كثيرا الذين يقرأون كتب الفقه ولكنهم لم يصبحوا فقهاء .. وكثيرا الذين يقرأون في الأدب ولم يصيروا أدباء .. وكثيرا من يقرأ في الفكر ولم يصبحوا مفكرين .. إلى آخر تلك السلسلة المعرفية التي نتناولها ولم نستطع أن نكون من أهلها .. فما سر ذلك؟
ولعلكم مثلي .. حين يكون السؤال عن الأسباب .. فسرعان ما نعدد أسبابا ونذكر أمورا قد يكون لها علاقة أو ليس لها علاقة .. المهم أن نذكر أسبابا نراها أسبابا ولم نمحصها وندرسها، ولو تأملنا فيها قليلا لرأينا أننا في واد والأسباب في واد آخر .. فمن آفاتنا في تحليل الأمور أننا لا نعطي أنفسنا مهلة للتأمل والتفكر والمدارسة؛ بل ما يسنح في الفكر نذكره ثم نعتقده ثم نتعصب له وننازع عنه وكأن الأمر جاء بعد بحث ودراسة وتفكر .. لعلي ابتعدت عن مرادي قليلا .. فربما هذا الأمر من صفات العرب، فالعرب لا تميل للتقعيد والتعقيد بل هي على سجيتها .. ولك أن تقول: هذه السجية هي التي جعلتنا نتأخر في المسير ..
أعود للسؤال: ما الذي لا يجعل قارئ الفقه والفكر يكون فقيها أو مفكرا؟ حتى ولو تناول أفضل الكتب وأقواها في مجالها فإنه يبقى في دائرة التلقي والتقليد بعيداً عن دائرة الإبداع والاجتهاد، وهذا التساؤل يقودنا لتساؤل تشكيكي: هل الابداع له طريق آخر غير طريق الكتاب؟ هل الكتاب فقط دوره في نقل المعلومة أم تفكيكها وتحليلها وانتاج معلومة أخرى فله مسلك آخر غير مسلك الكتاب؟ ربما وربما .. فالجزم يصعب في هذا الأمر لأن ليس دور الكتاب فقط نقل المعلومة بل يسعى أيضاً في إعادة التصورات وتغيير المفاهيم. إذاً ما سر العجز الذي يعيشه القراء؟
لو تركنا الكتاب جانبا وذهبنا للنفس ذاتها التي تتناول الكتاب فربما هناك يكمن السر، فلو تناول شخصان كتابا واحدا لكانت المخرجات المعرفية والفكرية بينهما مختلفة تماما مع إن المصدر واحد، ولكن العقلية التي أخذت المعرفة مختلفة تماما فكان التفاوت وكان الابداع أو التقليد .. كأننا هنا مسكنا بداية الخيط الرفيع الذي يقودنا لمعرفة السبب .. ولكن هذا الأمر يثيرنا أكثر ويجعلنا في حالة تساؤل .. ما سر اختلاف العقليات؟ هل هو الأمر خلقي لا حيلة لنا فيه أم الأمر اكتسابي يمكننا اكتسابه وتحقيق الابداع والتمييز؟
إذا كانت المخرجات تختلف باختلاف العقول وليس باختلاف المقروء، فما سر العقول؟ حتماً هذا سؤال جوهري، ولن أذهب للجواب عليه في تحليل العقل وتفكيكه فلو فعلت لذهبنا بعيداً، ولكن نبقى في دائرة ضيقة جدا تخص مسألتنا وهي محاولة معرفة الخصائص العقلية وهي أقرب في التناول وأسرع في الإدراك.
لعل ما يميز العقول الخلاقة المبدعة هو عدم وقوفها على ما تقرأ؛ بل تكون في حالة تساؤل وبحث فيما وراء السطور، فقراءتها يصاحبها السؤال دوماً، عكس العقول النمطية التي تقرأ ولا تسأل وربما تتجنب التساؤل قصداً، فهي تتلقف ما تقرأه دون أن يثير لديها تساؤلاً، وقد تثار ولكن ليس لدرجة وضع الأسئلة والبحث عن أجوبة، فمثلاً تقرأ في الفقه مقولة: “وهذا القول هو الراجح” فلا تتساءل: ما سبب الرجحان؟ وهل متعلق الرجحان دليل شرعي أم دليل مصلحي؟ وهل الرجحان ينسجم مع مقاصد الشرع؟ وهل المسألة منحصرة فيما ذكره الكاتب من راجح ومرجوح؟ وهل الكاتب تجاهل أو تغافل عن ذكر بعض الأدلة التي تغير طريقة الترجيح؟ فالقارئ النمطي ميزته التسليم والتلقي دون مناقشة وغالبا لا يهتم كثيرا باختيارات الكاتب، وربما يتبنى قول الكاتب كي لا يدخل في جدل معرفي، فرغبة المناقشة لديه باردة جداً.
