه المبادئ لأنها الأصل، وعليها تقوم هذه التجارب لا العكس. وفيما يلي التفسيرات المتعددة لما يقع للجسيمات من سلوكيات متناقضة في ميكانيكا الكم:

تفسير كوبنهاغن: وهو من اقتراح الفيزيائي نيلز بور سنة 1920، والذي يقول فيه أن الجسيم الكمي لا يكون في حالة أو أخرى، بل هو في مزيج من كل حالاته الممكنة، فيما يسمى ظاهرة التراكب، ولا يختار الجسيم حالة وحيدة إلا عند تدخل المشاهد. ويقترح هذا التفسير للعشوائية عند القياس تعليلا مؤداه أن كثرة الملاحظين هي سبب تخبط الجسيم في الحالات المتناقضة. ويعتبر هذا التفسبر الأكثر شهرة بين العلماء، مع أنه يناقض مبادئ العقل.

تفسير بوم: تعميم من طرف دايفيد بوم سنة 1952 لاقتراح سابق من طرف دوبروجلي سنة 1927. ويقترح هذا التفسير أن الدالة الموجية لجسيم، وهي من اكتشاف الفيزيائي شرودينغر، هي أيضا حاملة لهذا الجسيم الكلي وتقوم بتحريكه وتوجيهه عبر دالة موجية أخرى إلى جانب الدالة الموجية الأصلية. والقياس العشوائي ينتج بسبب أننا لا نعلم موضع انطلاق الجسيم الكلي على وجه التحديد.

يقول الدكتور سامي عامري:”والخلاف بين تفسير كوبنهاغن وتفسير بوم-أهم منافس لتفسير كوبنهاغن- ليس في تحقيق المعرفة بعالم الكم، وإنما-كما يقول الفيزيائي المشهور جون بولكنغهورن-وهو على مذهب الكوبنهاغيين-في كتابه:”نظرية الكم: مقدمة مختصرة جدا”-:حول أمور خارجية متعلقة بالموقف الشخصي للعالم من شكل النظرية (كعدد افتراضاتها، وقدرتها على استيعاب عدد أكبر من الظواهر).

بل إن هناك تفسيرات للظاهرة الكمومية من المستحيل نقض أي منها على أساس كمومي بحت، وبإمكان كل منها أن تفسر النتائج التجريبية الملاحظة”[15].

ثم إننا نجد بحوثا علمية في مجلات علمية محكمة، تتحدث عن المنطق الكمي، وهي محاولات وضع علم منطق جديد يجمع بين أسس المنطق الذي يعتمد على المبادئ العقلية وما يحدث في عالم الجيسمات وما تفضي له التجارب، وقد اتجه علماء الرياضيات إلى هذا المجال و نجحوا فيه، وأهم ما نلاحظه على أعمالهم تضمينهم مبدأ عدم التناقض، ككتاب Philosophic Foundations of Quantum Mechanics لـ Hans Reichenbach أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا، ومقالات علمية كـ Quantum Mechanics is not Physical Reality But Mental Potentiality Because the Law of  Non-Contradiction لـ Franz Klaus Jansen المنشور على مجلة NeuroQuantology والموجود للتحميل في حسابه على موقع Researchgateـ ونجد أيضا مبدأ عدم التناقض حاضرا بقوة في نظريات المنطق الكمي كما في المقال العلمي المنشور على موقع arXiv لكاتبيه Maria Luisa Dalla Chiara و Roberto Giuntini والمعنون بــ Quantum Logics.

وذكرنا لهذه المراجع هو بغرض تبيان أن العلماء والمهتمين بهذا المجال من فيزيائيين ورياضيين وفلاسفة غير متفقين على تفسيرات ما يقع في ميكانيكا الكم، وأن التفسير ما يزال مفتوحا أمام النظريات، خاصة الفلسفية.

ونختم الرد بآخر ما توصل إليه العلم في شرح ظاهرة التراكب، وهو ما يشرحه الدكتور محمد صبحي أنور، الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة أكسفورد، فيقول أنه يمكن في ظل نظرية المجال الكمي Quantum field theory أن نعتبر هذه الجسيمات، وخذ مثالا الإلكترون، عبارة عن مجال، فهو ليس موجة ولا جسيما، لكن في نقطة من الزمكان يتحدد في ما نسميه نحن جسيما، إذن فهو يتصرف كموجة عند انعدام المراقب، لكن حين المراقبة، بعداد غيغر مثلا، يحصل أن العداد يقيس المجال في نقطة محددة من الزمان والمكان الشيء الذي ينتج عنه تجسد الجسيم.[16]

أن القول بانتفاء هذا المبدأ هو عين التأكيد على صحته، فالذي ينفي وجوده يؤكد على أنه لا يمكن لهذا المبدأ أن يكون صحيحا وخاطئا في نفس الوقت، أضف إلى ذلك أن مبدأ عدم التناقض لا يمكن نفيه لما في ذلك من اللوازم والمقتضيات الفاسدة، كتساوي الأضداد كالليل والنهار والحياة والموت والذهاب والإياب والوجود والعدم، ولا نبالغ إن قلنا أن الحياة غير ممكنة بدون وجود هذا المبدأ وأن الإنسان سيصبح غير متفاعل مع الحياة بل سيتوقف لأنه لن يعود له فهم لما يجري حوله.

خاتمة

إن الله عز وجل يسر لعباده معرفته فطريا وعقليا، للعالم وللرجل العادي، فلا اختلاف بينهما في الوصول إلى المبادئ العقلية فكلاهما يستعملانها في حياتهما، والباطل يظهر تهافته والحمد لله في كل المناهج: علميا وعقليا وفلسفيا، وكمية التناقضات الصارخة في كلام من ينفي وجود الله تعالى كافية ليؤمن كل ذي عقل لم يمنعه الكبر عن عبادة خالقه عز وجل، وإن ما يحز في النفس أن تجد مسلمين شبابا يناقش في يقينية المبادئ العقلية الأولية، وهذا يبين مدى سطحية تفكيرهم ومدى تأثرهم بالغرب رغم أن الشك في هذه المبادئ يوصل لا قدر الله إلى شك في وجود الله تعالى عما يقول السفهاء من الملحدين علوا كبيرا، ونسأل الله تعلى هداية القلب والفكر معا لنا ولجميع شباب هذه الأمة، والحمد لله أن ساق لها دعاة حرصوا على إيصال هذا الخير لها.

المراجع

مراجع عربية:

فخر الدين الرازي، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، مكتبة الكليات الأزهرية.

تقي الدين بن تيمية، درء تعارض النقل المجلد 3، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

ابن حزم الظاهري، كتاب الفصل في الملل والإهواء والنحل، المطبعة الأدبية.

سلطان العميري، الحد الأرسطي أصوله ولوازمه وآثاره على العقيدة الإسلامية، رسالة ماجستير في العقيدة، مكتبة نور، 2008.

سامي عامري، فمن خلق الله؟، مركز تكوين، 2017.

سامي عامري، براهين وجود الله، 2018.

عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الإلحاد، مركز تكوين، 2014.

عبد الله بن صالح العجيري، شموع النهار، مركز تكوين، 2016.

أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين المجلد 1.

رولان أومنيس، فلسفة الكوانتم، سلسلة عالم المعرفة، 350، أبريل 2008.

مراجع أجنبية:

Dr. Muhammad Sabieh Anwar, Employing real experiments and modern viewpoints in the teaching of modern physics, arXiv, 2013.

[1]  الفصل في الملل والأهواء والنحل ص 6.

[2]  الحد الأرسطي أصوله ولوازمه وآثاره على العقيدة الإسلامية ص 282

[3]  الحد الأرسطي أصوله ولوازمه وآثاره على العقيدة الإسلامية ص 283

[4]  إحياء علوم الدين المجلد 1 ص 111.

[5]  شموع النهار ص 39.

[6]  كبرى اليقينيات الكونية  ص 80

[7]  إحياء علوم الدين مجلد 1 ص 102.

[8]  المحصول في علم الأصول ص7

[9]  درء تعارض العقل والنقل المجلد 3 ص 309

[10]   الله يتجلى في عصر العلم ص 136

[11]  المحصل ص 28.

[12]  أساس التقديس ص 17

[13]  فلسفة الكوانتم ص 171.

[14]  فلسفة الكوانتم ص 199

[15]  فمن خلق الله؟ ص 49 و50.

[16]  Employing real experiments and modern viewpoints in the teaching of modern physics p 2,3.

الـمـبـادئ الـعـقـلـيـة الأولـيـة أهميتها وخطورة الطعن فيها

بواسطة : غيث وليد  عدد المشاهدات : 10,359

الـمـبـادئ الـعـقـلـيـة الأولـيـة

أهميتها وخطورة الطعن فيها

المبادئ العقلية والوقاية من الضلالات الفكرية

بقلم: إبراهيم نجم الدين كردية (ابراهيم كردية)

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله مُحمدٌ نبيُّ الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه، ثم، أما بعد:

إن ما هو معقولٌ عند أحدنا قد لا يكون معقولٌ عند غيرنا، فالعقول تتفاوت في الأدراك، إلا أن هناك من المعقولات ما لا يجوز أن يختلف عاقلان عليها وقد سُميت بالمبادئ العقلية.

المبادئ العقلية: وهي المقتضى للغريزة العقلية فلا يمكن الاستدلال عليها فهي الأساس لكل استدلال ويكفي لتصديقها صحة تصورها لكونها مطابقة للفطرة، وقد عرفها ابن سينا على أنها “قضايا ومقدمات تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية، من غير سبب يوجب التصديق بها إلا ذواتها”(1).

وقد سميت أيضا بالمبادئ الفطرية كونها مفطورة في النفس منذ خلقها، أو الضروريات كون النفس تضطر للتسليم بها، أو البديهيات “مأخوذة من البده والبداهة، وهو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب”(2).

وقال الساوي عنها: “هي القضايا التي يصدق بها العقل الصحيح لذاته وغريزته، ولا لسبب من الأسباب الخارجية عنه، من تعلم أو تخلق بخلق أوجب السلامة والنظام، ولا تدعو إليها قوة الوهم أو قوة أخرى من النفس، ولا يتوقف العقل في التصديق بها إلا على حصول التصوير لأجزائها المفردة، فإذا تصور معاني أجزائها سارع إلى التصديق بها من غير أن يشعر بخلوة وقتا ما عن التصديق بها”(3).

وتعود هذه لعدة مبادئ منها الثالث المرفوع أي أن النقيضين لا يمكن أن يرتفعا، والوسط الممنوع أي أنه لا يمكن أن يجتمعا. ومن تلك المبادئ أيضا مبدأ السببية الذي يقوم على أن لكل حادث سبب، إذ لا يمكن لوجود الحادث أن يكون ذاتيا، فوجوده سبقه العدم ولزم لوجوده سبب.

يقول لبتنز: “براهيننا مؤسسة على مبدأين عظيمين، مبدأ عدم التناقض الذي بفضله نحكم ببطلان كل ما هو متناقض، ونحكم بصدق كل ما يعارض أو يناقض ما هو باطل، ومبدأ العلة الكافية الذي به لا نعد أي واقعة قائمة في الواقع ما لم يكن لها علة كافية تبين لماذا كانت الواقعة أو القضية على ما هي عليه ولم تكن على نحو آخر، على الرغم من أن هذه العلل في معظم الحالات تظل خافية علينا”(4).

وتحمل هذه الأوليات صفة الضرورية لكونها حجة على صحة كل استدلال نظري، فالمعرفة النظرية لا يمكن أن تستند إلى مقدمات نظرية إلى غير نهاية، فالمقدمات النظرية غير معلومة الصدق لذاتها فتحتاج إلى مقدمات ضرورية معلومة الصدق لذاتها كي يتم البرهان عليها وإلا لزم الدور الممتنع، فمن خصائص المعرفة النظرية الاحتياج إلى دليل، وإن لم يكن ذاك الدليل المعلوم الصدق لذاته لزم عدم اليقين مطلقا في المعرفة.

وفي تقرير انتهاء الاستدلال إلى مقدمات ضرورية، يقول ابن تيمية رحمه الله: “البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية. فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو ثبتت بمقدمات نظرية لزم الدور القبلي أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء، وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها”(5).

وفي بيان مكانة الأوليات من الاستدلال يقول ابن حزم رحمه الله: “ما كان مدركا بأول العقل أو الحواس فليس عليه استدلال أصلا، بل من قبل هذه الجهات يبتدئ كل أحد بالاستدلال، وبالرد إلى ذلك فيصح استدلاله أو يبطل”(6).

فالإنسان لا يمكنه التشكيك في تلك المقدمات فهي مقتضى الفطرة ومقتضى الغريزة العقلية، يقول ابن تيمية: “فإذا لم يمكن الإنسان أن يدفع هذه القضايا عن نفسه، ولا يقاوم نفسه في دفعها تبين انها ضرورية، وأن الدافعين لها يريدون تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها”(7).

والإيمان بالمبادئ العقلية يُعد أمراً ضرورياً وليس اختيارياً، فليس بالإمكان التأسيس لمنهجية معرفيةٍ من دونها، فكل معرفة مبينة على التشكيك بالمبادئ العقلية تكون قابلة للتشكيك بها، يقول ابن تيمية في الشبهات التي قد تورد عليها: “والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يُمكن الجواب عنها بالبرهان، لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها، فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث”(8)..

فالحاصلُ انها كامنة بالنفس، لا يمكن تصور حصول غيرها، “لأنها مُتقضى غريزته العقلية التي هي مقتضى الفطرة التي فطره الله عليها”(9)، “وكان ابن تيمية كثيراً ما يتمثل في هذا البيت”(10):

وليس يصحُّ في الأذهانِ شيءٌ إذا احتاجَ النهارُ الى دليل

وأن العلمَ بالله تعالى لا يقل ضروريةً عن هذه المبادئ، فالأيمان بالله تعالى فطريٌ ضروري لا يقبل الشك أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ سورة إبراهيم

وقد ذكر ابن تيمية كلاماً بهذا المعنى فقال: “أصلُ العلمِ الإلهي فطري، وأنه أشد العلم رسوخاً في النفوس، من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا إن الجسم لا يكون في مكانين، لأن هذه المعارف أسماءٌ قد تُعرِضُ عنها أكثر الفِطر، وأما العلمُ الإلهي فلا يتصور أن تُعرض عنها فطرة”(11).

ولكن “الواردات والشبه والإشكالات على المعرفة الإلهية والتي قد تُصرف المرء عن نداءات فطرته، أو تُضعِفُها – أكثر مما يرد على تلك العلوم، وهو ما يُشكل ذلك الشعور بأسبقية المعارف على المعرفة بالله تعالى – وإلا لو صفت النفوس وانزاحت تلك الصوارف، لكان علمها بالله أشدُّ وأرسخ من تلك”(12).

فإن عقول الأصحاء تتفق في خلق الله لها، فخُلِقَ ليُدِلَّ ويهدي ويتفكَّر ويُريَ صاحبه الطريق، والمؤثرات تُغطي بصيرة العقل فلا تستطيع رؤية المسارات كما هيَ، ولا التمييز بينها”(13).

فلو حَكَم الشخصُ بالشكِّ على تلك الأوليات للَزِمَهُ عدم اليقين مطلقاً في أي معرفة نظرية حتى أنه يلزمه من ذلك الشك في حكمه.

أنقلُ من مقال الدكتور أحمد إبراهيم لبيان تخبُّط المُتشكك في حكمه بالشك على الأوليات (14):

يقول: وما يدرينا أن مسلمات المنطق صحيحة؟

فيقول عمرو: عذرا … ما هو معني أن تشكك في أن الشيء لا يمكن أن يكون نقيضه؟

يقول زيد: معني ذلك أن الشيء يمكن أن يكون ولا يكون على صفة ما في عالم ما أو كون آخر أو.. الخ

يقول عمرو: لم أقصد ذلك بسؤالي ولكن قصدت أنك احتكمت لنفس القاعدة التي تحاول نفيها وأنت لا تدري يقول زيد: كيف؟

يقول عمرو: لأنك عندما تحاول التشكيك في استحالة اجتماع النقيضين تنطلق من اعتقاد أن هناك تناقض بين الاعتقاد بأن النقيضان يجتمعان وبين اعتقاد أنهما لا يجتمعان وأنك إذا اعتقدت بأحد الاعتقادين كنت غير معتقد بنقيضه لأن النقيضان لا يجتمعان.

