“د. عامر محمد بقنه“
| السوق .. بين الحرية والاستقلال (١)د. عامر محمد بقنه6/6/2016ما هو مقصد الشريعة في أحكام البيوع، الحرية أم الاستقلال؟ السوق تنازع سلمي وحركة اجتماعية يطلب فيها الناس مصالحهم الفردية بوضوح، من خلال آلية تضمن لكل فرد حقه، عن طريق تقييم جهده ومدى إضافته. لذلك فإن السوق تعد من أكبر الدلالات على تحضر المجتمع إذ هي وسيلة سلمية يستخدمها الناس عامة للتعالي فيما بينهم ولجمع أكبر قدر ممكن من النفوذ دون استخدام القوة أو أي وسيلة أخرى لا يكون فيها المتبايعين راضيين. فهي تسليم جماعي بتعالي الأحكم والأكفأ بغض النظر عن قوة المتعالي جسدياً أو نفوذ جماعته. و لأن التسليم حالة شاذة في البشر (إذ الأصل الاعتراض و التعدي) فإن ظهور السوق و حرية التعامل التجاري تعد أمراً طارئً وحالة ناشئة عن قوة مستقلة فارضة لهذا النظام. فالسوق إلى حد ما قرينة الهيمنة السياسية لجماعة عادلة وهي -أي السوق- تتحرك و تنمو بشيء من الفردانية الاجتماعية الثقافية التي تقدم الكفاءة و الإنتاجية و تستخدمها كوسيلة للتعالي في النسيج الاجتماعي على الترابط الاجتماعي الصلب والتساوي الاجتماعي. من هذا المنطلق اقترن السوق بالتحضر كما اقترن بنشوء الطبقية الاجتماعية، إذ هي بطبيعتها تكسر العائلة الممتدة (القبيلة) لتبني عصبيات مختلفة (على أساس المهن و درجة الغنى والمنطقة والمصالح المادية .. ) وتوجد حرية أكبر للفرد ينعتق بها من ارتباطه الاجتماعي بقبيلته ليجد لنفسه جماعة أخرى يتعصب لها بحسب الوظيفة أو المهنة أو الشهادة.ما سبق يعد تعريفاً بسيطاً بالسوق و ربطاً لتلك الحركة الأنانية الواضحة بالحركة الاجتماعية الضيقة (العائلة و الحي) والسياسية الواسعة (الدولة بحكامها و متنفذيها). ومن خلال هذه المقدمة البسيطة أريد أن أدخل في موضوعي لأحدد عناصر السوق والعوامل المؤثرة فيه، ومآلات الحركة التجارية وأثرها على التركيب الطبقي للمجتمع والبناء السياسي، كما أني أريد أن أحدد القواعد المهمة والحدود التي يجب أن يلتزم الناس بها حتى لا تؤدي السوق لنقض نفسها.العملية التجارية في أساسها مقايضة، أي أنها عقد بين طرفين يستبدل فيه كل طرف ما لديه بما يملكه الآخر سعياً لاستيفاء حاجته و ضمان معيشته، ولأن ذلك يعني أن لكلا الطرفين حاجة في أن تكون رغبته و حاجته متناسقة مع رغبة الآخر زماناً ومكاناً فإن العمليات التجارية ( وهي المقايضة هنا ) تكون محدودة كماً ومتذبذبة زماناً. المال لذلك يعد وسيلة عملية ضرورية لحفظ مجهود الفرد حتى يتمكن من استدعاء هذه القيمة متى أراد واستبدالها بما يحتاجه في السوق بالبضاعة التي يريد. فوظيفة المال هنا هو البينية، أي أنه يعمل على تقريب إحداثيات الزمان والمكان بين البائع والمشتري حتى ما يقل الغرر بين المتبايعين و تزداد فرصة التوافق و من ثم التعاقد (أي أن البائع يستطيع أن يشتري بالمال الذي كسبه بضاعة لا يملكها المشتري في ذلك المكان و بالكمية المطلوبة، كما أنه يستطيع أن يؤجل الشراء للوقت الذي يحب دون أن تتأثر قدرته الشرائية بشكل كبير). و قبل أن نتكلم عن مقاصد الشريعة و الحكمة من تشريعاتها فإنه يصح أن نحلل السوق ككل، عناصره الأساسية و العوامل المؤثرة فيه حتى نتمكن من التنبؤ بمستقبله والتركيبة الاجتماعية الناتجة عنه بعد مدة طويلة من الحركة التجارية الحرة. السوق تتكون من ثلاثة عناصر هي : ١- المنتجات ( المواد و الخدمات المتاجر بها ).