الصحوة وتحريم المخترعات الحديثة .. قراءة هادئة

بدر بن مرعي الثوعي

بات تراشق التهم صبغة غالبة تعم ساحتنا الفكريّة , وصار الضجيج حاكمًا على جمهرة من الحوارات , في هذه العجالة سأقدم رؤية تحليلية هادئة لتهمة ” تحريم المخترعات الحديثة عند الصحوة” , عسى أن تسهم في نشر شيء من الوعي النقدي .

أصل المسألة : هل كان الإسلاميون يحرمون المخترعات الحديثة بدافع التشدد ؟ هل كانت تلك الممانعة عقيدة صحوية أم عقدة اجتماعية؟

سياق المسألة : تحضر صالونًا ثقافيًا يهتم بالنهضة والتنمية فيصب جامّ غضبه على واقعنا , ويعزو ذلك التخلف التقني والصناعي إلى انتشار ثقافة التحريم لدى الصحوة التي لولاها لكنّا معدودين في العالم الأول .

في الكلام السابق مغالطات جمة , أوجز الردّ عليها بالنظر إلى أبعاد المسألة :

أولًا ؛ البعد المنهجي :

حين نقلب أدبيات التيار الصحوي نجد أن ثمة إجماعًا على أن الأصل في هذه المخترعات الحل , وأنها تأخذ الأحكام التكليفية الخمسة , وهذا الأمر مبثوث في الكتب التراثية حد التواتر , وحتى لا أطيل بالنقولات سأكتفي بنقلين عن عالمين عاصرا دخول المخترعات إلى بلادنا .

فهذا العلامة عبدالرحمن السعدي –رحمه الله- (ت1375هـ) يقول تحت قاعدة ( الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة)

“ويستدل بهذا الأصل العظيم والقاعدة الشرعية على أن علوم الكون التي تسمى العلوم العصرية وأعمالها ، وأنواع المخترعات النافعة للنّاس في أمور دينهم ودنياهم أنها داخلة فيما أمر الله ورسوله ، ومما يحبه الله ورسوله ، ومن نعم الله على العباد لما فيها من المنافع الضرورية والكمالية ، فالبرقيات بأنواعها ، والصناعات كلها ، وأجناس المخترعات الحديثة تنطبق هذه القاعدة عليها أتم الانطباق ” [ القواعد والأصول الجامعة 20-21]

 والآخر هو العلامة عبدالرحمن الدوسري (ت1399هـ)  حيث يقول:

 وجميع هذه الكشوف والمخترعات ليست هي التي توجه الحياة أو تحكمها وإنما يحكمها طريقة الاستفادة من ذلك حسب نور الله أو التخبط في الظلمة ، أفي سبيل الخير أو الشر ؟ وفي سبيل السلم أو الحرب؟ ” [الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة للشيخ الدوسري ص52]

وبهذين النقلين يتضح أن فرية اتهامهم بتحريم المخترعات= ليس مكونًا في منهجهم تستطيع أن تحاكمهم له .

ثانيًا ؛ البعد التاريخي :

ثمة دعوى يدعيها خصوم التيار الصحوي في هذه المسألة مفادها أن تحريم المخترعات الحديثة= خصوصية إسلامية دافعها التشدد وكراهية الحياة والتقدم والمدنية .

في هذا البعد سأذكر أمثلة تاريخية تدحض فرية الخصوصية الإسلامية بثقافة الممانعة المجتمعية للمخترعات الحديثة , وتثبت النتيجة –التي سأذكرها آخر الورقة – , وسأنتقي من الأمثلة ما يأتي :

(- كتب أحد أعضاء البرلمان الإنجليزي في مارس (1825) الكتاب الآتي تعليقًا على أول اقتراح في البرلمان لإنشاء أول خط حديدي في إنجلترا :

( لقد اتضح لي في ختام الأمر أن صاحب الاقتراح ذاهب العقل لا مشاحة … ويزعج -أي القطار- عباد الله بدخانه الكثيف بين مانشستر وليفربول ، والحمد لله فقد خُنق ذلك الشيطان الملعون في مهده ، إذ جاءت أصوات الأغلبية الساحقة ضده وانسحب أصحاب الاقتراح غير مأسوف عليهم )!

– قال أحد النواب الإنجليز ردًا على مقترح إدخال البخار في الأسطول ” يا حضرة النائب المحترم نأبى أن نغلي غليًا ونحن على قيد الحياة !

– لما أُدخلت نظم التدفئة وأنابيب الماء وشيدت المنازل العالية ذات الأدوار العديدة في روما استشاط سفيكا الحكيم الروماني غيظًا وقال ” إنها خطر داهم على الأخلاق وتهديم للفضيلة ” وتحسرَ على الماضي !

– في القرن السابع عشر الميلادي دخل رجل مطعمًا حاملًا شوكة الأكل المعروفة ، سخروا منه وهم يقولون ” كيف يجرؤ امرؤ أن يخجل من لمس الطعام بإصبعه”!

– لما اعتنق البلغاريون المسيحية ، عقد رجال الدين مجلسًا للبحث ، وتساءلوا ” هل تتفق السراويل التي يلبسها أهالي بلغاريا مع الدين الجديد !”

