التطهير بالألم … إطلالة على شعور منحرف

د.أحمد الغامدي

ظاهرة التطبير واللطم لدى الشيعة في يوم عاشوراء .. محاولة للفهم

 غالبا من أدعوكم لقراءة (ماتعة) أما اليوم فلا مندوحة من أن أقول قراءة مؤلمة

 بدل من أن يقتدي بنا اليهود والنصارى وفق القضاء الرباني (فالناس لنا فيه تبع) كما ورد في الحديث الشريف، أصبحت شرائح من المجتمع الاسلامي تحتذي بمن ضل من أهل الكتاب في يوم سعدها وفي يوم بؤسها. يوم أمس الجمعة واليوم السبت وللنصارى ما يسمى (جمعة الآلام) أو الجمعة العظيمة Good Friday والتي يحتفلون فيها بشعائر وطقوس ملئها الجزع والحزن لتذكر مصيبة تعذيب وقتل المسيح على خشبة الصليب.

واليوم يوم السبت وفي العديد من المناطق الشيعية من العالم يمكن تسمية اليوم بالسبت الدامي  The Bloody Saturday  وفيه أيضا سوف يحتذي ويقتدي حذو القذة بالقذة فئام من الشيعة بعادات وطقوس فئام من النصارى فيما يسمى (الاحتفالات والمسيرات الدموية) بهدف تطهير النفس من ذنب الخذلان السياسي، والجبن عن الدفاع والحماية لشخصية دينية معظمة.

كما هو معلوم في يوم عاشوراء، تنتشر مظاهر ما تسمى (الشعائر الحسينية) والتي من أشنعها (بدعة) التطبير والتي تتمثل في تعذيب النفس، وإظهار الجزع الشديد على مقتل الإمام الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما، وتعتمد هذه الطقوس العنيفة على تعمد (تطبير أو إدماء) الجسم عن طريق جرح الراس بالسيوف أو السكاكين وتشريط الظهر بالسياط أو السلاسل الحديدية وتتمثل المأساة في قمته عندما يتم إيقاع هذا العذاب بالأطفال الصغار بل وحتى الرضع.

وكما تشير العديد من مصادر المذهب الشيعي نفسه فإن (طقوس التطبير) هي طقوس بدعية (مستوردة) زمن الصفويين من نصارى أرثودوكس بلاد القفقاس الذين كانوا يقومون بتعذيب أنفسهم فداءً للسيد المسيح بينما الشيعة الأوائل لم يكن تتعدى حالة الجزع لديهم (طقوس اللطم والنواح).

وحتى اليوم وفي العديد من المجتمعات المسيحية من الفيلبين شرقا وحتى البرازيل غربا تنتشر ظاهرة طقوس تعذيب وإهانة الجسد (corporal mortification) والتي تعتبر عندها طقوس التطبير الشيعية تافهة ولطيفة وكأنها تدليك ومساج للجسد. المبدأ الأساسي لفكرة تعذيب الجسد تقوم على محاولة التوبة والطهارة من الذنوب والوصول لحالة القدسية من خلال طقوس اخضاع الجسد بوسائل متنوعة في الشدة من مجرد الصوم والمشي حافيا، وحتى أبشعها مثل جلد الجسم بالسياط وادخال السكاكين والاسياخ في الوجه ولحم الجسم، وحتى تعذيب الجسم على الصليب بغرز المسامير في الأيدي والأقدام والصور الموجودة على شبكة الانترنت وأفلام اليوتيوب لما يقوم به مجانين المسيحين من هذا الانحراف الديني والإنساني أمر تشيب له الولدان.

على كل حال، ما كان يهمني في الواقع أن أقع على توصيف أو تصوير أدبي لما يشعر به هؤلاء المعذبون في الأرض، وما يدفعهم لاستباق العذاب الدنيوي قبل العذاب الآخروي رحمنا الله برحمته. ولتحقيق الاطلالة أو فتح نافذة على مثل هذه الشعور المنحرف اتجهت كالعادة إلى الأعمال الأدبية والروائية، فأنا أومن تماما أن لقاعدة (الصورة أقوى من ألف كلمة) شذوذ وأنه أحيانا لا يكفى أن تشاهد المنظر فقط ولكن تحتاج بالإضافة لذلك أن تحاول سبر مجاهيل النفس البشرية ودوافعها لمثل هذه المواقف العجيبة والمستنكرة.

