عبس وتولى

عن معمر , عن قتادة , في قوله تعالى: {عبس وتولى} [عبس: 1] قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم , وهو يكلم أبي بن خلف فأعرض عنه , فأنزل الله تعالى عليه {عبس وتولى} [عبس: 1] قال: «فكان النبي صلى الله عليه وسلم , بعد ذلك يكرمه»

عبس يعني كلح، قبض وجهه تكره

وذكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية، هو ابن أم مكتوم، عوتب النبي صلى الله عليه وسلم بسببه.

أنزلت (عبس وتولى) في ابن أم مكتوم قالت: أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر ويقول: “أترى بما أقوله بأسا؟ فيقول: لا ففي هذا أنزلت: (عبس وتولى) .

عن ابن عباس قوله: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) قال: ” بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدى لهم كثيرا، ويعرض عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبس في وجهه وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) ، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، وقال له: “ما حاجتك، هل تريد من شيء؟ ” وإذا ذهب من عنده قال له: “هل لك حاجة في شيء؟ “

“قوله {عبس وتولى} الآيات فإنه كان عليه السلام قد جلس إليه عظيم من عظماء قريش ورجا إسلامه وعلم عليه السلام أنه لو أسلم لأسلم بإسلامه ناس كثير وأظهر الدين وعلم أن هذا الأعمى الذي يسأله عن أشياء من أمور الدين لا يفوته وهو حاضر معه فاشتغل عنه عليه السلام بما خاف فوته من عظيم الخير عما لا يخاف فوته وهذا غاية النظر للدين والاجتهاد في نصرة القرآن في ظاهر الأمر ونهاية التقرب إلى الله الذي لو فعله اليوم منا فاعل لأجر فعاتبه الله عز وجل على ذلك إذ كان الأولى عند الله تعالى أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل البر التقي وهذا نفس ما قلناه وكما سهى عليه السلام من اثنتين ومن ثلاث وقام من اثنتين ولا سبيل إلى أن يفعل من ذلك شيئا تعمدا أصلا نعم”

ونزل في ابن مكتوم قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} وكان من أهل الصفة , فعوقب النبي صلى الله عليه وسلم لأجلة , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافحهم لا ينزع يده من أيدهم , وكان يفرقهم على أهل الجدة والسعة يبعث مع كل واحد ثلاثة ومع الآخر أربعة , وكان سعد بن معاذ يحمل إلى بيته منهم ثمانين يطعمهم.

فهذا عتب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حين طمع فى إسلام بعض صناديد قريش فأقبل عليهم يدعوهم إلى الله، وهم ينصتون له، ويقبلون عليه.

وفى هذه الأثناء حضر عبد الله بن أم مكتوم، وأخذ يقاطع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول له: علمنى مما علمك الله، ويكرر ذلك، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يضيق بهذه المقاطعة، ويعبس من الضيق؛ ومع أن الرجل أعمى لا يبصر هذا العبوس، ومع ذلك عاتبه الله فيه ن فكان لما لقيه بعد، يقول له: «أهلاً بمن عاتبنى فيه ربى».

وأنه لم يصرح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين -عبس وتولى- تلطفاً برسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن المفاجأة بمواجهته بهذا الخطاب المشعر بالشدة، وإبراز ابن أم مكتوم بوصفه المشتق من العمى دون اسمه بيان لعذره فيما واجه به الرسول – صلى الله عليه وسلم – من تكرير القول عليه، وسبب في أحقية التلطف به والعطف عليه فهو مما له مدخل في العتاب.

و أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتد على نفسه بالتقصير، ويعتبر ذنبا يستثقله ويستغفر منه، كما كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (1) .

ومعلوم أنه ليس من موجب للاستغفار، إلا ما قيل شعوره بترك الذكر في تلك الحالة، استوجب منه ذلك.

وقد استحسن العلماء قول الجنيد: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو أن المراد مثل ما جاء في القرآن من بعض اجتهاداته صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الدعوة، فيرد اجتهاده فيعظم عليه كقصة ابن أم مكتوم، وعوتب فيه {عبس وتولى أن جآءه الأعمى} ، ونظيرها ولو كان بعد نزول هذه السورة، إلا أنه من باب واحد كقوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} ، وقصة أسارى بدر، وقوله: {ليس لك من الأمر شىء} ، واجتهاده في إيمان عمه، حتى قيل له: {إنك لا تهدى من أحببت} ، ونحو ذلك. فتحمل الآية عليه،

وَقَوله تَعَالَى: {عبس وَتَوَلَّى} وَإِن كَانَ على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر فشرطه أَن يكون هُنَاكَ نُكْتَة تَدْعُو إِلَى تَنْزِيله منزلَة الأول، وَتلك النُّكْتَة قد تكون تفخيم شَأْن الْمُضمر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك} وَقَوله تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر} فخم الْقُرْآن بالإضمار من غير ذكر لَهُ شَهَادَة لَهُ بالنباهة الْمُغنيَة عَن التَّصْرِيح

وعَبَسَ وَجْهُهُ يَعْبِسُ عَبْساً وعُبُوساً، من حَدِّ ضَرَبَ: كَلَحَ، كعَبَّسَ تَعْبِيساً. وقِيلَ: عَبَسَ وَجْهُه عَبْساً وعَبَّس: قَطَّبَ مَا بَيْنَ عَيْنَيهِ. ورجُلٌ عابِسٌ. وعَبَّسَ تَعْبِيساً فَهُوَ مُعَبِّسٌ وعَبَّاسٌ، إِذا كَرَّةَ وَجْهه. شُدِّدَ للمُبَالَغَةِ، وَمِنْه قِرَاءَةُ زَيْدِ بنِ عَلِيٍّ عبَّسَ وتَوَلَّى فإِنْ كَشَرَ عَن أَسْنَانِه فَهُوَ كالِحٌ وَقيل: العَبَّاسُ: الكَرِيهُ المَلْقَى والجَهْمُ المُحَيَّا.

عبَس الشَّخصُ: قطَّب ما بين عينيه وتجهَّم لإبداء الاستياء وعدم الرِّضا، ظهر أثرُ الحزن على وجهه، اكفهرَّ “عبَس وجهُه: كلح- {عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} “

  • ابن مكتوم لم ير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم العبوس في وجه، فليس هناك تأثير سلبي على ابن مكتوم، فلو لم تنزل آية العتاب لم تأثر ابن مكتوم فهو لا يعلم شيئا، ومع ذلك نجد الله تعالى لا يترك الأمر يمر، بل يخبر النبي أن الأولى عدم العبوس والانصراف عن ابن مكتوم، فمن جاء يريد العلم والهدى فلابد أن ينال حظه من الاستقبال والبشاشة والتودد، وأن يقدم على غيره وإن كانوا أعلى منزلة في الدنيا.
  • ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة”.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن الكاتب (رحمة الله)

مبارك عامر بقنة

(رحمة الله)

كاتب وباحث تربوي، تخرّج في تخصص الكيمياء الحيوية، وعمل في ميدان التعليم لسنوات طويلة. له مشاركات في العمل الاجتماعي والخيري، وتجربة في التدريس والدعوة. يهتم بالقضايا الفكرية المعاصرة، وله مؤلفات وأبحاث، وعمل في اخر حياته على كتب في الإلحاد المعاصر والقراءات الفكرية. كما ولي اهتمامًا بعالم التقنية والبرمجة، وصمّم عددًا من المواقع المعرفية

المقالات الشائعة

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

Instagram Feed

Edit Template

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـُشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©