الحاصل أنك لا يمكن أن تستمر في التشكيك إلي ما لا نهاية كما يبدو للوهلة الأولى وإنما ستجد نفسك في النهاية تحتكم إلي نفس المسلمات التي تريد نفي صحتها وذلك لأن هذه المسلمات هي المكون المعرفي نفسه وهي الحقيقة نفسها التي نحاول اكتشافها بعقولنا فهي أمر متعلق بالوجود ذاته مستقلة عن عقولنا ولذلك نصطدم بصلابتها عندما نحاول التلاعب بها لأنه بدونها لا وجود ولا معنى ولا معرفة ولا حقيقة فهذه المسلمات ليست بعض المعرفة وإنما هي المعرفة نفسها وهي الحقيقة نفسها فيكون اللاأدري مخير بين أن يتوقف عقله بالكلية عن وظيفته التي هي المعرفة أو يسلم بوجود حقيقة مستقلة عنه زرعت أصولها ومفاتيحها في عقله على شكل مسلمات فلا يستطيع العقل السير خطوة واحدة إلا إذا وجد الطريق الذي يمكن السير فيه حتي لو كانت تلك الخطوة نحو الشك فلا سير بدون طريق. انتهى

ولهذا اختار عددٌ من العلماء أن السفسطائية لا يُستخدم معهم أسلوب الاستدلال والمناظرة، لأن المناظرة إنما تقوم على التسليم بالأمور الضرورية وهم قد أنكروها.

إن لهذه الأوليات خصائص لا تنفك عنها، ومنها:

1) استحالة القدح فيها بالنظريات لكون النظريات مستندة الى الضروريات، فالنظريات فرع عن الأصلي فقدح الأصلِ بالفرع ممنوع فهو قدحٌ في نفسه، يقول ابن تيمية: ” أما دفع الضروريات بالنظريات فغير ممكن، لأن النظريات غايتها ان يُحتج عليها بمقدمات ضرورية، فالضروريات أصلُ النظريات، فلو قُدِحَ في الضروريات بالنظريات لكان ذلك قدحاً في أصل النظريات، فتبطل الضروريات والنظريات”(15).

2) ومن مقتضيات ضروريتها صحتها مطلقاً، فلا يصح في الضروريات ما هو باطل. يقول ابن تيمية: ” إذا جوّزنا أن يكون في البديهيات ما هو باطل لا يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو صحيح من البديهيات الأولى وما هو مقبول التمييز، حتى يُعلم أنها من القسم الصحيح، وذلك لا يعلم إلا ببديهية أخرى مبينة مميزة، وتلك لا يُعلم أنها من البديهيات الصحيحة الا بأخرى، فيفضى الى التسلسل الباطل، وينتهي الأمر الى بديهية مشتبهة لا يحصل بها التمييز، والنظريات موقوفةٌ على البديهيات، فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة، فيها حقٌ وفيها باطل كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذٍ فلا يبقى علمٌ يُعرفُ به حقٌ وباطل، وهذا جامع كل سفسطة”(16).

ويقول أرسطو: ” فإن المقدمات المعروفة الطبع يُصدِّقُ بها بذاتها، وليس يمكن أحد ان يتصور انها على غير ما هي عليه، ولا يمكن أن يعاندها بنطقه الداخل بل إن كان فبنطقه الخارج فقط “(17).

وقد جعل بعضُ المتكلمين من مقتضيات كون الشيء ضرورياً ألا تقع فيه المخالفة، فكل ما وقعت فيه المخالفة فهو ليس ضرورياً عنده كالقاضي عبد الجبار والسنوسي والرازي في كثير من المسائل العقدية(18)، يقول ابن تيمية معترضاً: ” قول القائل: ان الضروريات يجب اشتراك العقلاء فيها، خطأ، بل الضروريات كالنظريات، تارةً يشتركون فيها، وتارةً يُختصُ بها من جُعِلَ له قوةٌ على ادراكها”(19).

يقول ابن القيم: ” الاشتراك في المعلومات الضروريات غير واجب، ولا واقع، والواقع خلافه”(20).

وغيركم ممن شاركهم الرأي كالتفتازاني وابن رشد.

وقولهم غلط، -أعني من يقول بعدم جواز الاختلاف بالضروريات-، يدلُّ على غلطه أمور:

الأمر الأول: أن هذه الدعوى تقتضي ألا يوجد امر ضروري البتة، لأن السفسطائية خالفوا في كل ضروري، وقد ألزم الآمدي المتكلمين في كلامه: “ولقائلٍ أن يقول: الاختلاف لا يدل على انه غير ضروري، وإلا كان خلاف السفسطائية في حصول العلم بالضروريات مانعاً من كونها ضرورياً”(21).

الامر الثاني: “أصل الإشكال في عدم تعريفهم بينما يَرجِعُ الى الشيءِ وبينما يقوم بالنفس عنه، فإن ما يقوم بالنفس عن الشيء لا يلزِمُ أن يكونَ متحققاً في الشيء، وإلا لامتنع الخطأ، فإن الخطأ إنما هو عدم موافقة ما يقومُ في القلب عما هو في الخارج، ومما يوضح هذا أن أمور الأدراكِ ليست أوصافاً قائمة بالأشياء وانما هي أوصافٌ قائمة بالأنفس عن الأشياء، فالعلم والجهل والظهور والخفاء والعلمُ بالضرورة وغير ذلك ليست أوصافاً قائمة بالأشياء بحيث تكون ملازمةً لها لا تفارقها، حتى يقال إن الناس لا بد ان يشتركوا في ادراكها، وانما هي أوصافٌ قائمة بالذات المدرِكة، وما يقوم بأنفس الناس ليس له ضابطٌ يضبطه”(22).

الخاصية الثانية والأهم هي الكليِّة، أي انها تشمل جميع الموجودات فلا تختص بموجودٍ دون موجود.

“فلا يُصح أن يُعتمد في بيان صدقها ما يُدرك بالحواس، فالحس لا يدرك إلا ما تعلق به ادراكه المباشر، وما يتعلق به إدراك الحس المباشر لا يمكن ان يكون عاماً لكل الأشياء، فلا بد ان يُرجع اثبات صدق هذه الأمور الى العقل فإنه لا طريق غيره، ولهذا كان إدراك الأمور الفطرية من خواص العقل فقط”(23).

يقول الغزالي: ” العلوم الكليلة الضرورية من خواص العقل، إذ يحكم الانسان بأن الشخص الواحد لا يُتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة، وهذا حكم منهُ على كل شخص، ومعلومٌ أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص، فحكمه على جميع الأشخاص زائدٌ على ما أدركه الحس”(24).

الرد على جون لوك في إنكاره المبادئ الفطرية:

إن القول في فطرية الأوليات يتضمن أمرين:

أولهما: أن العقلَ مصدر تلك المبادئ.

ثانيهما: دليل صدقها مطابقتها للغريزة العقلية.

وقد أنكر المبادئ الفطرية أصحاب الاتجاه الحسي( التجريبي ) في المعرفة، وهم: كلُّ مَنْ قسر المعرفة على الإدراك الحسي فقط، فكل فكرةٍ لا تُرد الى أصل حسي يُحكم عليها بالبطلان.

فالفكرة القائلة بأن الحس هو مصدر المعرفة ومعيارها النهائي، هي النتيجة التي تؤدي اليها أبحاثهم أخر الأمر، فجون لوك: “إن الذهن يبدأ وكأنه صفحة بيضاء، والتجربة هي التي تسطر هذه الصفحة ما يُكتب فيها”(25).

وقد وأنكر الحسِّيون اعتماداً على اصلهم هذا المبادئ الفطرية، وكل المغيبات، فأصلهم هو أن الحس هو المصدر الوحيد للمعرفة.

وفي بيان إنكار المبادئ الفطرية يقول جون لوك: “يجزم بعض الناس بأن في الذهن مبادئ فطرية معينة، وعدداً من المفاهيم والحروف قد طبعت -إن صح التعبير- على عقل الإنسان منذُ أن وُجِد، وجاء بها معه الى العالم، ويكفي للتدليل على بطلان هذا الزعم بأن يُبيَّن بأن الناس يستطيعون باستخدام ملكاتهم الطبيعية فقط أن يَحصلوا على المعرفة التي بحوزتهم دون الالتجاء الى الانطباعات الفطرية وأن يتوصلوا الى اليقين بدون مثل هذه المفاهيم والمبادئ”(26).

والدليلين اللذَين استند جون لوك عليهما في نفي المبادئ الفطرية، هما:

الدليل الأول: أن إثبات الأفكار الفطرية مخالف للواقع، فلو كانت موجودة بالعقل قبل الحس لكانت موجودة عند الأطفال من أول ولادتهم، ولكن الحالة ليست كذلك، ولكانت موجودة عند البُله والقبائل المتوحشة، ولكنهم لا يعلمون شيئاً فكيف تكون فطرية؟! فهي غير موجودةٍ أصلاً(27)

وضعفُ الدليل يدل عليه وجهان:

الوجه الأول: ” أن من أثبت هذه المبادئ لم يثبتها موجودةً بالفعل في العقل البشري، بمعنى أن الطفل يعلم بها من اول ولادته مثلاً، وإنما من جهة أن العقل لا بد أن يصدق بها من غير بحثٍ عن مستندٍ لها، فوجودها بالعقل وجودها بالقوة، فهي كامنة في العقل وتتحقق بالفعل إذا استثارها الحس، ولدينا الملكة التي تستلزم الأخذ بالمبادئ الفطرية اذا احتكت حواسها بالأشياء”(28).

وفي هذا يقول الغزالي: “قولهم إن تلك الأوائل كيف كانت موجودةٌ فينا ولا نشعر بها، أو كيف حصلت بعد أن لم تكن من غير اكتساب ومتى حصلت؟، فنقول: تلك العلوم غير حاصلةٍ بالفعل فينا في كل حال، ولكن اذا تمت غريزة العقل، فتحصل العلوم بالقوةُ لا بالفعلِ، ومعناه أن عندنا قوة تدرك الكليات المفردات بإعانة من الحس الظاهر والباطن”(29).

وبطلان القول بأن فطرية هذه المبادئ يستلزم تحققها للإنسان بالفعل منذُ الولادة قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ سورة النحل

ولا تعارض بينها وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرة(30)، فالمقصودُ أن الفطرة تقتضي التوحيد مع انتفاء الموانع.

ويقول الساوي في حل هذا الإشكال: “هذه الأوليات هل هي حاصلة لنا منذ أن وُجِدنا، أو حدثت بعد أن لم تكن فينا؟ فإن كانت حاصلةً فينا من مبدأ نشوئنا ونحن لا نشعر بها فهو عجيب.. وإن حدثت بعدما لم تكن فحدوثها بطريق البرهان أو بدونه. فإن كانت حدثت من غير برهان أوهمت المُحال.. وإن حدثت بطريق البرهان لَزُمَ التسلسل والدور وهما محالان.

والطريق الى حل هذا العويص هو أنها ليست حاصلة منذ خلقنا بالفعل بل بالقوة، وليس كل علم تصديقٍ حصل بعد ما لم يكن فحصوله بالبرهان، بل ما اذ تُصِوِرَت مفرداته وروعية النسبة بينهما بالإيجاب أو السلب توقف الذهن عن الجزم فيها، والأوليات ليست من هذا القبيل، بل الذهن إذا تصور مفرداتها لم يتوقف في الحكم بالنسبة الواجبة بينها على شيء آخر”(31).

فأما الوجه الثاني: يقول كوزان: “إن الطريقة التي اتبعها في الاستشهاد ليست قويمة، ولا تبعث الثقة واليقين، لأن من المتعذر أن نحصل على معلومات دقيقة عن المتوحشين والأطفال تتيح لنا أن نبني أحكامنا عليها، هذا فضلاً عن أن هؤلاء المتوحشين والأطفال الذين يحتج بهم لوك في مقدورهم أن يعرفوا القضايا التي ضربها مثلاً، على شرط أن نسوقها لهم في شكل يلائم عقليتهم”(32).

أما دليله الثاني: هو أنه لو كان ثبوت المبادئ في الغريزة صحيحا لما كان هناك حاجة للبحث عن الحقيقة بالملاحظة والاختبار والتجربة أي أن تلك المبادئ لو كانت موجودة في العقل البشري فلماذا لا تتحقق المعرفة للإنسان بدون الحواس(33).

“وضعف هذا الدليل ظاهر أكثر، فهو يظهر عدم فهم لوك بحقيقة القول بفطرية المبادئ، فمن أثبتها لم ينكر أهمية الحس في تحققها في الخارج وإثارتها في النفس، فابتداء العلم بالمعارف الفطرية لا بد فيه من الحس ومنشأ التصديق بها العقل”(34).

فالحاصل أن المبادئ غير مستغنية عن الحس، والقول بفطريتها لا يلزم منه عدم حصول خلل في فهمها عند بعض الناس لشبهة عارضة، ولا يلزم تحققها قبل الولادة، بل إن فطريتها هي حصول قوة في النفس تقتضي التسليم بها، وهذا ما لم يفهمه المعترضون.

موقف الحسيين من فطرية المبادئ الأولية:

إن الحسيين ينكرون كون العقل هو مصدر تلك المبادئ وينكرون دليل صدقها الذي هو مطابقتها للغريزة العقلية، فهم ينفون أصلاً ان العقل هو مصدر الضرورية والكلية للمبادئ الأولية، فالمذهب الحسي يقول بكون الحس أداة للمعرفة، بالتالي فالعقل لا يختص بشيءٍ من المعارف التي أصلها ليس حسياً، فالخبرة الحسية هي مستند صفة الضرورة لتلك المبادئ.

فأما ما يتعلق بمصدر المبادئ عند الحسيين فكل ما في العقل من أفكار ليست سوى نتيجةٍ من انطباعات حسية، فالغريزة العقلية عندهم منفعلة لا فاعلة أو على حسب تعبير هيوم “على ان تشبيهنا العقل بالمسرح لا ينبغي بان يضللنا، إذ ليس العقلُ الا الإدراكات المتوالية، دون أن يكون لهذه الإدراكات مكان معين لظهورها”(35) فالحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة والعقل هي المسرح التي تتعاقب عليه الإدراكات.

ودليلهم على عدم امكان استقلال العقل بفكرة ليست في أصلها حسية بدليلين:

الدليل الأول: أن بتحليلنا للمعارف يدلنا على ان جميعها ترجع الى خبرات حسية، والثاني أن من حُرِمَ قوة حسية حُرِم ما تقتضيه من معرفة.

وفي بيان موقفنا نقول:

فأما في الدليل الأول فقالوا: ” إذا حللنا أفكارنا وجدنا دائماً أنها تنحل الى مجموعة من الأفكار البسيطة، كل منها صورة لانطباع جاءنا من الخبرة حسية”(36).

ونقول إن استدلالهم هو استدلالٌ بمحل النزاع، فنعلم أنها – أي المبادئ – تختص بخاصيتين وهما الكليّة والضرورة كما ذكرنا، أما التجربة الحسية “فإنها لا تعطي أبداً لأحكامها كليّة دقيقة حقيقيّة، بل فقط كليّة مفترضة ونسبيّة بالاستقراء، لا معنى لها غير هذا.. وتبعاً لذلك فإن الحكم المتصور بأنه ذو كليّة دقيقة، أي بحيث أنه لا يقبل ورود أي استثناء عليه لا يُشتق من التجربة، بل هو صادق صدقاً قبلياً مطلقاً، فالضرورة والكلية الدقيقة هما العلامتان الأكيدتان على معرفة قبلية، وهما مرتبطتان كلتاهما بالأخرى ارتباطاً لا انفصام لهم.

ويمكننا لإثبات حقيقة المبادئ في معرفتنا أن نبين أنها لا غنى عنها لكي تكون التجربة نفسها ممكنة فأنى للتجربة أن تستمد يقينها لو كانت كل القواعد التي وفقا لها تسير التجربة ليست أبدا تجريبية وتبعاً لذلك ممكنة”(37)

ويقول مسكويه: “فالعقلُ له فعلٌ أخر ليس مأخوذا عن الحس، وذلك لأن له الأوائل الذي يحكم به الحس وغيره ليست مأخوذة من شيء غير العقل نفسه، فلو كانت مأخوذة من شيء اخر لم تكن أوائل”(38).

ولكن الحسيون يناقضون هذا الاصل فالعقل ليس مصدراً للمبادئ فقد ذهب ستيوارت ميل أن المبادئ تحققت نتيجة التكرار(39) وذهب كونياك أن العقل قوة ناشئة عن الإحساس واننا نسينا كيف تكونت لذلك اعتقدنا انها فطرية(40)

“ولكن ذلك – أي نفي الأساس العقلي للمعرفة – أن تكون المعرفة احتمالية لا تدل على اليقين، إذ لا يمكن ان تقوم المعرفة على أساس تجريبي محض، فالتجربة تدل على الظواهر الحسية وتتابعها، دون أن تدل على علاقة ضرورية أو كليّة بينها، فهي لذلك لا يمكن ان تدل على حكم كليّ او ضروري، واذا لم يكن كذلك لم تكن يقينية، فهي احتمالية قابلة للشك فيها بما أنها تتخلف في شيء من افرادها”(41).

