ثمرة تعدد الأقوال الفقهية هو الاختيار الأنسب لك .. الأنسب لوضعك الاجتماعي والمكاني والزماني ..الخ، قد تكون هذه المقدمة غير مقبولة عند بعض الناس ولكن الفكرة ستتضح من حديثي، والأمر بمعنى: إذا كان هناك قول فقهيا لا يتناسب مع وضعي، فلماذا أبقى على هذا القول ولا اختار غيره من الأقوال مع وجود غيره؟ (وحديثي ليس عن طالب العلم وإنما عن العامي في العلم الشرعي)
هنا يدخل الجدل الفقهي: يقال: عليك باختيار الراجح من الأقوال.
ولكن .. من يحدد الراجح؟ وأنا لست طالب علم فليس لدي المقدرة على الترجيح.
يقال: الذي يحدد الراجح العالم.
ولكن العلماء اختلفوا .. فمن ترجيحه المقدم؟
وهنا تذهب المسألة بعيدا .. فيقال: اختر قول من تراه أعلم وأتقى.
هنا لا يلتفت لموفقك ووضعك .. وإنما يتجاهل وضعك تماما .. ولا يقال: اختر ما تراه مناسبا لوضعك كي لا يكون عليك مشقة، ولكن عليك أن تختار قول من تراه أعلم وأتقى فالحق عنده.
سلم السائل الأمر وتجاهل وضعه، وهو لا يصح تجاهله، ولكن من باب التنازل .. فيقول: كيف اعرف الأعلم والأتقى وأنا لا أعرف أرجح بين الأدلة فكيف أرجح بين الرجال وأدلتهم.
هنا مرة أخرى يتجاهل رأي السائل .. ويقال له: ما اشتهر أنه الأعلم والأتقى؟
وتتعقد المسألة مرة ثانية.. ما ضابط هذه الشهرة؟ وكيف اشتهر؟ ومن شهره؟ ولماذا اشتهر؟ فيقال: لا تسأل وإنما تلتفت في المجتمع فما تردده الألسن فهو الأعلم والأتقى.. مع إن التقوى أمر قلبي لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى، والترجيح بين القلوب أصعب وأعقد ما يكون؛ بل يتعذر إدراكه، فكيف أقول: قلب هذا أتقى من قلب هذا؟ شيء مستحيل ولكن الناس تبني هذا على قرائن، فتحول هذه القرائن الظنية إلى علم يقيني وتبني عليه الاتباع لقوله.
وقضية أخرى معقدة وهي الأعلم، فهل علمه مطلق، مستحيل، فالبشر علومهم نسبية، فإذا كان علمه نسبي ويحتمل الصواب والخطأ، ألا يحتمل أنه قد أخطأ في مسألتي التي يراد مني أن أقلده فيها، فكيف ألغي هذه لاحتمالية، أي احتمالية الخطأ وأغلب احتمالية الصواب. فيقال: ليس هناك خيار آخر، نعم، يحتمل قوله الخطأ ولكن عليك اتباعه فهو عالم.
نرجع لمسألة الأعلم الأتقى، فنجدها ظنية أي تؤول إلى احتمالية الخطأ، وقد يكون في القول المحتار ضيق على الشخص، فلو تركنا هذا الاشتراط للمقلد وهو اتباع (الأعلم الأتقى) وجعلنا الشخص يجتهد بين أقوال العلماء ويختار ما يناسبه دون الالتفات لعلم الشخص وتقواه لكان هذا أنسب للتطبيق.
ولكن قد يقال: لو قلنا بهذا لذهب في تتبع رخص العلماء، ومن تتبع رخص العلماء تزندق؟
وهنا خرجنا من دائرة إلى دائرة أخرى، فجعلنا اختيار ما يناسبه ويتفق مع وضعه أنه نوع من التساهل الذي قد يؤول مع الوقت إلى زندقة إذا أكثر من تتبع الرخص، فكأننا نقول: عليك باختيار القول الأصعب كي لا تتزندق.
حل هذا الأمر سهل: نقول وجوبا أن تختار ما تراه صوابا وحقا، فإن عجزت عن معرفة الصواب والحق، فاختر من أقوال العلماء ما يناسب حالك وتيسر لك فعله.
فنحن أولا نؤكد أولا أن يبحث عن الحق ويتخذه ولا يتركه لمجرد الخلاف، فمن رأى الحق في مسألة فلا يجوز ترك هذا الحق لأن عالم قال بخلاف ذلك، فإن عجز عن معرفة الحق فنجعل الأمر يؤول إليه في الاختيار بين أقوال العلماء دون أن ندخله في دوامة التفاضل بين العلماء التي صعب إدراكها.