لا تثريب، فالحركة تكون وفق المسموح، ألا ترى أن الجسميات لها مجال محدد تتحرك فيه لا تستطيع أن تتجاوزه، ولو تجاوزته لحدث التمزق، ولعل هذه سنة ربانية أن لك شيء مجال محدد يذهب ويأتي فيه لا يملك أن يتجاوزه، ولو حاول المجاوزة فقد يحدث الضرر.
ومن كمال الشريعة وحسنها أنها جعلت التكليف في قدر المستطاع، وجعل الشارع تقدير الاستطاعة للشخص نفسه، ورتب على ذلك أنه حين يعمل المستطاع فقد سقطت عنه الملامة، فلا يلام بعدها، ولا يثرب من الناس، ولا يعاتب هو نفسه، فهو أدى ما قدر عليه.
تبقى المشاعر النفسية، فالإنسان يسعى أن تكون نفسيته متزنة هادئة بعيدة عن التشاؤم والقلق والحزن، فالله تعالى قال: “واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون” فهذه الآية اجملت ولخصت الفعل: فالله أمر بالصبر، ونهى عن الحزن وعن الضيق، فالحزن يطرد ويتخلص منه فالله سبحانه يقول: “ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين” ولا ينهى الله تعالى الإنسان عن شيء إلا وللإنسان قدرة في الانتهاء؛ ولكن لو عجز الإنسان عن التخلص من الحزن كما طلب الله تعالى منه، فلا بأس فالتكليف بالاستطاعة ولكن عليه أن يسعى أن يخفف الحزن حتى يتلاشى، فبقاء الحزن في النفس مضر ومدمر للإنسان إذ لا يستطيع أن يعيش سعيدا، فالله خلقنا لنعم ولنسعد لا لنعذب أنفسنا، كما قال الله تعالى: “فلا تذهب نفسك عليهم حسرات” فلا يقطع نفسه هما وغما من أجل الناس، فالله حافظ دينه، فالنتيجة التي يريد أن يحققها الشارع في قلب المؤمن هي: “فلا تبتئس بما كانوا يفعلون”، “ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين”.
ومن الملاحظ أن الله تعالى نهي أيضا عن الخوف وقرن ذلك النهي مع الحزن، لأن الحزن نتيجة الخوف، إذ يخاف المرء على الدين فيحزن، أو يخاف من المستقبل فيحزن فيقول الله تعالى: “لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك”.
ويبقى السؤال: هل النهي عن الحزن يستلزم عدم العمل؟
لا تلازم البتة، بل العكس هو الصحيح، فالشارع ما نهى عن الحزن إلا لأن الحزن يثبط المرء عن العمل، فإذا حزن المرء، ضاقت نفسه، وتحطمت عزيمته، وضعفت إرادته، واستسلم للأمر، فكان الحزن عائقا عن العمل صادا عن السير، فالتخلص من الحزن هو من أولى الأوليات كي يبقى المرء نشطا راغبا في العمل. فالتخلص من الحزن مطلب شرعي لا انفكاك منه.
ولعلنا ننهي هذا الحديث بلفتة صغيرة حول من اعتقد أن من حزن خير من لا يحزن، فهذا المفهوم غير صحيح، لأن القرآن الكريم جاء مصرحا بعدم الحزن، فلا يعقل أن يقول: لا تحزن. ثم نقول: من حزن أخير من لا يحزن. فهذا تناقض مرفوض. والأصل أن يسعى المرء للامتثال للنصوص الشريعة ولا يقدم عليها اجتهاداته المخالفة للنص. فلا يجعل الحزن قربة لله تعالى لأنه منهي عنه، إذ لا ينهى الله تعالى عن شيء ثم نتقرب بفعله. والله اعلم.