وهذا ما أكده هيوم بأن الوهم بضرورة مبدأ السببية وكليّته هو أنها مجرد عادة ناتجة عن تكرار التجربة لا أنها عقلية(42).

فهم يعترفون بهذا الإلزام ويقّرون بكون جميع المعارف احتمالية، حتى زعم ستيوارت ميل أن تصور نقائض المبادئ العقلية ممكن.(43)

وهذا ما ذهب اليه السفسطائية في كون الحس مختص وحده بالمعرفة.

وأختم الدليل بقول الدكتور سامي عامري”ولا سبيل لإثبات أن المعرفة هي أصل كل تجربة,لأن القول: إن التجربة ضمانة صدق كل دعوى ليس قولا تجريبيا, إنما هو مبدأ عقلي أولي يقوم عليه المذهب التجريبي إيمانا ولا يثبته, ولا يمكن إثبات التجربة من التجربة, فذاك الدور, أن يتوقف إثبات الشيء على نفسه ولا يمكن للتجربة نفسها دون مبادئ عقلية قائمة بالفعل أو بالقوة أن تنتج معرفة.

كما أن معارفنا العقلية ما لا يمكن أن ينتج عن تجربة, كامتناع اجتماع النقيضين, فإن التجربة مهما توسعت لا يمكن أن تثبت هذا المبدأ الكلي”(44).

وأما الدليل الثاني فقالوا: أن الحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة، وأن من حُرِمَ جميع الحواس فلا شكَّ لا يمكنهُ أن يعرِفَ شيئاً، فَعُلِمَ أن جميع الأفكار متوقفة على القوى الحسية، أي انها هي المصدر الوحيد للمعرفة.

فنقول أن اشتراط سلامة الحواس هنا فلأن الأوليٍّات أحكام أولية وكل حكم كليّ فإنه لا يمكن تحققه دون تصور جزئياته وقد بيننا ذلك سابقاً في خلال البحث.

ونزيد على لك قول لايبنتس:”إن الحواس وإن كانت ضرورية لكل معارفنا الحاضرة, إلا أنها ليست كافية لتزويدنا بكل المعارف, لأن الحواس لا تعطي أبدا إلا أمثلة, أي حقائق جزئية أو فردية, لكن كل الأمثلة التي تؤيد حقيقة عامة, مهما كان عدد هذه الأمثلة, فإنها لا تكفي لتقرير الضرورة الكلية لهذه الحقيقة نفسها, لأنه ليس من الضروري أن يحدث دائما ما حدث مرة أو مرات”(45).

وأنقل توضيحا ًعن ابن تيمية ما ضربه من أمثلة:”الحاسة لا يميز بها بين الأشياء, بل مجرد السمع الذي يدرك الصوت لا يميز بين صوت وغيره, بل يحس الصوت, ثم يحكم على الصوت بأنه غير اللون يُعرف بغير الحاسة, وهو العقل, وبه يُعرف غلط الحس, فالأحول يرى الواحد اثنين, والممرور يجد الحلو مرا, ولكن العقل به يميز سلامة الحس من فساده, إذ قد استقر عنده ما يُدرك بالحس السليم, فإذا رأى من له عقل حسا يدرك به خلاف ذلك علم فساده, ونظر في سبب الفساد”(46).

“نحن إذن نؤمن بحجية الحس والتجربة دون أن نكون حسيين أو تجريبين, وللتجربة والحس دور في البحث عن الدين الحق عندما يتعلق البحث بقضايا محسوسة أو قابلة للتجربة”(47).

خاتمة:

أقول نهايةً أنه لو شك المرء في المعرفة العقلية كلها لانتهى به الأمر كما انتهى بأبي حامد الغزالي حين حكى عن تجربته, حيث أفضى به الشك إلى الوقوع في الحيرة وعدم العلم مطلقاً, وقال الغزالي:”الأوليات ليست مطلوبة: فإنها حاضرة, والحاضر إذا طُلب فُقد واختفى”(48).

و”إن الكش في صدق الحواس قرين الشك في العقل, لأن مصدرهما واحد, ورفض أحدهما وقبول الآخر لا يمكن أن يجد لنفسه أرضية معرفية أو وجودية, فإنه إذا كان المصدر – سواء قلنا إن المصدر هو الله سبحانه أم الطبيعة – امتنع تصديقه في بعض الأمر وتكذيبه في بعض الآخر, دون برهان للتمييز والانتقاء”(49).

وأنه حتى الذين لا يؤمنون بالعقل والدين, فلا يمكنهم سوى التصرف بأنهما صحيحان.

هذا وخير الكلام كلام الله ,وخير الهدي هدي نبيه ,وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المراجع

1) النجاة لابن سينا ص 64.

2) معجم التعريفات للجرجاني ص 40.

3) البصائر النصيرية للساوي ص 220.

4) أبحاث جديدة في الفهم الإنساني لبتنز ترجمة د. أحمد فؤاد كامل ص 76.

5) درء التعارض لابن تيمية مجلد 3 ص 309.

6) الفصل لابن حزم مجلد 5 ص 109.

7) درء التعارض لابن تيمية مجلد 6 ص 106.

8) المرجع السابق مجلد 3 ص 308.

9) المعرفة في الإسلام لعبد الله القرني ص 309.

10) مدارج السالكين مجلد 1 ص 289.

11) مجموع الفتاوى مجلد 2 ص 15.

12) شموع النهار ص 12.

13) من مقدمة الفصل بين النفس والعقل لعبد العزيز الطريفي بتصرف.

14) https://abozaralghifari.blogspot.com/2017/…/blog-post_1.html

15) منهاج السنة النبوية لابن تيمية مجلد 2 صفحة 644.

16) درئ التعارض لابن تيمية مجلد 6 ص 15.

17) تلخيص منطق أرسطو لابن رشد ص 4 مجلد 399.

18) انظر الحد الأرسطي اصوله ولوازمه وأثاره على العقيدة الإسلامية

لسلطان العميري ص 288-290 .

19) الاستقامة لابن تيمية مجلد 1 ص 30.

20) الصواعق المرسلة لابن القيم مجلد 2 ص 660.

21) الإحكام في أصول الأحكام مجلد 2 ص 22.

22) الحد الأرسطي ص 292.

23) المرجع السابق

24) احياء علوم الدين مجلد 3 ص 10.

25) نشأة الفلسفة العلمية لهانز ص 84.

26) الفلسفة الحديثة لكريم متى ص 151.

27) انظر تمهيد للفلسفة لمحمود حمدي ص 153.

28) الحد الأرسطي 296.

29) معيار العلم للغزالي 220.

30) البخاري برقم 1359 ومسلم برقم 2658.

31) البصائر النصيرية في علم المنطق ص 247.

32) دراسات في الفلسفة الحديثة محمود حمدي ص 170.

33) انظر تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم 144.

34) الحد الأرسطي 297.

35) ديفيد هيوم زكي نجيب محمود ص 121

36) المرجع السابق ص 36

37) إمانويل كانت: عبد الرحمن بدوي ص 175-177

38) مقالة في العقل والنفس لمسكويه

39) انظر: علم النفس جميل صليبا ص597-599

40) المرجع السابق 597

41) نظرية المعرفة في الإسلام ص 39بتصرف

42) انظر: علم النفس جميل صليبا ص597-599

43) انظر: العقل والوجود يوسف كرم ص146

44) براهين وجود الله ص90

45) نقله عبد الرحمن بدوي مدخل جديد إلى الفلسفة ص164-165

46) ابن تيمية: بغية المرتاد في الرد على الفلاسفة ص267-268

47) براهين وجود الله ص91

48) المرجع السابق ص81

49) المنقذ من الضلال ص68

50) براهين وجود الله ص89

هناك من يدعي أن المبادئ العقلية الضرورية كالسببية محصورة داخل الكون ولا تنطبق خارجه، وهذا جواب كتبته سابقا على هذه الشبهة:

لايصح حدّ العقل بالكون بهذا الإطلاق، بل هناك تفصيل:

أ- إذا كان المقصود أنّه محدود في إدراك كيفيات تفاصيل الغيب, فهذا صحيح. بل هو –بالمناسبة- مبدأ نستفيد منه عند محاولة فهم الحكمة الإلهية المتعلقة بإفعال الله وتشريعاته, فنلتمس الحكمة مع علمنا المسبق بمحدوديتنا في فهمها.

ب- أما إذا كان المقصود نقص العقل على مستوى إدراك الكليّات الضرورية, وأنّ المباديء العقلية الضرورية كاستحالة اجتماع النقيضين أو جمع الواحد إلى الواحد يساوي اثنين أيضا لا يوثق بها خارج الكون, فهذا غلط كبير, وذلك للأسباب التالية:

1- أنّ هذه القواعد موضوعية مطلقة في ذاتها بغض النظر عمّا تتناوله, فلا يمكن أنّ واحد مع واحد يعطيك ثلاثة بغض النظر عن طبيعة هذا الواحد وذاك الواحد الذي يجمع إليه.

2- لو شكّكنا بإطلاق هذه المباديء تنهدم كل المعارف التي ترجع في النهاية إليها, إذ معنى قصرها على مجال الكون أنّها ليست مطلقة ولا موضوعية, فكيف نثق بها, وهذا كما قلت لك يؤدّي لانهيار المعرفة.

3- أنّ طبيعة العقل حين يعمل على المستوى المطلق أنّه يتجاوز حدود المحسوسات وقيودها, ولذلك أنت تعلم أنّ في الرياضيات أحكام تجريدية تتجاوز الكون بل لا تتحقّق فيه كاللانهائية مثلاً, وهذا يوقفك على طبيعة عقلية تمكّن العقل من استخدام المباديء العقلية الضرورية ولو خارج الكون. وينبغي هنا أن لا تخلط بين محدودية العقل وبين صحّة ضرورياته, فالمحدودية صحيحة حين نحاول إدراك التفاصيل في مجال الغيب, أمّا الضرورة فتتعلّق بالكليات بغض النظر عن المجال محلّ النظر.

4- أنّ الأصل صحّة هذه القواعد الضرورية الموضوعية التي نجد في أنفسنا ضرورة صحّتها بصورة مطلقة, فإذا زعمت أنّها لا تعمل في مجال معيّن فأنت تخالف هذا الأصل وتتنكّر لهذه الضرورة التي يعتقدها العقل ويجد في نفسه أنّه يصدّقها ولا يتشكّك فيها, فالتشكيك هنا هو ادّعاء غير مبرهن ومخالف للمعلوم الأصلي.

5- أنّه لا يوجد أي فرصة للخروج عن حدود العقل لما وراء الكون, فقدرات عقولنا هي أمر واقع, والخالق يستحيل أن يكلّفنا بما لا نقدر عليه أبداً, ولذلك فإنّ المعقول من جهة المحاسبة هو أنّه سيحاسبنا وفق ما نعقل لا وفق ما لا نعقل, فمن عطّل عقله فسيتحمل في الحساب أمام الله تعالى نتائج ذلك ولن يكون هذا عذر له, لأنّه تكلّف ما لا يعلم وادّعى ما ليس له دليل وعاند ما يجده في نفسه من الضرورة, فكيف يعذر مع ذلك. طبعاً هنا قد تقول أنّك لا تؤمن بالحساب آلخ, فأقول لك عدم إيمانك مبني على هذه الادّعاءات, فأنت من تحجز نفسك عنه, ثم حتّى لو فرضت فرضاً دون جزم أن ّالحساب ممكن, فإنّك ستجد أنّك تخاطر مخاطرة رهيبة لا رجعة عنها وتعرّض نفسك لهلاك أبدي لا ينفع عنده ندم, فلا سبب عقلاً لهذه المخاطرة فلِم تركبها مع عدم أي مؤيّد عقلي لها.

٦- طبيعة العقل غير المادية تؤيّد أنّ العقل يستطيع –رغم محدودياته- أن يتجاوز بأحكامه الضرورية نطاق الكون, لأنّه ليس مادياً أصلاً, وليس هناك تفسير تشريحي لظاهرة الوعي والتفكير, فالدماغ تطوّرياً هو مجرد خلايا وكهرباء وكيمياء, وهذا لا يفسّر الإرادة الحرّة والوعي والتفكير التجريدي والأخلاقي, فلا علاقة للمادة ولا للتطوّر بهذا, وإذا كان كذلك, فلا وجه لحصر العقل في الكون, إلاّ إن كان من باب التشبيه؛ لأنّه يعتمد على أنّك تشبّه غائبا بمشاهد, فهنا اتفق معك, ليس لدينا في الكون ما نعلم أنّه شبيه بما هو خارج الكون بحيث نستعمل المماثلة, لكن إذا تحدّثنا عن القواعد الضرورية الكليّة (المبادئ أو الأوليات كما تسمى أيضاً) العقلية فهي ليست من عالم المادة أصلاً, بل هي مودعة في العقل, ولا يوجد لها مصدر كوني حتّى نربطها بالكون ونفرّق في تقييمنا لها بين داخل الكون وخارج الكون.

الرؤية البيانية ترفض فكرة “الضرورة العقلية”

