حين يقرأ المرء قوله تعالى: “وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا” يشعر برهبة الموقف يوم القيامة، فالمسآلة لوحدك أمام الله تعالى ليس بالأمر الهين، فسيأتي العبد خاضعا لله تعالى، ليس معه أهله ولا أصحابه ولا أي شيء، هو يأتي الله تعالى وقد سلب منه ماله وولده، وذهب كل ما كان يدعوه للطغيان كما قال الله تعالى: “ونرثه ما يقول ويأتينا فردا” يأتي الله تعالى فردا خاليا من كل شيء، لا يتبعه لا قليل ولا كثير، فكثرة المال والولد في الدنيا قد تجعل المرء يطغى، ويظن أنه سيكون له هذا الأمر من المال والولد في الآخرة، كما قال الذي كفر بأيات الله، قال الله تعالى: “أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا” فظن أن ماله وولده سينجيانه من عذاب الله تعالى، فكان البيان أن الأتيان يوم القيامة فردا، ولن ينجي الإنسان يوم القيامة بعد رحمة الله تعالى وفضله إلا عمله الصالح.
والمرء لسذاجة تفكيره، وجهله بسنن الله تعالى يظن حين يعطيه الله تعالى في الدنيا أن هذا دلالة على صلاحه وتقواه، وما علم أنه قد يكون استدراجا ففي الحديث: “إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج” فالمرء لجهله حين يرى كثرة المال والولد لديه يظن أن هذه تمنعه أو أنه ما أؤتيها إلا لخير فيه، وقد حدثنا الله تعالى عن صاحب الجنة وقد أعجبه كثرة ماله وولده “وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ، ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا” فهو ظن بما أن لديه هذا الخير؛ فإن حصلت القيامة فإن المنقلب أحسن، وسيكون أسعد، فقد آتاه الله تعالى في الدنيا فسيأتيه في الآخرة، وهذا ظن الكافرين حين يأتيهم الخير في الدنيا “ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى” فالإنسان قد يغتر بالنعمة ويظن أنه لن يعذب “وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين” فظنوا أن هذه النعمة دلالة على رضا الله تعالى عنهم؛ فلو لم يرض عنهم ما رزقهم الأموال والأولاد، فجهلوا أن العبد يأتي يوم القيامة فردا، خاليا من كل شيء، فالمرء يستعد لهذا الموقف بأن لا يطغى في الدنيا، ولا يستكبر، ويعلم أن مصيره الموت ثم ملاقاة الله تعالى فردا. نسأل الله تعالى حسن المنقلب وحسن الختام.