الروايات الأدبية التي تدور أحداثها الرئيسية عن حياة الرهبنة والقسس والكهان متعددة ومتنوعة ولأسماء أدبية مشهورة جدا مثل رواية “أحدب نوتردام” للكاتب الفرنسي المشهور فكتور هوغو، و”حكايات كانتربري” للأديب الانجليزي جيفري تشوسر، ورواية “فاوست” للأديب الألماني البارز جوته، بل حتى رواية “الأخوة كارامازوف” الذائعة الصيت للروائي الروسي البارز دوستويفسكي كان الابن الاصغر إلكسي المتدين دور بارز في مسار أحداثها. 

أما أبرز وأشهر الروايات الأدبية التي تدور أحداثها داخل الاديرة monastery وخفايا حياة الرهبان والقساوسة فيها فمن أشهرها واحدثها في الغرب رواية (اسم الوردة) للكاتب الايطالي أومبيرتو إكو بينما في عالمنا العربي لعل أشهر وأجمل قصة عن حياة الرهبان والاديرة الكنسية هي رواية (عزازيل) للأديب المصري المعاصر يوسف زيدان.

على كل حال هذه روايات أدبية وفنية راقية وممتعة تتحدث عن الجانب السليم والطبيعي نسبيا عن حياة الرهبان ورجال الدين الكهنوتي المسيحي، ولكن للاطلاع الأدبي عن الجانب المظلم للشخصيات الدينية المسيحية التي تمارس طقوس التعذيب الذاتي والتعصب الديني المنحرف الذي قد يؤدي إلى قتل الآخرين علينا أن نيمم وجهتنا نحو أكثر رواية أدبية أثارت حنق وغضب المجتمعات المسيحية وخصوصا الدول الكاثوليكية إلا وهي رواية (شفرة دافنتشي) لروائي الامريكي الواسع الانتشار والثراء دان براون.

ما يهمنا في هذا السياق في رواية شفرة دافنتشي هي شخصية الكاهن الشاحب اللون والقاسي القلب (سيلاس) والذي هو عضو في المنظمة الكاثوليكية المتطرفة والعنيفة أوبوس داي. ولنستمع الآن لتوصيف دان براون لهذه الشخصية  المشوهة الجسد والروح وهي تقوم بطقوس (التطهير بالألم) والتي تشابه إلى حدا ما طقوس (التطبير الشيعية):

” أسدل سيلاس الستائر وخلع ملابسه، وانحنى راكعا وسط غرفته، نظر إلى الاسفل وتفحص حزام الشعر ذا المسامير الشائك وهو عبارة عن حزام جلدي تتعلق فيه أشواك معدنية حادة تنغرس في اللحم وهي تذكير دائم ومستمر بمعاناة المسيح، إن الالم الذي تسببه هذه الاداة يساعد على كبح غرائز الجسد.

الألم جيد، همس سيلاس مرددا العبارة المقدسة للاب خوسية ماريا إسكريفا، حول سيلاس انتباهه الآن نحو الحبل ذي العقد الذي لفّ بعناية على الارض بجانبه السوط، كانت العقد معجونة بالدم الناشف.

بتلهف للأثار التطهيرية لآلمه تلا سيلاس صلاة سريعة ثم قبض على أحد طرفي السوط وأغمض عينية ملوحا به فوق كتفه وانهال به ضربا وأحس بالعقد تلسع ظهره، ثم لوج به فوق كتفه من جديد وأخذ يضرب ويجلد لحمه مرة بعد مره. العقاب الجسدي الذاتي … وأخيرا، أحس بدمه يتدفق“.

فعلا يا لها من إطلالة مفزعة على شعور بشري منحرف

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن الكاتب (رحمة الله)

مبارك عامر بقنة

(رحمة الله)

كاتب وباحث تربوي، تخرّج في تخصص الكيمياء الحيوية، وعمل في ميدان التعليم لسنوات طويلة. له مشاركات في العمل الاجتماعي والخيري، وتجربة في التدريس والدعوة. يهتم بالقضايا الفكرية المعاصرة، وله مؤلفات وأبحاث، وعمل في اخر حياته على كتب في الإلحاد المعاصر والقراءات الفكرية. كما ولي اهتمامًا بعالم التقنية والبرمجة، وصمّم عددًا من المواقع المعرفية

المقالات الشائعة

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

Instagram Feed

Edit Template

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـُشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©