محمد عابد الجابري| الاثنين 15 يونيو 2009

عرضنا في المقال السابق موقف المعتزلة من تحديد معنى العقل. ونريد الآن أن نتعرف على موقف الأشعرية فنقول: لا يختلف موقف الأشعرية في هذا الموضوع عن موقف المعتزلة في شيء سوى أن بعضهم يستعمل عبارة “بعض العلوم الضرورية”، بدل عبارة “علوم مخصوصة” التي استعملها شيخ المعتزلة في عصره القاضي عبد الجبار (المقال السابق). يقول أبو يعلى الحنبلي الذي يحذو في المسائل الكلامية -في الغالب- حذو الباقلاني المنظر للمذهب الأشعري: “والعقل ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض واحد، بل هو بعض العلوم الضرورية، خلافا للفلاسفة في قولهم إنه جوهر بسيط، وخلافا لبعضهم في قولهم إنه مادة وطبيعة، وخلافا لقوم آخرين في قولهم إنه قوة يُفصل بها بين حقائق المعلومات، وخلافا لبعض الأشعرية في قولهم إنه عرض واحد مخالف لسائر الأعراض والعلوم”؛ ثم يستدل على صحة ذلك من داخل نظرية الجوهر الفرد فيقول: إن العقل لو كان جسما أو جوهرا “لوجب أن تكون سائر الجواهر والأجسام عقلا لأن الجواهر كلها من جنس واحد، فلو كان بعضها عقلا لكان سائرها كذلك”. العقل إذن عرض، ولكنه ليس عرضا واحدا بعينه، كما يقول بعض الأشاعرة، بل هو جملة أعراض. وهذه الجملة من الأعراض ليست من أجناس الأعراض المخالفة للعلوم (للمدركات) كاللون والرائحة والطعم والحرارة والبرودة إلخ، لأنه لا شيء منها “إلا وقد يوجد بالحي ولا يكون بذلك عاقلا. فثبت أنه مخالف لسائر الأعراض سوى العلوم. ولا يجوز أن يقال إن العقل هو الحياة لأن العقل يبطل ويزول، ولا يخرج الحي عن كونه حيا، وقد يكون الحي حيا وإن لم يكن عالما بشيء أصلا. ولا يجوز أن يقال إن العقل -هو- جميع العلوم الضرورية والكسبية لأن العقل يصح وجوده مع عدم جميع العلوم النظرية، ولا يجوز أن يكون هو جميع العلوم الضرورية لأن ذلك يؤدي إلى أن الأكمه والأخرس والأطرش ليسوا بعقلاء لأنهم (الأخرس إلخ) يعلمون المشاهدات والمسموعات والمدركات، التي تعلم باضطرار – يعلمونها بالاستدلال”. ومع كل هذه الاحتياطات “الحنبلية” فقد كان هناك من الأشاعرة من رأى أن القول إن العقل هو “بعض العلوم الضرورية” مدعاة للالتباس: التباس التصور البياني للعقل بتصور الفلاسفة، لأن عبارة “بعض العلوم الضرورية”، قد توحي بالاعتقاد في “الضرورة العقلية” التي يقول بها الفلاسفة والتي تتنافى مع نظرية الجوهر الفرد وبالتالي مع الرؤية البيانية “العالمة” القائمة على رفض السببية والقول بدلها بـ “العادة”. وتجنبا للالتباس يعمد هؤلاء إلى المطابقة بين “العلم” و”العقل”، استنادا على الاستعمال اللغوي. واللغة كما نعرف هي السلطة المرجعية الأولى والأخيرة في النظام المعرفي البياني. يقول أبو بكر ابن العربي، الفقيه الأشعري المتشدد، في سياق رده على القائلين إن العقل قادر على التوصل إلى معرفة الله بنفسه وأنه لا حاجة في ذلك إلى شرع، يقول: “هذه طائفة لم تعلم العقل ولا عقلته، وأفرادها مختلفون فيما بينهم حول معناه: “وهم يقولون إنه مشترك (يدل على معان متعددة مختلفة)، من معانيه صحة النظر، ومنها التجربة، ومنها الوقار والسكينة، وزادوا على إخوانهم الفلاسفة أنه علوم ضرورية وعلوم نظرية، وعملي وهيولاني (مادي) وملكي (=بالملكة) وفعلي (=بالفعل)، ومستفاد وفعّال”. ثم يضيف متسائلا: “فما ظنك بمعلوم بيِّن يدخل في الإشكال في هذه السوق الكاسدة ويباع البيوعات الفاسدة”؟ ويضيف ابن العربي: “العقل في لسان العرب: العلم. لا فرق عندهم بين عقلت وعرفت وعلمت والخلق كما قال الله عز وجل “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا” (النحل 78)، ثم يخلق لهم العلم، العقل، المعرفة، التمييز، الإدراك، التفطن، الذكر إلى آخر الخطط والأسماء، رتبة بعد رتبة وشيئا بعد شيء، وليس فيه استعداد لذلك من عند الله فيه إلا ما ينشئه له كما ينشئه في الشجر والحجر وطرف الظفر والأنملة، لا يختص ببنية ولا يلزم بحالة، فإن جرى شيء من ذلك على صنعته فهي عادة لا علة، وحالة عارضة، باتفاق، من صنع الله وإرادته، لا واجبة في مخلوقاته، ويخلق له علما مركبا على علم يجده، مساويا في ثمرته وإفادته فيكون تجربة، فإن ظهر على أقواله وأفعاله كان منتفعا له… فأما القول إنه علوم ضرورية فإنما تعلق به المتكلمون من علمائنا لأنهم رأوا أنه لا يبتلي الله بأوامره ونواهيه إلا من جعل فيه مقدمات من علومه، فتلك المقدمات، لما سماها الله عقلا، ظنوا أنه كل العقل. ولا يلزم ذلك، لأن الله قد سماها علما فقال: “إن في ذلك لآية لقوم يعلمون” (النمل 52)، كما قال: “إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون” (البقرة 164). ها نحن إذن نعود إلى نقطة البداية، النقطة التي انطلقنا منها: العقل هو العلم، ولا شيء غير ذلك! لماذا هذه العودة إلى الأصل اللغوي؟ إنه لا معنى لتفسير ذلك بتشدد ابن العربي وانغلاقه وعدم تفتحه، فلقد كان هناك قبله من كانوا أكثر منه تشددا كالحنابلة وغيرهم، ومع ذلك قبلوا تعريفات للعقل تخرج به عن القول إنه مجرد العلم لا أكثر. ولا يمكن أن يعزى ذلك إلى تقيد ابن العربي بحرفية النص في الآيات المذكورة، فالآيات التي استشهد بها لا تنص هي ولا غيرها على أن القرآن يقيم مطابقة بين العقل والعلم. فلفظ “العقل”، – هكذا بصيغة الاسم- لم يرد في القرآن قط، وإنما وردت فيه ألفاظ من مادة (ع. ق. ل) بصيغة الفعل الماضي والفعل المضارع (عقلوه، تعقلون، نعقل، يعقلها، يعقلون) لا غير. هذا فضلا عن أن آيات أخرى تقيم نوعا من التمييز بين العقل والعلم كالآية التي تقول: “وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون”، (العنكبوت 43). وإذن فليست النزعة النصية هي التي دفعت ابن العربي الأشعري إلى العودة مجددا إلى المطابقة بين “العلم” و”العقل”، معرضا عن جميع التعريفات الأخرى، حتى تلك التي قال بها زملاؤه في المذهب. إن الأمر يتعلق، في اعتقادنا، باستعادة النظام المعرفي البياني لتوازنه الذاتي. لقد رأينا كيف رفض البيانيون، معتزلة وأشعرية، فكرة “الطبع” ومفهوم “المزاج” حتى عندما ربطوا العقل بالقلب فقالوا، بدلا عن ذلك، بأن المقصود بالقلب عندما يطلق ويراد به العقل ليس مزاج القلب، بل القلب بوصفه بنية مخصوصة، أي جملة من المعارف تقوم به. وعندما أرادوا تعيين هذه المعارف وقبلوا عبارة “العلوم الضرورية” جاء ابن العربي لينبه إلى أن هذه العبارة قد تفيد أن العقل بنية ثابتة أو جملة مبادئ ثابتة، الشيء الذي يتنافى ويتناقض مع مبدأ التجويز البياني. لذلك نجده يلح على القول إن العقل “لا يختص ببنية ولا يلزم بحالة”، ثم يضيف: “فإن جرى شيء من ذلك على صفته فهي عادة لا علة، وحالة عارضة باتفاق، من صنع الله وإرادته لا واجبة في مخلوقاته”. ومعنى هذا أن تعريف “العقل” يجب أن يحترم مبدأ التجويز، أو مبدأ اللاسببية، وبالتالي يجب ألا يتضمن بصورة من الصور فكرة “الضرورة العقلية”. وإذا كان الأمر كذلك فكيف نفسر قبول الأشاعرة تعريف العقل بأنه “بعض العلوم الضرورية”؟ وبعبارة أخرى ما معنى الضرورة في اصطلاحهم؟ ذلك ما سنجيب عنه في المقال القادم التي سنتناول فيها مفهوم المعرفة وأصنافها عندهم.

ابن رشد «الواجب» مجرد مقولة منطقية … والطريقة البرهانية تنطلق من المسببات إلى السبب الأول

محمد عابد الجابري| الثلاثاء 24 نوفمبر 2009

رأينا في المقال السابق كيف بَيَّن ابن رشد أن محاولة ابن سينا حل مسألة ”حدوث العالم”، باعتماد القسمة المنطقية المعروفة منذ أرسطو، قسمة الموجود المفترض إلى ”واجب” و”ممكن”، محاولة غير منطقية. ذلك أن إضافته قيمة أخرى بينهما سماها ”الممكن بذاته الواجب بغيره”، عمل يقوم على الجمع بين شيئين من طبيعتين مختلفتين. فـ ”الممكن” لا يمكن أن يتحول إلى ”واجب” لأن من طبيعته أنه ”ممكن” وليس واجبا وكذلك الشأن في الواجب. وعلى هذا الأساس رأى ابن رشد أن ابن سينا وكذا الفارابي وأمثالهما قد ”غيَّروا مذهب القوم في العلم الإلهي، حتى صار ظنيا”. والمقصود بـ ”القوم” هنا هم أرسطو ومن سار على دربه. ومعلوم أن أرسطو كان من ”الفلاسفة الإلهيين” أي القائلين بوجود إله سماه ”السبب الأول”، إليه ترجع جميع الموجودات، أسبابا (ثواني) كانت أو مسبَّبات”. وقد أثبت أرسطو ضرورة وجود ”هذا السبب الأول” بطريقة ”برهانية”، طريقة تعتمد، لا مجرد القسمة العقلية، بل تنطلق من المحسوس إلى المعقول، وإذا شئنا قلنا البرهنة من خلال النظام الذي في العالم على وجود مبدأ لهذا النظام، وبالتالي للعالم ككل. – انطلق أرسطو، إذن، من دراسة الظواهر الطبيعية فردَّها جميعا إلى الحركة، حركة النقلة في المكان وحركة التحول والتغير في الكم والكيف… إلخ. وبملاحظة تأثير السماء (الكواكب والنجوم) في الأرض كما يبدو واضحا من الفصول الأربعة والمد والجزر… إلخ تَقَرَّرَ (عند القدماء) أن جميع أشكال التغير والحركة في الأرض ترجع إلى الحركة الدائرية في السماء: حركة الكواكب بدورانها على أفلاكها. وبما أن لكل حركة محركا، فقد افترض أرسطو وجود محرك أول غير متحرك، لأنه لو كان متحركا لاحتاج بدوه إلى محرك وهكذا… – كيف يمكن تصور محرك غير متحرك؟ هنا أدخل أرسطو مفهوم ”العشق”، فقال إن الكواكب وجميع أشياء العالم تتحرك بدافع ”الشوق” نحو هذا المحرك الأول الذي يقول عنه أرسطو إنه هو وحده أحق بأن يسمى ”الإله”. فهو لا يحركها كما يحرك الرجل، أو الدابة أو الآلة، شيئا من الأشياء؛ كلا، بل إن الأشياء هي التي تتحرك إليه، كما يتحرك العاشق نحو معشوقه، أو كما يتحرك الناس في معرض الفنون نحو لوحة معينة تستقطبهم جميعا! والسؤال الذي لا بد من طرحه الآن هو التالي: إذا كان الأمر كما وصفنا، فما علاقة ”المحرك الأول” بالعالم؟ يمكن القول إنه صانعه وخالقه، ولكن وماذا تعنيه صفة ”صانع” أو ”خالق” ؟ – يجب التنبيه بادئ ذي بدء إلى أن هذا السؤال المركزي في علم الكلام، لم يكن مما يشغل فكر أرسطو. فـ ”المحرك الأول” ضروري لفهم الحركـة في الكون، وقد قدم مفهوم ”العشـق” تفسيرا (تمثيليا) للحركة التي يرجع مصدرها إلـى محرك لا يتحرك، وهي حركة انجذاب (لم يستعمل أرسطو كلمة جاذبية لاعتبارات لا مجال للخوض فيها هنا). ولكن انجذاب من؟ ونحو من؟ انجذاب الفلك المحيط أولا، وهو فلك السماء العليا، المحرك لما دونه من الأفلاك، فهو أول محرك متحرك: تقترب منه الأفلاك وتبتعد، ومن هذه الحركة تنشأ الظواهر الكونية. فتأثير الأفلاك تأثير طبيعي ”ميكانيكي”، وليس تأثيرا روحانيا كما قال بذلك ابن سينا الذي ذهب في ذلك مذهبا لا برهانيا، فقال إن الكواكب تحس وتتخيل، فضلا عن القول بـ ”واهب الصور”! – ولكن كيف تنشأ الظواهر الكونية؟ كيف تتكون الأشياء؟ وما علاقة هذا التكون بالسماء، وبالتخصيص بـ ”المحرك الأول” الذي لا يتحرك، والذي يضعه أرسطو – كما قلنا – في مرتبة الإله؟ قلنا قبل: إن أرسطو أرجع جميع أنواع التغيرات المشاهدة في الكون إلى الحركة، ومنها تأدى إلى المحرك الأول. وعلينا أن نضيف الآن أن من جملة أنواع التغير، أو الحركة في الكون، ما نشاهده من ”كون” و”فساد” = (من نشوء وانقراض)، فكيف يفسر المعلم الأول هذه العملية التي تسمى بأسماء عديدة: ”الصنع”، ”الخلق”، ”النشوء”… إلخ؟ يرى أرسطو أن جميع الأشياء والظواهر التي نشاهدها ويمكن ملاحظتها، جمادا كانت أو نباتا أو حيوانا، تتألف من شيئين: ”صورة”، و”مادة” = (الكرسي: صورة هي شكله، ومادة هي الخشب). وبما أن ”المادة” الواحـدة تتعاقب عليها عدة ”صور” (الخشب يكون كرسيا وطاولة وخزانة وقلما… إلخ)، فإن عملية التكون والنشوء، وعكسها الفساد والانقراض، هي عبارة عن تعاقب الصور على المواد؛ وبالتالي فالمادة هي مجرد قابل أو حامل للصور. وبما أن الخشب، بل جميع المواد، تقبل صورا دون أخرى، فالخشب المصنوع منه الكرسي يقبل أن تنخلع عنه صورة الكرسي لتترك المكان لصور أخرى مثل صورة القلم أو الخزانة… إلخ ولكنه، أعني الخشب، لا يقبل أن تحل فيه صورة المدفع ولا صورة الذهب ولا صورة أي حيوان حي… إلخ. معنى هذا أن الصور ”أنواع”، وأنها لا تحل إلا في المواد التي فيها استعداد لحمل النوع الخاص بها. – وهذا الاستعداد الذي في مادة معينة لحمل صورة معينة هو المقصود بـ” الوجود بالقوة”، في مقابل ”الوجود بالفعل”. فالكرسي موجود بالقوة في الخشب وليس موجودا بالقوة في الماء مثلا. ومن جهة أخرى : كل شيء موجود بـ ”القوة” في شيء آخر يحتاج إلى شيء ثالث يخرجه من القوة إلى الفعل. فالنجار يصنع الكرسي، ولكنه لا يصنعه من لاشيء، ولا من أي شيء كان، بل إنما يصنعه من الخشب الذي يحمل بـ”القوة” صورة الكرسي، أي المستعد لأن يتحول إلى كرسي. وكذلك النار التي في الشمعة المشتعلة مثلا، فهي إذ تحرق القطن إنما تخرج النار الكامنة في القطن من القوة إلى الفعل. ولولا وجود النار بالقوة في القطن لما احترق، دليل ذلك أن النار لا تحرق إلا ما هو قابل للاحتراق، أي ما فيه النار بـ ”القوة”، كالخشب والشمع… إلخ. وعملية الإخراج من القوة إلى الفعل هي عبارة عن ”تحريك”، والتحريك لا بد فيه من محرك. وأشياء العالم بعضها محرك لبعض، على هذا المستوى أيضا. النجار يخرج من الخشب صورة الكرسي من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، وكذلك تفعل الشمس والكواكب، فإلى حركتها يرجع تعاقب الليل والنهار والفصول والرياح… إلخ، مما يتوقف عليه ”الكون” ”والفساد” في مجال المزروعات، التي يحتاج بعضها أيضا إلى عمل الفلاح، كما يحتاج تكون الجنين الحيواني أو البشري إلى العلاقة الجنسية، والظروف المساعدة الأخرى، التي تخرجه من الوجود بالقوة في بويضة المرأة ومني الرجل، إلى الوجود بالفعل: مضغة فعلقة… إلخ. ما يميز هذا التصور عن ذلك الذي قال به الفارابي وابن سينا هو أن ”الصورة” في رأيهما يهبها للمادة المستعدة لقبولها ”واهب الصور”، وهو ”العقل السماوي العاشر”، آخر العقول الفلكية ومكانه القمر! أما التصور الذي قال به أرسطو ويرى فيه ابن رشد التصور المعقول، فهو يقرر أن ”الصورة” موجودة بالقوة في ”المادة” نفسها، مع التنبيه إلى أن الصور أنواع: فالشجر يعطينا الشجر، والفرس يعطينا الفرس، والإنسان يعطينا الإنسان وهكذا. وبما أن الحركة في الأرض محكومة بحركة السماء فبدهي أن للسماء، بكواكبها وحركات أفلاكها، دورا ضروريا فيما يحدث في الأرض من ”كون” و” فساد” ونشوء وانقراض. وحركة السماء ترجع كما قلنا إلى المحرك الأول، إذن فهو ”السبب الأول” الذي ترجع إليه جميع الأسباب التي لها دور في خروج ما بالقوة إلى الفعل في هذا العالم. – ولما كان ”الكون” و”الفساد” هو، كما قلنا، عبارة عن تعاقب الصور على المادة، فإن من الصور ما هي بمثابة ”المادة” لغيرها من الصور، كما أن من المواد ما هي بمثابة ”الصورة” لغيرها من المواد. وإذن يمكن القول إن الصور تتسلسل صُعُدا من الأرقى إلى الأرقى منه حتى نصل أولا إلى صور لا تحتاج في قوامها ووجودها إلى مادة أصلا، ولهذا تسمى ”مفارقة” = (للمواد)، وهي صور الكائنات السماوية (الملائكة) وهي مفارقة للمادة غير مركبة منها؛ وترتقي الصور السماوية، إلى صورة أسمى من جميعها، هي صورة الصور، بمعنى ما من المعاني. – وقولنا: ”صورة مفارقة للمادة” معناه أنها ”عقل”: العقل يدرك الصور والمفاهيم، وبعبارة أخرى ”المعقولات”، التي يجردها مما تقدمه له الحواس من انطباعات حسية. وبما أن العقل تزداد معقولاته بازدياد ما يعرفه الإنسان، فبدهي أن العقول تتفاضل؛ وأرقاها درجة هو ما لا يحتاج إلى مادة أصلا, وهي العقول السماوية المدبرة للكواكب. وإنما سميت ”عقولا”، لأن العقل ليس هو شيئا أكثر من إدراك الأشياء، لا الأشياء نفسها، فهذا من عمل الحواس، بل إدراك النظام والترتيب الذين في الأشياء، أعني الأسباب ومسبباتها. وكلما كان الإدراك إدراكا لأعم الأسباب كان أكمل. وهكذا تتفاضل العقول السماوية كذلك، حسب قربها من أعم الأسباب الذي هو ”السبب الأول”، وهو الأسمى والأكمل: فهو المحرك الأول الذي لا يتحرك، وبالتالي ”العقل” الذي لا يستمد معقولاته إلا من ذاته. وبما أنه مصدر الحركة فهو أيضا، من هذه الجهة، مصدر النظام والترتيب الـذي في الكون. أما النظام والترتيب الذي في عقولنا فهو ”انعكاس” مطابق، إلى درجة ما، للنظام والترتيب الذي في الكون. إذن: كل ما في الكون يتوقف عليه فهو الحافظ لوجود العالم جملـة وتفصيلا. وفي نظر ابن رشد فهذا التصور الأرسطي هو أقرب إلى التصور القرآني، كما سنبين في المقال القادم.