٢- أفراد المجتمع المتبايعين ( عددهم و كفاءتهم الإنتاجية و حاجاتهم ).٣- المال ( وفرته في المجتمع و مدى انتشاره فيه ). كما أن هناك أربعة عوامل تؤثر في السوق هي : ١- حجمه ( أي حجم العوامل السابقة ). ٢- إتجاهه ( للنمو أو الإنكماش ).٣- سرعته نمواً أو انكماشاً ( و هذا يتأثر بنوع الاتصالات و المواصلات المتوفرة ).٤- الاستقرار السياسي ( مقدار رضا الطبقات المكونة للسوق ، سواءً كانت سوقاً محلية أو عالمية ).عناصر السوق التي ذكرناها ( المنتجات ، المال ، و الأفراد على طرفي المعاملة ) فيها تفصيل يحتاج إلى شرح و توضيح، ذلك أن هذه التفاصيل تؤثر على العناصر، ومن ثم فإنها تؤثر في السوق ككل ( في حركة البائع و الشاري ).١- المنتجات : و هذه تكون مواداً أساسية أو قريباً من الأساسية كالمنتجات الزراعية، أو تكون صناعة مركبة بحاجة لمختصين و خبرات عالية، أو تكون خدمات تعتمد على المورد البشري كالتعليم و الصحة و الإدارة و الاستشارات المالية و القانونية، أو تكون موقعاً جغرافياً مهماً يستثمر في مجالات سياحية أو عسكرية . كل هذه المنتجات تؤثر في المجتمع المنتج إذا ما اعتمد على شكل من أشكال هذه المنتجات بدرجة كبيرة، فالتركيبة السياسية و الحركة الطبقية تتغير من الصلابة إلى المرونة و العكس تبعاً لشكل المنتج الذي يعتمد عليه السوق أساساً.٢- الأفراد : الفرد هو المادة الأساسية التي يبنى عليها السوق، ذلك أن المعاملات التجارية أساسها مصلحة الفرد و شهوته، والسوق تجسد ذلك الميل و تتعامل معه. لكن الأفراد في المجتمع يتميزون من حيث العمر و الجنس و الكفاءة العملية والدرجة التعليمية، ولذلك فإن مجرد الوفرة البشرية لا تؤدي لنمو السوق وتطوره ( أي أن هناك علاقة طردية غير لازمة ). فالأطفال و كبار السن عجزة لا يقدرون على الإنتاج و ينهكون المجتمع بحاجاتهم، كما أن حاجة المرأة و رغباتها تختلف عن حاجة الرجل و رغباته -إلى حد ما- وكذلك قدرتها الإنتاجية ومجالتها التي تبرع فيها، و لذلك فإن تركيبة المجتمع الديموغرافية و درجة تعليمه و رسوخ ثقافة الإنتاج و الفردانية فيه تؤثر في السوق بشكل كبير.٣- المال : هو الوسيلة البينية التي تقيّم بها الأشياء و تشترى، إذ يتسم بصفات تيسر على المتبايعين القيام بعملياتهم التجارية في أي وقت وفي أي مكان بوضوح كبير ( كما ذكرنا فإن المال يقرب إحداثيات الزمان و المكان بين طرفي المبايعة فيزيد احتمالية التبايع و يقلل من تذبذب الحركة التجارية عبر الزمان )، ومن خلال هذه الصفات يتمكن المال من تحقيق هذه المصالح ، فتزيد قيمته لذلك و يتميز عن سائر المواد. |