– طعن بعض أفراد الجمعية الملكية في النظارات ! وقالوا أنها مفسدة للأخلاق ، وأذاع قسيس مشهور بيانًا أعلن فيه أن النظارات تعد اعتداءً جريئًا على الأخلاق !

– في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد أقبل الناس في أميريكا على شراء (البانيو) ، فهجاها رجال الأقلام والصحافة وقالوا أنها مدعاة للبدخ والإسراف ومنافية لمبادئ الديمقراطية ( يا لهذه الديمقراطية المسكينة ) وزاد الأطباء في الطنبور نغمة فادعو أنها خطر على الصحة العامة ونادوا بمقاطعتها !

– عند ظهور الكتب المطبوعة لأول مرة طعن العلماء الإيطاليون فيها وقالوا أن المطابع بدعة همجية ألمانية ونادى كهنتهم قائلين ( لنهدم كيان الطباعة أو تهدم هي كياننا!)

– لم تسلم حتى الخضروات والفواكة لم تسلم من موجة المنع ففي إنجلترا لم يشترِ أحد الملح فألقاه التجار في اليم ، وأما البطاطس فقد أُعدمت أول ظهورها بدعوى أنها ضارة بالمجتمع الانساني ، وأما الطماطم فديست بالأقدام لأن فيها إفسادًا لأخلاق الأمة !

– أما المظلة فقد استقبلت في لندن بكلّ مظاهر السخرية والاستهزاء وأخذ المارة يرشقون حاملها بالحجارة !

– اعترض جماعة من المثقفين على “جوستاف إيفيل” – الذي سمي البرج به لاحقًا – وقالوا :

” نحتج بكل قوانا ونعرب عن مزيد اشمئزازنا باسم الذوق الفرنسي والفن الفرنسي ، بل باسم تاريخ فرنسا كله المعرّض الآن للاحتقار (يا لطيف!) بسبب إقامة برج إيفل الشنيع المنظر الذي لا فائدة منه على الإطلاق في قلب عاصمتنا الجميلة !
)

[انتهى النقل بطوله من كتاب “التاريخ القويم ” للأستاذ محمد طاهر كردي-رحمه الله– ( 3 / 105 -113) والذي نقله بدوره من مقالة للأستاذ أمير بقطر بالعدد الثاني من مجلة الهلال عام 1933]

ثالثًا  البعد الاجتماعي :

إذا كانت مسألة تحريم المخترعات الحديثة ليست مكونًا في الذهنية السلفية – كما يردد الخصوم- , وليست خصوصية “إسلاموية” كما رأينا في الأمثلة السابقة ؛ فأين الخلل إذن ؟

الخلل في تناول المسألة بأدوات صراعية ترسم الصورة مغلوطة , فقضية منع المخترعات الجديدة بديهية اجتماعية لا علاقة لها بالأيدلوجيات والخلفيات الثقافية , وقد قرر ذلك عالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي –رحمه الله- حيث أشار إلى أن تناشز آراء المجتمع تجاه المخترعات الحديثة ظاهرة عامة تظهر في كل مجتمع يمر بمرحلة تغيير [ انظر -غير مأمور – علي الوردي في الطبيعة البشرية ص 49] .

بل زاد الأستاذ محمد كرد علي في الأمر حتى عدّ هذه الممانعة دليل قوة حضارية , يقول –رحمه الله- :

” وقد اشتهرت إنكلترا بأنها بلد التقليد المستعصية حتى على اللازم من التجديد ..” إلى أن قال ” ولذا رأينا الشعب الإنكليزي قد جالد لأول مرة ريثما أدخلت عليه أساليب الارتقاء حتى المادي منه فلما تسرّب إليه صار في لحمه وعظمه ” وقال ” وهكذا شأن الأمة العظيمة تتشدد في تقاليدها وتستنكف في الغالب عن قبول كلّ جديد إلا إذا ثبت لها ما ينقض ثبوت الشمس والقمر [غرائب الغرب ( 2/ 82]”

وعلى ذات الرأي سار الأستاذ محمد جلال كشك –رحمه الله- بقوله :” وهذا الرفض للمخترعات قبل فهم سرها يدل على عقلية أكثر علمية ، وأكثر احترامًا للنفس ، من المتخلف الذي يتعاطى هذه المخترعات دون أي انفعال ” [السعوديون والحل الإسلامي ص 588]

خلاصة القول :

أن وجود أمثلة تاريخية على رفض مخترعات حديثة في مجتمعنا سببه اجتماعي لا شرعي , وعليه فمن مغالطة المنهج العلمي ربط تخلفنا الحضاري بسبب أحادي –ثبتت براءته- ؛ فالظواهر الاجتماعية لا تؤمن بتفسير السبب الواحد .

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن الكاتب (رحمة الله)

مبارك عامر بقنة

(رحمة الله)

كاتب وباحث تربوي، تخرّج في تخصص الكيمياء الحيوية، وعمل في ميدان التعليم لسنوات طويلة. له مشاركات في العمل الاجتماعي والخيري، وتجربة في التدريس والدعوة. يهتم بالقضايا الفكرية المعاصرة، وله مؤلفات وأبحاث، وعمل في اخر حياته على كتب في الإلحاد المعاصر والقراءات الفكرية. كما ولي اهتمامًا بعالم التقنية والبرمجة، وصمّم عددًا من المواقع المعرفية

المقالات الشائعة

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

Instagram Feed

Edit Template

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـُشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©