«… غيَّروا مذهب القوم في العلم الإلهي، حتى صار ظنيا»

محمد عابد الجابري| الثلاثاء 17 نوفمبر 2009

عرضنا في المقال السابق الكيفية التي حاول بها كل من ابن سينا والغزالي التغلب على مشكلة ”المرجح” في البرهنة على ”حدوث العالم”: الأول بإضافة قيمة ثالثة تتوسط المقولتين المتعارضتين، ”الواجب والممكن”، سماها ”الممكن بذاته الواجب بغيره”، أما الثاني فقد فعل الشيء نفسه على مستوى مقولات المتكلمين، إذ أضاف بين الإرادة وموضوعها قيمة ثالثة، سماها ”التراخي” : ”تراخي الإرادة”، على مذهب الأشاعرة. أما ابن رشد –الذي سنعرض نقده لهاتين الإضافتين في هذا المقال- فهو يرى أن كِلا الرأيين متهافت: فقول ابن سينـا بـ”الممكن بذاته الواجب بغيره”، قول متناقض متهافت، لأنه يجمع بين شيئين متقابلين، كل منهما من طبيعة مختلفة: فـ ”الممكن” من طبيعته أنه يمكن أن يوجد وأن لا يوجد. بينما ”الواجب” من طبيعته أنه ”الضروري الوجود”. والقسمة العقلية تقتضي إما أن يكون الشيء ممكنا، وإما ضروريا، وإما ممتنعا. ولا يمكن أن يكون ”الممكن” واجبا، بذاته أو بغيره، إلا إذا انقلبت طبيعة الممكن إلى الواجب، وهذا إلغاء للممكن! أما احتجاج الغزالي بـ ”تراخي” الإرادة، فاحتجاج فاسد في نظر ابن رشد. أولا، لأن الإشكال سيبقى: ما الداعي إلى ”التراخي”؟ هل هناك عامل ما، خارجي أو داخلي، وهذا يعود بنا إلى الحاجة إلى ”المرجح”؟! ثانيا، يجب أن نتفق على معنى الإرادة نفسها، لنرى هل يعقل القول بتراخيها أو لا يعقل؟ يقول الغزالي: الإرادة ”صفة من شأنها تخصيص الشيء عن مثله”، فالإرادة الإلهية خصصت وجود العالم بدل عدمه! ويعقب ابن رشد متسائلا: ولماذا كان هذا التخصيص؟ ثم ما الإرادة؟ أليست هي شوق إلى فعل شيء يستكمل به المريد، أي يلبي به حاجة في نفسه؟ وهل يجوز مثل هذا القول في حقه تعالى؟ وأيضا ما معنى ”المِثل” هنا؟ وهل ”الوجود” مِثْلٌ لـ ”العدم”، أم أنه مقابل له؟ ويدور نقاش طويل عريض حول هذه المسألة. ومن المشاكل المتصلة بهذه المسألة، مسألة ”حدوث العالم”، مشكلة ما عبرت عنه الأفلاطونية المحدثة بـ ”صدور الكثرة عن الواحد”! وهذه مشكلة تنتمي إلى الإرث الفلسفي الذي انتقل إلى الإسلام من التيارات العرفانية والجدال الفلسفي في العقيدة المسيحية، ولم يكن لها حضور يذكر في فضاء علم الكلام. والمشكلة تطرح هكذا: الله واحد لا شريك له، بسيط لا تركيب فيه؛ والعالم متعدد كثير، فكيف يمكن تصور صدور الكثرة عنه، والحال أنه كان قد تقرر عندهم أن ”الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”؟ لحل هذا الإشكال ظهرت نظرية الفيض، قبل الإسلام بقرون. تقرر هذه النظرية، كما صاغها الفارابي وأخذها عنه ابن سينا، أن واجب الوجود (الله) بـما أنه عقْلٌ محض، أي لا تخالطه المادة، بل هو مفارق لها تمام المفارقة، فهو دائم التعقل لذاته: عقَل ذاتَه، ومن عقْلِه ذاتَه فاض عنه عقلٌ ثان. وهذا العقل الثاني: عقَل مبدأه، أي العقل الأول، ففاض عنه عقل ثالث؛ وعقل ذاته، ففاض عنه نفس وجرم فلكي. وتسلسل الفيض هكذا إلى العقل العاشر الذي محله فلك القمر، يشرف على ما تحته، أي على الأرض التي تشكلت العناصر الأربعة فيها (التراب والماء والهواء والنار) من حركة الأفلاك. وباختلاط تلك العناصر بتأثير حركة الأفلاك تكونت الأجسام. وعندما يصبح جسم منها مستعدا ليتخذ صورة كائن من الكائنات الأرضية، جمادا أو نباتا أو حيوانا أو إنسانا، أفاض عليه العقل العاشر صورة ذلك الكائن، ومن هنا سموه ”واهب الصور”، وهو ”جبريل” في الخطاب الديني. يعترض الغزالي على هذا التصور، ويقول إنه تصور يسلب الإرادة عن الله، ويجعل الأمر أشبه بصدور الضوء عن الشمس، وهو فعل طبيعي قسـري لا إرادي. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فنسبة الكثرة إلى العقل الفائض الأول لكونه عقَل ذاتَه وعقَل مبدأه أمرٌ فيه تحكم! وأيضا: لماذا تسلسلت العقول؟ ولماذا وقفت عند العاشر؟ ثم ما دام مصدر الكثرة هو التعقل فلماذا لا ننسبها إلى العقل الأول ذاته (الله)، وهو الذي يقولون عنه: إنه ”عقل وعاقل ومعقول”؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التشكيكية التي يطرحها الغزالي بصيغ مختلفة، وبكثير من السخرية في بعض الأحيان! أما ابن رشد فهو يعترض بشدة على نظرية الفيض جملة وتفصيلا، ويقول عنها إنها دخيلة على الفلسفة، وأنه لم يقل بها أحد من القدماء! ثم يتساءل باندهاش: ”والعجب كل العجب كيف خفي هذا على أبي نصر(الفارابي) وابن سينا لأنهما أول من قال بهذه الخرافات، فقلدهما الناس، ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة”، وأيضا: ”والذي سلك هذا المسلك من الفلاسفة هم المتأخرة من أهل الإسلام لقلة تحصيلهم  لمذهب القدماء”، ”ولذلك  من رام من هذه الجهة إثبات الفاعل فقوله مقنع جدلي لا برهاني، وإن كان يظن بأبي نصر وابن سينا أنهما سلكا، في إثبات أن كل فعل له فاعل، هذا المسلك. وهو مسلك لم  يسلكه المتقدمون. وإنما اتبع هذان الرجلان فيه المتكلمين من أهل ملتنا”. ويخاطب فيلسوف قرطبة قارئه قائلا: ”فانظر هذا الغلط ما أكثره على الحكماء (في حقهم)! فعليك أن تتبين قولهم هذا: هل هو برهان أم لا؟. أعني: في كتب القدماء، لا في كتب ابن سينا وغيره، الذين غيَّروا مذهب القوم في العلم الإلهي، حتى صار ظنيا”. تلك هي شكوى ابن رشد التي تتكرر مرارا، الشكوى من كون الفارابي وابن سينا عدلا عن الطريقة البرهانية في ”العلم الإلهي”، واتبعا طرقا جدلية أخذوها إما من المتكلمين وإما من غيرهم من ”الضعفاء” في الفلسفة، فجاءت أقاويلهم قابلة للرد الجدلي والعناد السفسطائي، مما مكن الغزالي من التطاول عليهم: ”فأبو حامد لما ظفر هاهنا بوضع فاسد منسوب إلى الفلاسفة، ولم يجد مجيبا يجاوبه بجواب صحيح، سُرَّ بذلك وكثَّرَ المُحالات اللازمة لهم”. لا يعرض ابن رشد ”الطريقة البرهانية” مرة واحدة، بل هو يحيل باستمرار إلى ”موضعها”، إلى كتب أرسطو. ومع ذلك فهو يجد نفسه مضطرا، من حين لآخر، إلى إعطاء صورة مجملة عن هذه الطريقة، حسبما يتطلبه السياق. ومما كتبه ابن رشد في أماكن متفرقة من كتابه ”تهافت التهافت”، وبالرجوع كذلك إلى أرسطو ذاته، سنعرضها بقول عام ومجمل في المقال القادم.

الواجب والممكن .. أم تراخي الإرادة؟

محمد عابد الجابري| الثلاثاء 10 نوفمبر 2009

لن يكون في الإمكان هنا تقديم عرض مفصل لوجهة نظر كل من ابن سينا ورد الغزالي ثم رد ابن رشد عليهما معا في «تهافت الفلاسفة» «وتهافت التهافت»، فذلك ما يشغل مجلدات … كل ما يمكن فعله إذن، هو إلقاء الضوء على طبيعة موقف كل واحد منهم حول القضايا الأساسية «الكلامية» (نسبة إلى علم الكلام) التي دار حولها النقاش بينهم. إن عرض المواقف المختلفة حول هذه القضايا سيمكننا، ليس فقط من التعرف على وجهات النظر التي كانت تتصارع في مجال رؤية العالم (الله، الطبيعة، الإنسان، والآخرة)، داخل علم الكلام والفلسفة في الإسلام، بل سيضع أمامنا قواعد منهجية وأخلاقية يقترحها ابن رشد كأساس للحوار المثمر؛ وهذا الجانب المنهجي، الأخلاقي، هو في الحقيقة، ما بقي ــ وسيبقى ــ حيا في هذا النقاش الكلامي الفلسفي المتشعب المترامي الأطراف. يمثل الغزالي هنا الموقف الأشعري، لكن فقط على مستوى الدفـاع بواسطة الهجوم. معنى ذلك أنه لا يعرض رأي الأشاعرة، في أية مسألة، عرضا مباشرا، بل يتجه بكل قواه نحو الرأي المخالف، رأي الخصم، يعرضه ويوضحه، ثم يأخذ في الاعتراض عليه، من داخل المذهب الأشعري، بقصد إبطاله أو بيان تناقضه وضعفه. لقد اختار الغزالي من إلهيات ابن سينا القضايا التي هي عماد المذهب الأشعري، يعرضها بأسلوبه هو – وهو أكثر وضوحا وبساطة من أسلوب ابن سينا! ومعلوم أن هذا الأخير لم يمارس التدريس قط، بينما مارسه الغزالي وتعوَّد على بيداغوجية التفهيم والبيان. لكنه، أعني الغزالي، في عرضه الواضح فعلا، لم يكن يتوخى بناء المعرفة، بل إظهار عجز الخصم عن بناء معرفة «يقينية» بالقضايا المطروحة. من هنا صيغة العناوين التي اختارها الغزالي للمسائل العشرين التي وضعها لفصول كتابه «تهافت الفلاسفة»، والتي استغنى عنها ابن رشد، أو أشار إليها مجرد إشارة، لينصرف إلى نص المتن. يتصدر هذه العناوين ثلاث عبارات على التناوب: «إبطال مذهبهم» (أو قولهم)، «بيان تلبيسهم»، «تعجيزهم». والضميـر «هم» يعود على «الفلاسفة»، وبالتحديد على ابن سينا. معنى ذلك أن هدف الغزالي، هدفه المباشر، هو إظهار «إلهيات» ابن سينا، التي قلنا عنها إن صاحبها أرادها أن تكون بديلا «برهانيا» لعلم الكلام الأشعري، بمظهر الدعاوى «الباطلة»، «العاجزة»، «الملبِّسة»؛ وبالتالي الدعاوى التي لا ترقى إلى مستوى «البديل» الذي يمكن أن يزحزح المذهب الأشعري من مكانه ومكانته. مثال من المسألة الأولى: القدم والحدوث أم الواجب والممكن؟ وهكذا ففي المسألة الأولى، وهي بعنوان: «إبطال قولهم بأزليـة العالم»، لا يصرح الغزالي برأي المذهب الأشعري وهو «حدوث العالم»، أو «الخلق مـن عدم»، بل يشرع في إيراد ما يعده أدلة «الفلاسفة» على «قدم العالم» أي أزليته. والحق أن القضية هنا معكوسة: ذلك أن «الفلاسفة»، وعلى رأسهم ابن سينا، لم يطرحوا المسألة على هذا الشكل. فالمنطلق عندهم هو بيان صعوبة التخلص من الإشكالات المنطقية التي تلازم القول بـ «حدوث العالم»، وهي الإشكالات التي لم تزدها نظرية الجوهر الفرد عند المتكلمين إلا تعقيدا. وفي مقدمة هذه الإشكالات، أن القول بأن العالم «حادث»، بالمعنى الذي يعطيه الأشعرية لـمفهوم «الحدوث»، (وهو أن الله كان منذ الأزل وحده، لا شيء معه، ثم شاءت إرادته أن يخلق العالم، فخلقه)، هذا القول يدفع إلى التساؤل: كيف نفهم أن الإرادة الإلهية شاءت، في وقت ما، خلق العالم؟ ما الذي جعل الإرادة الإلهية لا تخلق العالم قبل وقت خلقه أو بعده؟ هل يرجع ذلك إلى وجود «مُرجِّح» رجَّح عملية الخلق في وقت دون آخر؟ هذا لا يمكن! لأن فكرة «المرجح»، سواء كانت دافعا داخليا أو حافزا خارجيا، لا معنى لها بالنسبة إلى الله المنزه عن الوقوع تحت أي تأثير، مهما كان. ولتجاوز هذا الإشكال المنطقي سلك ابن سينا مسلكا اعتقد أنه سيقدم به بديلا عن نظرية الأشعرية، فقال: إن «الحدوث» بالمعنى الذي يفهمه المتكلمون لا يمكن البرهان عليه ولا تجنب مشكل «المرجح» فيه، ولذلك ينبغي التخلي عن مقولتي «الحدوث» و«القدم»، وهما مقولتان «كلاميتان»، أي من وضع المتكلمين، والنظر في الأمر من زاوية مقولتين فلسفيتين هما: «الممكن» و»الواجب»، وكان الفارابي قد وظفهما من قبل في هذا المجال، (وترجعان في الأصل إلى أرسطو الذي استعملهما كمقولتين منطقيتين). «الواجب»، عند الفارابي وابن سينا، هو ما إذا فُرض غير موجود لزم عنه محال، و«الممكن» هو الذي إذا فرض غير موجود لم يلزم عنه محال». «الواجب» هو واجب الوجود، و»الممكن» هو ممكن الوجود، وفي الوقت نفسه ليس مستحيل الوجود. وبما أن العالم موجود، ونحن نعيش فيه، وبما أنه عبارة عن سلسلة من الظواهر المتغيرة التي بعضها سبب لبعض، فإنه كـ «كل» لا يمكن أن يكون سبب وجوده، لأن «كل» العالم هو مجموع أجزائه، وهي جميعا معلولة لبعضها. إذن فوجود «العالم» بوصفه ممكنا، لا بد أن له علة (أو فاعلا) خارجه. ولا بد أن يكون هذا الفاعل غير مفتقر إلى علة، لأنه إن كان كذلك احتاج بدوره إلى علة، وبالتالي نقع إما في «التسلسل»، تسلسل العلل إلى مـا لا نهاية له، وهذا محال وغير معقول، وإما في «الدور»، كأن يكون الأول علة للثاني والثاني علة للثالث والثالث علة للأول! وهذا أيضا محال وغير معقول (عدم المعقولية هنا يرجع إلى إقصاء الفكر القديم لمفهوم «اللانهاية» لأن العقل لا يمسك بها). يبقى، إذن، أن يكون الفاعل للعالم، هو المقابل المنطقي لـ «ممكن الوجود»، أي «واجب الوجود» الذي وجوده من ذاته، أي جزء ماهيته (وابن سينا يقول ماهيته هي وجوده نفسه)، الذي متى فُرض غير موجود عَرَض عنه محال: وهذا المحال هو وجود العالم من غير موجِد، أو الوقوع في الدور أو التسلسل! من هنا أدخل ابن سينا مقولة ثالثة بين الممكن والواجب وهي ما دعاه بـ»الممكن بذاته الواجب بغيره». بمعنى أننا إذا نظرنا إلى العالم في ذاته، أي كما تجري الحوادث فيه، وجدناه ينتمي إلى «الممكن». لكن إذا نظرنا إليه من زاوية أنه «موجود» فعلا، وأنه لا يمكن الرجوع القهقري مع ظواهره بتعقبها كعلل ومعلولات بعضها لبعض، إلى ما لا نهاية له، فإننا مضطرون إلى النظر إليه بوصفه «واجب الوجود»، لكن لا بنفسه بل بغيره، أي بـ «واجب الوجود بذاته» الذي هو الله. وهكذا: فـ «العالم» بما أنه «ممكن بذاته» فهو حادث بالذات، أي معلول ومفعول. وبما أنه «واجب بغيره»، أي بواجب الوجود، وبما أن «واجب الوجود» لا أول لفعله – وإلا احتجنا إلى المرجح – فهو، أعني العالم، «قديم بالزمان». ويمثل ابن سينا لذاك بحركة الخاتم في الإصبع: فحركة الخاتم حادثة بالذات لأنها ليست من الخاتم نفسه بل هي تابعة لحركة الإصبع ومعلولة لها، لكنها قديمة بالزمان قدمَ حركة الإصبع نفسها، أي أنها مساوقة لها ولا يمكن أن تتخلف عنها. يحاول الغزالي في ردوده واعتراضاته حول هذه المسألة أن يبيـن أن هذا «التخريج» الذي قال به ابن سينا والذي تمدَّح به في وجه المتكلمين، لا يُثبت حدوث العالم، أي «الخلق من عدم» – وهو الركن الأساس في مذهب الأشعرية – بل هو تخريج يكرس القول بأزليته وقدمه: ذلك أن وصف العالم بـ «وجوب الوجود»، ولو «بغيره»، يعني أنه منذ أن كان هـذا «الغير» أي الله، والعالم موجود. ويجادل الغزالي في مسألة «المرجح»، التي هي نقطة الضعف الخطيرة في مقولة «الحدوث» عند المتكلمين، كما رأينا، ويقول بما يسمى عندهم «تراخي الإرادة»، بمعنى أن الله أراد منذ الأزل خلْقَ العالم : أي خلَقه بإرادة قديمة؛ وأراد منذ الأزل كذلك، أن يكون هذا الخلق في الوقت الذي اختارته هذه الإرادة. وخلاصة القول: إن ابن سينا اعتقد أنه حل مشكلة حدوث العالم بالقول بقيمة ثالثة بين الواجب والممكن, وهي ما دعاه «الممكن بذاته الواجب بغيره». رفض الغزالي هذا الحل وتمسك بمبدأ «حدوث العالم»، وللتغلب على مسألة المرجح قال: ليس ثمة مرجح جعل الله يخلق العالم في وقت معين، لا قبله ولا بعده، وإنما هناك «تراخي الإرادة»، كما ذكرنا؟ فما هو رأي ابن رشد في هذين «التخريجين»؟

من أجل التمهيد لـ «التهافت» .. و«تهافت التهافت»

محمد عابد الجابري| الثلاثاء 3 نوفمبر 2009

– كان مركز الخلاف والنزاع بين المتكلمين، خاصة منهم المعتزلة والأشاعرة، يدور حول عدد من آيات الذكر الحكيم التي يفهم من ظاهرها أنها متعارضة، أو مفتوحة على عدد من التأويلات. وكان المسلمون قبل عصر الفتنة (عصر انقلاب الخلافة إلى ملك) يفهمونها في إطار معهود العرب الحضاري العام، وفي مقدمته «المعهود اللغوي العربي» الذي يتميز بـ «التجوز» في الكلام، أي باستعمال المجاز من تشبيه وتمثيل واستعارة وكناية إلخ، وذلك حسب ما يفهم من السياق الذي به يتحدد المعنى الحقيقي والمجازي. والمهم في الأمر أنه لم تكن في عهد الخلافة الراشدة ثمة خلفيات سياسية أو مرجعيات مذهبية تدفع الناس -أو تجرهم- إلى فهم آي الذكر الحكيم خارج هذا النطاق، أعني نطاق «معهود العرب» الحضاري: المادي والاجتماعي والفكري. غير أن الأمر أخذ يتغير منذ «الثورة على عثمان» حينما بدأ «الدافع السياسي» يتدخل، ليس فقط في فهم آيات الذكر الحكيم، بل أيضا، في الاحتجاج ببعضها، إما كما هي على «الظاهر» أو على تأويل معين. وقد تفاقم هذا النوع من التعامل مع الكتاب المبين فانتقل من مجال «اليومي» و»السياسي» إلى مجال العقيدة، فأصبح الخلاف والنزاع يطول ذات الله وصفاته وأفعاله. فكان هناك من تصور الله تعالى على مثال الإنسان : ذات مستقلة بنفسها، ثم صفات وأفعال، وقد أطلق على هؤلاء اسم «الصفاتية» (مثبتو الصفات مستقلة عن الذات)… وكان هناك من رأى أن هذا التصور يتنافي مع التوحيد، وحدانية الله، لأنه ينتج عنه أن «علم الله» مثلا يجب أن يكون «قديما» قدم ذاته، وكذلك الشأن في أفعاله.. إلخ، الشيء الذي يؤدي إلى القول بتعدد القدماء (أو تعدد الآلهة كما يقول المثنوية بإله للنور وآخر للظلمة، والمسيحيون بالأب والابن والمشركون بألوهية الكواكب والأصنام .. إلخ). ومن هنا قال بعض علماء الإسلام أن المخرج من هذا المشكل هو فهم «التوحيد» ليس فقط بمعنى أن الله واحد لا شريك له، بل أيضا بمعنى أنه لا تعدد في ذاته بمعنى أنه «عالم بذاته لا بعلم زائد على ذاته»، أو «عالم بعلم هو ذاته». وفي الحالتين معا (القول بـ»الذات عين الصفات، أو ب»الصفات زائدة على الذات». يؤكد المتكلمون، معتزلة وأشاعرة وغيرهم، أن الله خلق العالم من لاشيء، مما يعني أن الله هو وحده القديم (الذي لا أول لوجوده ولا آخر)، وأن العالم «محدث»: لوجوده أول، أي خُلق في زمان. وهنا برزت إشكالات فكرية «فلسفية» من مثل التساؤل: ما الذي جعل الله يخلق العالم في لحظة زمنية ما، وليس قبلها ولا بعدها؟ ومن هنا مسألة «المرجح»، بمعنى أن خلق العالم في لحظة معينة، لا قبلها ولا بعدها، يعني أن هناك مرجحا رجح تلك اللحظة على غيرها! وهذا ما يتنافى مع «التوحيد» الذي تقضي أن الله واحد أحد، منزه عن كل نقص، لا يحتاج في فعله إلى دافع أو مرجح أو معين .. إلخ. وإذا كان الأمر كذلك فكيف نفهم إجماع المتكلمين على أن العالم «محدث»؟ قال المعتزلة والأشعرية وفرق أخرى : إننا نشاهد أن الكرسي، مثلا، محدَث، مصنوع صنعه النجار، وكذلك الشأن في جميع ما هو موجود في العالم، ومن هنا قالوا «كل حادث له محدِث» (كل مصنوع له صانع). وعلى هذا الأساس فإذا برهنا على أن العالم كله «محدَث»، وجب أن يكون له محدِث وهو الله. وللبرهنة على حدوث العالم قالوا بنظرية «الجزء الذي لا يتجزأ» التي تعرفنا عليها من قبل: قالوا العالم أجسام، والأجسام تتألف من جواهر وأعراض : من مادة جوهرية لا ترى وأعراض تتعاقب عليها (لون طعم، ملمس، حركة .. إلخ). وبما أن الجواهر لا تنفك عن الأعراض (ليس هناك جوهر دون أعراض)، وبما أن الأعراض حادثة، (في تغير دائم: توجد وتفنى) فيجب أن تكون الجواهر كذلك، لأنها لا تنفك عن الأعراض. وإذن: الأعراض حادثة، والجواهر حادثة، والأجسام حادثة لأنها مركبة منها، والعالم حادث لأنه مؤلف من أجسام. وقد رأينا من قبل كيف أن نظرية الجوهر الفرد هذه قد تعرضت لأزمة مع مسألة «الأحوال»، فسقط بنيانها. ومن القضايا التي ناقشها المتكلمون في إطار حدوث العالم مسألة «السببية». وقد طرحت على الشكل التالي: إذا قلنا إن العالم حادث، وأن الأجسام حادثة متغيرة فما مصدر هذا التغير: والمثال المشهور عندهم هو علاقة النار بالقطن : القطن يحترق بإلقائه في النار: فمن أحرقه؟ هل النار أم الله. وبما أن جميع المتكلمين متفقون على مبدأ «لا فاعل إلا الله»، فإنهم يرفضون أن تكون النار هي التي تحرق بـ»الطبع» أي أن من طبعها أنها تحرق. يرفضون فكرة «الطبع» هذه لأنها تقتضي أن النار لا بد أن تحرق بالضرورة القطن أو غيره مما يقبل الاحتراق، بمعنى أنهم يرفضون السببية بمعنى العلاقة الضرورية بين السبب والمسبَّب. لأن القول بمثل هذه العلاقة الضرورية يتعارض مع مبدأ «لا فاعل إلا الله»، كما يتعارض مع ما نص عليه القرآن من أن الله أمر النار بأن لا تحرق النبي إبراهيم عليه السلام، وأن تكون بردا وسلاما عليه فلم يحترق، وكان ذلك معجزة له. ومن هنا قالوا إن القول بالعلاقة الضرورية بين ما يعتبر سببا وما يعتبر مسبَّبا قول يتعارض مع فكرة المعجزة. ولتجاوز هذا الإشكال قالوا: إن ما نعتقده من أن النار تحرق القطن ولا بد أن من طبيعتها أن تفعل ذلك إنما هو عادة تولدت فينا من من كثرة حدوث ذلك أمامنا خلال حياتنا اليومية، وأنه لا شيء يمنع العقل من تصور أن القطن قد لا يحترق عند إلقائه في النار، وبالتالي فـ «خرق العادة» ممكن والمعجزة ممكنة. ومن المسائل التي ناقشها المتكلمون مسألة البعث يوم القيامة وكيف سيكون: هل للأجساد والأرواح، أم للأرواح فقط؟ وهل الخلود لهما معا أم فقط للروح؟ وهل هو خاص بالجنة أم يشمل النار كذلك، وهل هو لأهلهما جميعا أم لبعض دون بعض .. إلخ؟ جميع هذا الأسئلة والإشكالات قد واجهها المعتزلة أولا، في ردودهم على أهل الملل والنحل في أواخر العصر الأموي والعصر العباسي الأول، وكانت أجوبتهم تعتمد على العقل، لأن خصومهم لم يكونوا يؤمنون بالإسلام ولا يسلمون بما يقوله القرآن. أما «أهل السنة» الذين كان شغلهم الأكبر هو الاهتمام بالحديث النبوي (جمعه ونقده .. إلخ) وبناء موضوعات علم الفقه وأصوله فقد تفهم معظمهم أن آراء المعتزلة هي موجهة لتحديات أهل الملل والنحل، ولذلك قالوا بإثبات الصفات كما هو منصوص عليه في القرآن، دون الدخول في مثل تلك التفاصيل. لكن عندما ارتد أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة وقد كان واحدا من رجالهم، وأراد أن يدشن مذهبا وسطا يجمع بين مذهب أهل السنة ومنهج المعتزلة –وكان الصراع مع أهل الملل والنحل قد هدأ- تحول «علم الكلام» إلى سجال عقيم بين المعتزلة والأشعرية. وعندما تصدَّر ابن سينا عملية إنشاء علم كلام شيعي اثني عشري يتجاوز المعتزلة والأشاعرة باعتماد منطق أرسطو مع «تطويع» مفاهيمه وتصوراته والخروج بها عن إطارها الأرسطي، جاء الغزالي ليرد عليه في كتابه «تهافت الفلاسفة» سالكا استراتيجية «التشويش والتشغيب» التي شرحناها في المقال السابق، الشيء الذي دفع ابن رشد إلى الرد عليه للكشف عن مغالطاته وانحرافات ابن سينا «الفلسفية». ولم يكتف فيلسوف قرطبة بهذا بل عمد إلى تحليل آراء المتكلمين في «القضايا العقدية» المذكورة أعلاه، كاشفا عن مواضع الشطط والخطأ في تأويلاتهم مقترحا، قواعد جديدة للتأويل، مبينا شروطه وحدوده، وذلك في كتاب سماه : «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، وتعريف ما وقع فيها، بحسب التأويل، من الشبه المزيفة والبدع المضلة»

استراتيجية «المتكلم» ورد الفيلسوف!

محمد عابد الجابري| الثلاثاء 27 أكتوبر 2009

حدد الغزالي المسائل التي أراد الرد فيها على من أطلق عليهم الفلاسفة – والمقصود ابن سينا تخصيصا – في 20 مسألة: 16 منها في «الإلهيات»، وأربع في «الطبيعيات». وتدور جميع هذه المسائل حول القضايا نفسها التي اتخذها علم الكلام موضوعا له مثل قدم العالم أو حدوثه، وذات الله وصفاته، ونفي الشريك عنه .. إلخ. أما «الطبيعيات» فلم يتعرض الغزالي فيها إلا لمسائل أربع، اعتبرها تتناقض مع العقيدة الدينية كما يقررها المذهب الأشعري. وهذه المسائل هي: مسألة السببية، ومسألة جوهرية النفس واستقلالها عن البدن، ومسألة خلودها، وأخيرا مسألة حشر الأجساد. أما المنطق فقد سكت عنه في هذا الكتاب بينما نوه به وعمل على نشره والترويج له (القياس الصوري خاصة)، لأنه يريد ـ كما قال – أن يرد على الفلاسفة بسلاحهم نفسه. وهكذا عدل الغزالي في كتابه عن الترتيب المعروف في المؤلفات الفلسفية منذ أرسطو، وهو الترتيب الذي يقضي بتقديم الطبيعيات على الإلهيات، باعتبار أن الطبيعيات هي التي تؤسس الإلهيات، بمعنى البرهنة على وجود الله (السبب الأول) يجب أن تنطلق من المسببات، أي من تأمل ظواهر الكون، التي هي موضوع علم الطبيعيات. لم يكن الغزالي يجهل المقتضيات المنهجية والعلمية التي تفرض تقديم الطبيعيات على الإلهيات، أعني كون هذه مبنية على تلك؛ وبالتالي فتقديـم الإلهيات في كتابه لم يكن عملا بريئا، بل كان بهدف عزل النتائج عن مقدماتها ليسهل عليه التشكيك فيها وإبطالها. وقد اشتكى ابن رشد في «تهافت التهافت» من سلوك الغزالي هذا غير مرة. يقول مخاطبا القارئ: «فوجه الاعتـراض على الفلاسفة في هذه الأشياء، إنما يجب أن يكون في الأوائل التي استعملوها في بيان هذه الأشياء، لا في هذه الأشياء أنفسها التي اعترض عليها هذا الرجل». وأيضا: «ولا يَقف على مذاهبهم (الفلاسفة) في هذه الأشيـاء إلا من نظر في كتبهم على الشروط التي وضعوها، مع فطرة فائقة ومعلم عارف». لكن الغزالي في هذا الكتاب، كتاب «تهافت الفلاسفة»، لم يكن يطلب الحق، وإنما كان قصده التشغيب والتشويش، والهدم والتشكيك، كما أكد ذلك هو نفسه مرارا، في مواضع كثيرة من كتابه، وبعبارات صريحة قوية. من ذلك قوله: «ونحن لم نلتزم في هذا الكتاب إلا تكدير مذهبهم والتعبير في وجوه أدلتهم، بما نبين تهافتهم. ولم نتطرق للذب عن مذهب معين». وقوله: «نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض الممهدين بل خوض الهادمين المعترضين ولذلك سمينا الكتاب تهافت الفلاسفة لا تمهيد الحق», وأيضا: «المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الأمور بالبراهين القطعية، وتشكيككم في دعاويكم». ولكي نفهم موقف الغزالي هنا يجب أن نتذكر أن مخاطبه هنا هو ابن سينا تحديدا، وأنه لم يكتب كتابه «تهافت الفلاسفة»، للرد على الفلاسفة من موقع «الرأي المخالف»، بل لقد كتب هذا الكتاب، كما بينا ذلك قبل، من موقع «الدفاع»، سالكا الاستراتيجية القائلة: «أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم»، الدفاع عن المذهب الأشعري الذي كان قد بلغ مرحلة من التطور أطلقنا عليهـا في مكان آخر مرحلة «الترسيم الأيديولوجي»، وقد اتخذت منه الدولة السلجوقية السنية، التي كان الغزالي يعيش في كنفها، درعا لمواجهة هجمات الإسماعيلية وتحديات الشيعة الاثنا عشرية، الظاهرة منها والمستترة. أما ابن سينا ـ الذي عاش قبله في كنف أمراء البوهيين الشيعة، والذي كان شيعيا اثنا عشريا وعلى صلة ما بفكر الإسماعيلية العدو اللدود للسلجوقين- فقد أراد، كما أوضحنا ذلك قبل، أن يجعل مما كتبه في «العلم الإلهي»، (سواء في موسوعته «الشفاء» أو ملخصها «النجاة» أو في «الإشارات والتنبيهات»، وتلك هي أهم كتبه الفلسفية)، أقول أراد أن يجعل مما كتب في «الإلهيات» بديلا فلسفيا لـ «علم الكلام»، وبالتحديد علم الكلام الأشعري. لقد أخذ مسائل هـذا «العلم» واتخذ فيها مواقف مضادة لما تقول به الأشعرية، وعمل على البرهنة عليها بخطاب فلسفي، موظفا مفاهيم ورؤى فلسفية، وبالخصوص منها تلك التي انحدرت إليه وإلى الفارابي من محاولات التوفيق بين «الفلسفة» و»الدين» ومن النزعات العرفانية، وهي المحاولات والنزعات التي أخذت تنتشر بعد أرسطـو، ومنذ القرن الرابع قبل الميلاد، في كل من أثينا وروما والإسكندرية وحران وفي غيرها من المدارس التي عرفها «الشرق الأوسط» قبل الإسلام. هكذا جاءت إلهيات ابن سينا عبارة عن: «فلسفة كلامية» ابتعدت عن موضوعات «ما بعد الطبيعة» لأرسطو، لتنشغل انشغلا كليا بموضوعات «علم الكلام» الإسلامي. لقد اختصر الشيخ الرئيس، في قسم الإلهيات من كتابيه «الشفاء» والنجاة»، المقالات (أو الفصول) الأربع عشرة التي تشكل محتوى كتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطو، اختصرها في مقالة صغيرة من نحو خمسة وعشرين صفحة ليخصص الباقي، وهو ثمانون صفحة، لقضايا «علم الكلام» الإسلامي، وهي تدور كلها حول «الواجب» (الله)، كماله, وحدانيته، بساطته، صفاته، صدور العالم عنه، العقول السماوية (الملائكة)، النبوة، القضاء والقدر، البعث والمعاد، والعبادات ومنفعتها في الدنيا والآخرة .. إلخ, ولم يقتصر ابن سينا على هذا النوع من «التبني» لقضايا علم الكلام، بل لقد انتقد من سماهم بـ «المخالفين» من المتكلمين، وهم الأشاعرة بالتحديد، معترضا على طريقتهم في «النظر». وإذا أضفنا إلى ذلك أن هذا التحدي الذي كان يواجه المذهب الأشعري قد جاء من شخصية علمية كبيرة واسعة الصيت تنتمي إلى خصم مذهبي وسياسي (الشيعة)، أدركنا لماذا اختار الغزالي استراتيجية «الدفاع بواسطة الهجوم». كان الحوار بين ابن رشد والغزالي سيكون أقل تعقيدا، لو أن هذا الأخير كان يعرض ردوده واعتراضاته على ابن سينا بصورة مباشرة ومتواصلة، كمـا فعل الشهرستاني مثلا في كتابه «مصارعة الفلاسفة»، حيث يورد نصا لابن سينا ثم يناقشه مناقشة منطقية ويبين مواطن الضعف أو التناقض فيه. لكن الغزالي اعتمد عن قصد أسلوب «طريقة المتقدمين» من المتكلمين في الرد على الخصوم والمخالفين، أسلوب: «فإن قلتم .. قلنا..»، وهو أسلوب يقوم على مجادلة الخصوم وإلزامهم بنتائج «شنيعة» يدعي أنها تنتج عن موقفهم، وإظهارهم بمظهر المتناقض أو المرتكب للمحال، والدفاع في الوقت نفسه، بصورة صريحة أو ضمنية، على وجهة نظر المذهب الأشعري. لقد سلك الغزالي في كتابه مسلكا معقدا يقوم في أبسط الحالات على الخطوات التالية: – يعرض وجهة نظر «الفلاسفة»، كما يستخلصها من كتب ابن سينا بالطريقة التي يريد والترتيب الذي يفضل، يعرضها بـ «التقسيط» بأسلوبه هو، وكما فهمها، أو يريد لها أن تفهم! وهو لا يذكر ابن سينا ولا الفارابي ولا غيرهما من فلاسفة الإسلام إلا نادرا، وإنما يتكلم في الغالب عن «الفلاسفة» بضمير الغائب: «قالوا»، «فإن قالوا»، «فإن قيل» .. إلخ. – وفي أحيان كثيرة يبدأ بتحديد عدد أوجه الاعتراضات التي سيوجهها لهم، ليشرع في الاعتراض الأول أو «الوجه» الأول منه. – ثم يذكر ما يعتبره جوابا لـ «الفلاسفة» على اعتراضه ذاك. وفي الغالب يستقي هذا «الجواب» من استدلالات ابن سينا على القضية المطروحة وبراهينه عليها. – ثم يرد على هذا الاعتراض، إما بمجرد التشكيك، وإما بتقديم وجهة النظر التي يريد طرحها كبديل، وهي وجهة نظر الأشاعرة. وغالبا ما يلجأ إلى أسلوب «المقايضة»، فيوجه الكلام إلى خصومه قائلا: كما لم تقبلـوا منا كذا فنحن لا نقبل منكم كذا، أو اقبلوا منا كذا كما تقبلون كذا .. إلخ. ثم يفترض أن خصومه الفلاسفة اعترضوا عليه اعتراضا يركّبه هو، أو يستقيه من استدلالات ابن سينا. ثم يرد على هذا الاعتراض .. إلخ. أما ابن رشد فهو يتدخل تارة في جميع هذه المراحل أو جلها ليصحح أو يرد .. إلخ، وتارة يترك الغزالي حتى ينهي كلامه في القضية ـ موضوع النقاش ثم يتدخل ليحلل ويصحح. وهو لا يعترض من منطلق مذهبي معين، بل يركز على ما في الدعاوى المطروحة من ضعف منطقي أو من مخالفة لما يقول به الفلاسفة (أرسطو تحديدا)، أو لينبه إلى أن ما يقوله الغزالي لا يمثل رأي ظاهر النصوص الدينية: القرآن والحديث، وأن الأمر يتعلق بتأويل خطأ. من هنا صعوبة التعامل مع الكتاب، فالكلام فيه مختلط. ولا بد للقارئ من الانتباه إلى من يتكلم: هل الغزالي؟ وهل يتكلم باسمه أم باسم «الفلاسفة»؟ هل ابن رشد هو الذي يتكلم؟ وعلى من يرد؟ هل يعترض على الغزالي أم يعترض على ابن سينا؟ هل يعني أرسطو أم ابن سينا حينما يعرض رأي «الفلاسفـة»، الذين يسميهم أحيانا كثيرة بـ «الحكماء»، وأحيانا أخرى يطلق اسم «القوم» على من يتحدث عنهم، متكلمين كانوا أو فلاسفة .. إلخ.

الأدلة الفطرية على وجود الله

5530

إنَّ أهم قضية تطرح في الجدل الإلحادي المعاصر هي مسألة وجود الله تعالى وأدلته، ورغم بداهة هذه القضية عند الفطر السوية إلا أن أدلة وجود الله كثيرة ومتنوعة بحيث تجعل منكرها نشازا على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، وسوف نستعرض بإذن الله تعالى أهم الأدلة على وجود الله تعالى، ويمكن الحديث عن أدلة وجود الله من منطلقين:

الأول: الأدلة الفطرية.

والثاني: الأدلة العقلية.

وسوف نتحدث في هذه المقالة عن الأدلة الفطرية.

الأدلة الفطرية على وجود الله: وهذه الدلالة الفطرية لها عدة مستويات وهي كما يلي:

1. المستوى الأول من دلالة الفطرة؛ دلالة المبادئ العقلية الأولية:

هناك مبادئ عقلية متفق عليها، وهذه المبادئ هي المقدمات الضرورية للاستدلال العقلي، وهي تعود إلى أربعة مبادئ: مبدأ الهوية، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع، ومبدأ السببية،[1] فالنظام الاستدلالي لا يقوم إلا بوجود هذه المبادئ الضرورية. ووجود هذه الضرورات العقلية يفرض سؤالين مشروعين: الأول: من أين تحصلت النفس عليها؟ والثاني: من أين تكتسب هذه الضرورات العقلية قيمتها الموضوعية المطلقة؟

والإجابة المعقولة والمنطقية هي: إن الله تعالى هو الذي علم الإنسان هذه المعاني، وأودعها في نفسه. فهو سبحانه المعلم الأول، وهذا التعليم إما بغير واسطة بما جعله لهم من معارف فطرية ضرورية، أو بما أعطاهم من ملكات وأدوات تمكنهم من النظر والاستدلال أو بما علمهم بواسطة أنبيائه ورسله؛ قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾، فالتصور الإسلامي للمعرفة يجعل من العلم بكل تجلياته مبتدأ من الله تعالى، وأنه لا سبيل للتأسيس عقليا وفلسفيا لنظرية متماسكة في المجال المعرفي دون الإقرار بهذه الحقيق[2]

2. المستوى الثاني من دلالة الفطرة؛ النزعة الأخلاقية:

من المعاني الفطرية التي يجدها الإنسان من نفسه: وجود النزعة الأخلاقية المتجذرة فيه، يدرك من خلالها الأخلاق حسنها من رديئها، ويجد من نفسه إدراكا ضروريا بأن لهذه القيم الأخلاقية معان موضوعية، تعطي لهذه الأخلاق قيمتها الحقيقية بعيداً عن اعتبارات النسبية والإضافة.

وهذه النزعة الأخلاقية تستدعي ذات السؤال: من الذي أودعها، إضافة إلى السؤال الأكثر عمقا: ما الذي يفسر هذا الشعور الضروري بأن للعدل قيمة موضوعية تجعل منه قيمة أخلاقية حسنة مطلقا في مقابل الظلم والذي يستشعر الإنسان ضرورة أنه قيمة أخلاقية سيئة.

إن الإيمان بوجود إله متصف بالكمال المطلق = يمكن المؤمن من استيعاب وجود القيم المتجاوزة لوجوده، وإدراك الكمالات المطلقة، وإدراك ما يضادها من النقائص، واستيعاب وجود رؤية معيارية مطلقة يمكن محاكمة الممارسات إليها، وبغير هذا الإيمان تنعدم هذه الرؤية المعيارية، ويكون معيار المحاكمة الأخلاقية نسبيا إضافياً متعددا بتعدد الشخوص والأفراد والمجتمعات. إن هذه النزعة الأخلاقية الفطرية واحد من الدلائل على وجوده تبارك وتعالى.[3]

3. المستوى الثالث من دلالة الفطرة؛ الجانب الغريزي والافتقار الذاتي:

وهي تلك النزعات الغريزية التي تحملها الكائنات على القيام بأفعال معينة، تصب في مصلحتها دون أن يكون ذلك ناشئا عن تعليم أو تدريب أو تربية.

تأمل في غريزة الأمومة. وحين يتسامي الإنسان على نزعاته الشخصية وحبه للبقاء، ويقدم صورا من التضحية تصل إلى حد الجود بالنفس، إن هذه الغرائز تجد تفسيرها المرضي حين نؤمن بوجود الله تعالى، فالله تعالى هو واهبها[4].

وأما الافتقار الذاتي فهو الافتقار الذاتي الموجود داخل نفس كل إنسان؛ ويظهر ذلك عند الابتلاءات والشَّدائد؛ حيث يلجأ الإنسان عند المصائب والمخاطر إلى نداء الله تعالى، والاستغاثة به كائنًا من كان ذلك الإنسان مؤمنًا أو غير مؤمن.ففي الشِّدَّة تبدو فطرة النَّاس جميعًا كما هي في أصلها الذي خلقها الله عليه، وعندما تمر المحنة، وتأتي العافية والنعمة، يعودون إلى مخالفة فطرتهم مرة أخرى، وقد كرر الله تعالى هذا المعنى كثيرًا في كتابه الكريم؛ من ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء:67].[5]

4. المستوى الرابع من دلالة الفطرة؛ الشعور بالغائية:

من المعاني الفطرية الموجودة عند الإنسان: شعور وجداني عميق بالغائية، ومنها تنبثق تلك السؤالات العميقة: من أنا؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين المصير؟ فيتحرك في الإنسان شعور فطري بتلمس الغاية من وجوده ومن الحياة، ولذا كان أصدق الأسماء: حارث، وهمام، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لتضمنهما خصيصتين ناشئتين عن طبيعة الإرادة والقصد اللازمة للإنسان، وهما لا يتصوران إلا مع وجود ما يمكن أن يقصد ويراد، حتى تنتهي المرادات إلى المراد الأعلى الذي يطلب لذاته وهو الله سبحانه. هذا الواقع البشري، وتلك الأسئلة الفطرية لا معنى لها مطلقا في ظل التصور الالحادي المنكر لوجود الله.

5. المستوى الخامس من دلالة الفطرة؛ الشعور بالإرادة الحرة:

من الجوانب الفطرية التي يجدها الإنسان من نفسه ضرورة، ذلك التفريق الضروري بين أفعاله الاختيارية وما يصدر عنه اضطراراً. هذا الشعور الفطري – بأن لدى الإنسان إرادة حرة يجدها من نفسه ضرورة – تحتاج إلى تفسير، بل وجود هذه الإرادة أصلا يحتاج إلى تفسير، ولا يمكن تفسير هذه الإرادة التي تجعل الإنسان يختار أفعاله وتصرفاته إلا من خلال وجود إله خلقه وخلق فيه هذه الإرادة ليحقق الغاية من وجوده.[6]

اعتراض على دليل الفطرة:

من أشهر ما يعترض به على دليل الفطرة قول بعضهم: إذا كان وجود الله مستقرا في الفطر، فلِمَ يؤثر عن بعض الناس إنكارهم لوجوده؟

والجواب: إن الإقرار بوجود الله إنما هو في حق من سلمت فطرته من الانحراف، أما من تعرض للشبهات، فإنه يحتاج إلى نصب الأدلة وجمع البراهين. وفساد الفطرة وتغيرها ليس أمرا محالا ولا بعيدا، فإن الإنسان قد يكون في بيئة ضالة منحرفة، فتتسرب إلى قلبه مؤثرات كثيرة، تبعده عن سواء السبيل. ورغم ذلك فإن المخالفين للفطرة، القائلين بإنكار وجود الخالق، قلة قليلة في عموم البشر عبر التاريخ. وكثير منهم ينكر وجود الله في الظاهر، مع إقراره بوجوده في الباطن؛ كما ذكر الله تعالى عن بعضهم: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:14].

والحرص على تعدد الأدلة على المدلول الواحد يزيد النفس طمأنينة، والقلب يقينا. وللإيمان درجات متفاوتة كما هو معلوم.[7]

وخلاصة الأمر: أن في النفس معنى يقتضي معرفته سبحانه وتعالى والاعتراف بكماله والافتقار إليه، وأن الله أقام في النفس معاني تدل عليه سبحانه وتعالى، وأنه مالم يستمسك المرء بمعطيات الفطرة فسيقع ضرورة في بحر هائج من الحيرة والاضطراب؛ ولأنه قد يعرض للفطرة ما يعكر صفوها، من وارادات الشبه والإشكالات = لزمت الإشارة إلى بعض الدلائل العقلية المذكرة بالفطرة الأولى[8] وهو ما سوف نذكره في الجزء الثاني من هذه المقالات.

————-

[1]  وتسمى المبادئ العقلية أو المبادئ المنطقية، وهي مبادئ تمتاز بأنها كلية وضرورية وفطرية، (انظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا، 2/316)، فمبدأ الهوية: يعني أن الشيء يبقى هو هو، ويعبر عنه رياضيا أ=أ، ومبدأ عدم التناقض: يعني أن الشيء إما أن يكون موجودا أو غير موجود، ومبدأ الثالث المرفوع :يعني أن الشيء لا بد أن يكون له صفة ما أو نقيضها وليست هناك حالة ثالثة لأن الحالة الثالة مرفوعة، ومبدأ السببية: يعني أن لكل شيء سبب، أو لكل معلول علة.

[2]  انظر: شموع النهار، عبد الله العجيري، ص39، وانظر: دلالة المقدمات الأولية على وجود الله، إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف، 8/6/1438هـ

[3]  انظر: شموع النهار، عبد الله العجيري، ص57، وانظر: المعرفة في الإسلام، عبد الله القرني، 265- 271.

[4]  انظر: شموع النهار، عبد الله العجيري، ص72.

[5]  انظر: الأدلة على وجود الله تعالى، محمد طه شعبان، شبكة الألوكة، 4/3/2017م، وانظر: الأدلة على وجود الله تعالى، عمر الأشقر، ص7.

[6]  انظر: شموع النهار، عبد الله العجيري، ص79.

[7]  انظر: أدلة وجود الله..دليل الفطرة، البشير عصام، إسلام ويب، 4/10/2015م

[8]  انظر: شموع النهار، عبد الله العجيري، ص 83.

هَلْ يُمْكِنُ حِمايةُ العقْلِ البشريِّ مِن السَّفْسَطَةِ؟

قال أبو عبدالرحمن: ليست الفلسفَةُ سوى نظريةِ المعرفَةِ والعلمِ على أنْ يُضَمَّ إليها المنطقُ؛ ليؤخذَ من ثناياه ما هو من بناءِ المَعرفة، وما هو نموذج تطبيقي لعصمةِ الذهنِ مِن مقدمات سوفسطائية مُعَينَّة؛ وذلك هو البرهان الأرسطي، ويُسْتَبْعَدُ منه ما ليس فلسفةً كالمَداخلِ في علومِ اللغة؛ وإنما يُستفادُ منها سياقاً لا تأصيلاً فصولٌ مستقلةٌ؛ فمجال ذلك اللغةُ وعلومها.. ونظريةُ المعرفة هي التي تُعنَى بمَصادر المَعرفة، وتحليلِ كل معرفة إلى عناصرها، وتذكُّرِ نوع المَعارف تصوراً وحكماً كالإمكان والوجوب والْمُحال، وكالعلم بالْمَوجود وصفاً، والعلم به كَمّْاً وكيفاً، وتذكُّرِ درجاتٍ تصحيحِ الْمَعرفة ما بين اليقين إلى الوهم والبطلان، وما يتبع ذلك من سلوك كالْقَطْعِ علماً، أو الوجوب عملاً، أو التوقُّف.. إلى آخر ما هنالك من فروعِ نظريةِ الْمَعرفة ومصطلحاتها؛ وأسلوبُ تحصيلِ ذلك: النظرُ العقليُّ اليقِظُ الصارمُ؛ وأداةُ توصيله المِثالُ والتقسيمُ، وزيادةْ الإِطْنابِ بالشرح والبسط عند الضرورة.. ومادتُه عمومُ ما هو موضوعٌ لمَعرفتِنا من الْمُشاهَد، والْمُغيَّب؛ وبهذا تنتهي الفلسفة العامة وتقف؛ فإذا جرى تأصيلُ حقلٍ مَعْرَفيٍّ بأسلوبٍ فلسفي: فذلك هو فلسفةُ ذلك العلمِ؛ وهو التطبيقُ لنظرية الْمَعرفةِ (الفلسفةُ العامةُ)؛ فلا بُدَّ من العلمِ أوَّلاً بأهمية نظرية المعرفة، وببيانِ اشتقاقِ البرهان العلمي منها؛ فأوَّلُ خطوةٍ للفلسفة النزيهةِ البحثُ الجادُّ في الكشف عن مُسَلَّمَةٍ يؤمنُ بها العقلُ الإنسانيُّ الْمُشتركُ بضرورةٍ فكرية؛ وأما السلوكُ الحرُّ غيرُ الْمُلتزم بمَسؤولية العقل: فهو مَسارٌ غيرُ أخلاقيٍّ؛ وهو الذي مزَّق الفلسفة إلى مذاهب متباينة.. والاتِّفاقُ على مُسَلَّمة بِحُرَّية سلوكية محال، بل يكون ذلك بالحرية السلوكية غيرِ الْمَسؤولةِ فكرياً؛ وهو مجالٌ حتميٌّ للسفسطة؛ فيكونُ ذو الحريَّةِ السُّلُوكِيَّةِ سوفسطائياً أو عقلياً بالوجه الأعم، أو عقلياً بواسطة الشرع، أو عقلياً بواسطة الحِسِّ، أو عبثياً.. إلخ.. والإقرارُ بحرية السلوك لا معنى فيه لحقٍّ أو باطل، وخير أو شر، وجمالٍ أو قبح، وخطإٍ أو صواب.. إنَّ كلمةَ (اخترت هذا بحريتي) مُنهيةٌ الخلافَ، طاويةٌ كلَّ منهجٍ علمي أو فكري؛ إذن الْمُسَلَّمةُ الفكريةُ مفروضة على كل فرد يملك حرية الاختيار، محتومةٌ عليه كحتمية أجلِ وجودِه وموته.. لا يستطيع اتخلَّصَ منها إلا إذا أراد بحريتِه عنادَها.. وإنَّك لَتَشْعُرُ بهذه الْمُسلَّمة إذا أصغيتَ إلى كلِّ الْمَذاهب الْمُختلفة اختلافَ تباينٍ، أوْ اختلافَ تضادٍّ، أو اختلافَ عمومٍ وخصوص.. إلخ ؛ وإنَّك لتسمعُ أصداءَ عنصرٍ مشترك بين هذه الْمَذاهب مِن حيث لو تخلَّى أيُّ مذهب عن هذا العنصر لأصبح تخلِّيه إلغاءً لمُسلَّمةٍ حتمية يمْلك إلغاءها بحريةٍ سلوكية، وليست هذه الْمُسلمةُ غيرَ مبادئ العقل الفطرية الضرورية؛ فكل عقل لا يستقرُّ في تصوُّرِه غيرُ ما توجيه هذه الضروراتُ: لا يقوىَ على تصور غيرِها، ولكنه يقدر على إلغائها بنطق لسانه، ولا يقدر أنْ يَقَرَّ في تجرِبته وحسِّه غيرُها.. يستطيع اللسانُ أنْ ينطق ويقول: النقيضان يجتمعان، ولكنه لا يستطيع أن يتصوَّر ذلك بعقله، ولا يستطيع أنْ يُظهِر بالحس والتجربة نقيضين مجتمعين، ولا يستطيع أنْ يُلْزمَ عقلَ غيرِه بغير هذا الْمُقتضَى الفكري؛ إذن العقل بمَبادئه الفطرية هو الْمُسلَّمة الحتميةُ في كلِّ فرع من فروع الْمَعرفة البشرية بدون استثناء؛ وكلُّ ما يُسمَّى برهاناً طِبيّْاً أو رياضياً أو تاريخياً أو شرعياً أو خُلقياً أو جمالياً أو قانونياً.. إلخ: فإنما هو برهانٌ مشتقٌ من أحد مبادئ العقل الفطرية؛ ومهما تعدَّدت صُوَرُ البراهينِ فبلغت العشرات أو المِئات أو الألوف أو الْمَلايين: فإنها قضايا تُقَصُّ(؛ بالبناء للمجهول) بالأثر من حقلٍ إلى حقل حتى تنتهي إلى مبدإٍ عقليٍّ فطري لا برهانَ عليه إلا حتميةُ وجودِه في تصوُّرِ كلِّ عقلٍ.. ومن قال: (لا مذهبَ لي إلا مُعطياتُ التجرِبة) باخسٌ العقلَ، مُلْغٍ كثيراً من معارِفه، ويلزمه التناقض؛ لأنَّه يستخدم سلطان العقل إذا شاء، ويُذِلُّه إذا شاء في حين أنَّ ما أخذه مِن العقل، وما ردَّه منه: سِيَّانِ ليس بعضُهما أولى من بعض إلا باصطناع إرادةٍ حُرَّة؛ أيْ باصطناعِ عقيدةٍ يختارها بِتَشَهِّيه وتحكُّمه، ثم يلتزم مدلَولِّها، ويُؤمِّم بها إيجابياتٍ لَمَ يصنعْها؛ ومن ثَمَّ يلزم الفلسفةَ النزيهةَ استردادُ أيِّ مدلولٍ لضرورات عقلٍ جحدها الجاحدون مِن حيث شاؤوا؛ فلا يُقْبل مِن التجريبي أنْ يقول بملءِ فيه: (أنا غير معترفٍ بسلطان العقل) وهو يُمارسه عملياً في أشواط تجرِبته؛ وإنما علينا أنْ نستردَّ منه الْمَبادئَ العقليةَ التي استخدمها مِن حيث شاء..والمبدأُ الخلقي يعني تحريرَ العقل من نِير الادعاء والجحدان، وقَسْرِ النفوسِ والعقولعلى الحقِّ على الذي هو ضرورةٌ فيها.. وإلى لقاءٍ في السبتِ القادِم إنْ شاء الله تعالى, والله المُستعانُ.

كتبه لكم:

أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري (محمد بن عمر بن عبدالرحمن العقيل)

-عفا الله عَنِّي، وعنهم، وعن جميع إخواني المسلمين-

أحكام الواجب أربعة :

1- لا يكون واجبا بالغير، لأنّ معنى وجوبه بالذّات أنّه لم يوجد بسبب موجد، ومعنى وجوبه بالغير أنّه وجد بسبب، وعليه يلزم اجتماع النقيضين، وهو محال.

2- لا يمكن أن يكون مركبا، لأنّ المركّب مفتقر إلى أجزائه، والواجب غير مفتقر إلى شي‌ء، وكما لا يكون الغير جزءا له، كذلك لا يكون هو جزءا للغير.

3- وجود الواجب نفس حقيقته، ولا شي‌ء غير الوجود؛ إذ لو كان للواجب ماهيّة زائدة على وجوده لكان الوجود عارضا ووصفا له، والوصف مفتقر إلى الموصوف، والواجب لا يفتقر إلى شي‌ء.

4- لا يكون الواجب أكثر من واحد، لأنّه: إمّا ان لا يكون بين الواجبين أيّة علاقة بحيث يكون أحدهما مباينا للآخر، وإمّا أن يكون أحدهما علّة للثّاني، وإمّا أن يكونا معلولين لعلّة ثالثة، وعلى الأوّل لا يكون كلّ منهما واجبا؛ إذ المفروض أنّهما متباينان، وعلى الوجهين الآخرين يكون الواجب مفتقرا إلى علّة، وهو خلاف الفرض. وكما لا يكون أكثر من واحد كذلك لا يجوز عليه العدم، لأنّه واجب الوجود بالذّات. معالم الفلسفة الاسلاميّة: 38:

أحكام الممكن أربعة :

1- أن لا تقتضي ذاته وجودا ولا عدما؛ إذ لو اقتضت الوجود، لكان الممكن واجبا لذاته، ولو اقتضت العدم، لكان ممتنعا لذاته، وهو خلاف الفرض.

2- أنّ الإمكان الذّاتي وصف ملازم للممكن لا ينفكّ عنه بحال، لأنّه لو انفكّ عنه، لانقلب الإمكان إلى الامتناع أو الوجوب، وقدّمنا أنّ ذلك محال.

3- أنّ الإمكان هو السّبب الوحيد لاحتياج الممكن إلى فاعل، أي: انّ طبيعة الممكن بذاتها تستدعي الاحتياج إلى موجد، وكما أنّ وجود الممكن يحتاج إلى علّة، فبقاؤه واستمراره يحتاج إلى علّة أيضا، لأنّ سبب الحاجة إلى موجد هو الإمكان، ولكنّ علّة الإيجاد هي بنفسها علّة البقاء.

4- أنّ وجود الممكن ليس بأولى من عدمه، ولا عدمه أولى من وجوده، فالنّسبة إلى طرفي الوجود والعدم متساوية، وكلّ منهما مفتقر إلى سبب، غير أنّ سبب الوجود توافر المؤثّرات الخارجيّة، وسبب العدم فقدان تلك المؤثّرات، وبكلمة: إنّ عدم السّبب، سبب العدم، معالم الفلسفة الاسلامية: 38.

الفرق بين الممكن والممتنع : أنّ كلّا منهما معدوم، ولكنّ الأوّل معدوم غير قابل للوجود، والثّاني معدوم قابل له، وبهذا يتميّز عن المستحيل الّذي لا يمكن وجوده بحال؛ فالممكن له حظ من الوجود، على العكس من الممتنع. والفرق بين واجب الوجود وممكن الوجود: أنّ كلّا منهما موجود، لكنّ الأوّل موجود بذاته، والثّاني بعلّته. معالم الفلسفة الاسلاميّة: 37.

الإخبار عن الله تعالى بأنه واجب الوجود يراد به أن وجوده سبحانه لذاته ، فيستحيل عليه العدم أزلاً وأبداً ، بخلاف المخلوق فإنه ممكن الوجود أو جائز الوجود ، أي يجوز عليه الوجود والعدم ، ووجوده لا لذاته ، بل بإيجاد الله تعالى.

فالوجود نوعان : واجب وممكن ، فالأول : وجود الله تعالى ، والثاني : وجود كل مخلوق سوى الله تعالى ، لأن كل مخلوق مسبوق بالعدم ، ويجوز أن يلحقه فناء ” فالأشياء في حكم العقل ثلاثة : واجب وممكن وممتنع. فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم ، والممكن : ما يقبل الوجود والعدم ، والممتنع : ما لا يقبل الوجود” انتهى من “شرح الرسالة التدمرية” للشيخ عبد الرحمن البراك ، ص 96

قال الرازي في تعريفه ” واجب الوجود ” : ” … فسرنا واجب الوجود بذاته بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة ” . انتهى من ” المطالب العالية ” (1 / 134 ) .

وينبغي أن يعلم أن لفظ ” واجب الوجود ” غير وارد في كلام الله تعالى ، ولا في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد استحدثه الفلاسفة المتأخرون .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله : ” وأما الكلام بلفظ ” الواجب الوجود ” ، و ” ممكن الوجود ” : فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله ، الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم ، وإلا فكلام سلفهم ، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول ” انتهى من ” الصفدية ” ( 2 / 180 ) ، وانظر : ” منهاج السنة النبوية ” ( 2 / 132 ) .

ولا يعني هذا الإطلاق أن ذلك اللفظ من أسمائه الحسنى ، بل المراد بذلك الإخبار عن حقيقة وجوده سبحانه ، وأنه غير متوقف على سبب ، ولا يجوز عليه العدم أزلاً وأبداً ، فالله عز وجل واجب الوجود لذاته ، قائم بنفسه ، غني عن خلقه ، لا ينفى ولا يبيد ، ولا يكون إلا ما يريد ، سبحانه .

وقد تذرع الفلاسفة بالقول بأن الله واجب الوجود مستغن عن غيره إلى أمور باطلة كنفي الصفات ، وهذا تحميل للفظ ما لا يدل عليه.

وأما أهل السنة وأكثر المتكلمين فإنهم إن أطلقوا ” واجب الوجود ” على الله لم يجعلوا ذلك مستلزماً لنفي الصفات.

وينظر : كتاب ” الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية ” ، تأليف : الدكتورة آمال بنت عبد العزيز العمرو ، ص 280

والله أعلم

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن الكاتب (رحمة الله)

مبارك عامر بقنة

(رحمة الله)

كاتب وباحث تربوي، تخرّج في تخصص الكيمياء الحيوية، وعمل في ميدان التعليم لسنوات طويلة. له مشاركات في العمل الاجتماعي والخيري، وتجربة في التدريس والدعوة. يهتم بالقضايا الفكرية المعاصرة، وله مؤلفات وأبحاث، وعمل في اخر حياته على كتب في الإلحاد المعاصر والقراءات الفكرية. كما ولي اهتمامًا بعالم التقنية والبرمجة، وصمّم عددًا من المواقع المعرفية

المقالات الشائعة

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

Instagram Feed

Edit Template

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـُشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©