ولك أن تساءل: لماذا يتجنب القارئ النمطي التساؤل؟ لماذا يقرأ ولا يحاور المقروء؟ سؤال جميل ومحوري، ترك التساؤلات حين القراءة يعود لغياب المثيرات المحفزة للتساؤل، فالقارئ يقرأ وليس في ذهنه أي تساؤل مسبق، لذلك من شروط القراءة الخلاقة أن يكون هناك سؤالان قبليان: الأول: لماذا كتب المؤلف كتابه؟ والثاني: لماذا اقرأ “أنا” كتابه؟ فهذا السؤلان ضروريان لأنهما يصنعان الهدف، فحين أعرف غاية المؤلف فإنني أكون قادراً على مناقشة الكتاب وفق الغاية التي قررها، وحين أعرف غايتي وسبب قراءتي فهذا يحدد من البدء: هل الكتاب مناسب لي؟ هل الكتاب مثير لي؟ هل قراءتي للكتاب من أجل المعرفة أم من أجل التسلية؟ فتحديد الغاية من البدء عامل أساسي في تكييف عملية القراءة.
وربما من أسباب تجنب التساؤل حين القراءة أن القارئ النمطي يقرأ وهمه ليس إجابة على أسئلة مسبقة لديه أو أسئلة يثيرها الكاتب، بل همه إنجاز القراءة وإنهاء الكتاب، وقراءة الإنجاز، إن صحة التسمية، هي قراءة سلبية إذا لم يصاحبها تساؤلات، فغياب التساؤلات هو سر غياب الفقيه والمفكر والأديب الخ .. القراءة المثمرة الخلاقة لا تنفك عن التساؤل، واللحظة التي لا تجد فيها تساؤلات ربما أن الكتاب لا يستحق القراءة.
ولكن هل يعني غياب التساؤل ضعف الكتاب؟ الجواب: لا، فقد يكون الكتاب مثيراً وملهماً للغاية ولكن الحالة النفسية للقارئ لا تدفعه للتساؤل والبحث عن الإشكاليات، فمزاج القارئ هو السبب في الإثارة وليس الكتاب، الكتاب في حالة سكون، ولا ينتقل للحركة إلا حين يحركه القارئ بالحوار والجدل، وتوقف القارئ عن المحاورة يجعل الكتاب صامتاً مملاً.
وربما هذا الكلام يدفعنا لنسأل: هل يمكن للقارئ أن يتحكم في مزاجه؟ هل يستطيع القارئ أن يكون في حالة إثارة وتساؤل؟ هذه قضية مهمة جدا، فلو قلبنا السؤال: كيف يمكن للقارئ أن يكون في حالة تساؤل ومحاورة للكتاب؟
اشعر أنني أطلت عليكم.. لذلك اترك الجواب في الخاطرة القادمة إن أمكن ذلك .. ولكم تحياتي
——————————
تكملة لما مضى ..
التساؤل حين القراءة أمر ضروري لمن أراد أن تكون قراءته خصيبة غير مجدبة، ولكن لا ينبغي أن تحضر الأسئلة حالة القراءة فقط، بل لا بد من جلب الأسئلة قبل القراءة، وخصوصاً أسئلة الحاجة العقلية والوضعية، ماذا سيقدم لي الكتاب فكرياً؟ ما الحلول التي سيقدمها لوضعنا الحالي؟ هل الكتاب يخاطبني أم هو يخاطب غيري؟ هل الكتاب نال جائزة تقديرية؟ هل المؤلف متخصص فيما يذكره؟ هل الكتاب يعالج قضايا عصرية؟ هذه الأسئلة قبل القراءة ضرورية كي تولد في النفس تفاعلا، فحين يقرأ المرء لكاتب يتكلم في قضية لا تهمه فإن التفاعل سيكون ضعيفاً وعندها تقل الثمرة المرجوة من القراءة.
نعود لسؤالنا السابق: كيف نكون في حالة تساؤل ومحاورة مستمرة مع الكتاب؟ إن أي كتاب تحاوره وتناقشه سيعطيك شيئا لم يذكره لك، وأي كتاب لا تحاوره ولا تناقشه فسيمنع عنك فهم شيء ذكره، فالكتاب ليس مجرد سطور وحروف متراصة؛ بل هو كيان له روح، وروحه تنبعث وتنشط بالسؤال والتنقيب، والمحاورة والمجادلة، وحركة الروح تجعل للكتاب متعة وتمنح القارئ فهما وعندها تبرز الأسئلة وتظهر الاشكالات.
هذه مقدمة قصيرة لكي أدلف منها للجواب على السؤال، نكون في حالة تساؤل إذا كنا نحن أولا في حالة فكرية نشطة، فالنفس يجب أن تذهب للقراءة وهي في حالة إقبال للكتاب، فلو قرأت ونفسك تنازعك القراءة وتجد نفرة من الكتاب فلن تقدر على محاورة الكتاب؛ بل ستقرأ وفكرك في حالة صمت وسكون وتقلب الصفحات وكأنها أثقل من جبل رضوى، وما تكاد تسير قليلا إلا وتترك الكتاب جانباً، وهذه إحدى أسباب وأسرار الذين لا يستطيعون إنهاء الكتاب.
والعجب أن تجد كتابا ملتهبا مضطربا يتأجج نارا فإذا الذي يقرأه باردا ساكنا خامدا، فكيف بالله عليكم تكون القراءة خصبة مثمرة!! إن برود القارئ سيطفئ نار الكتاب ويسكن تأججه، وستكون قراءة جديبة قاحلة ماحلة لا حياة فيها ولا موت، فبرودة القارئ أطفأت نور الكتاب ومزقت روحه، واستحال نار الكتاب رمادا بسبب برودة دارسها.
النفس الخامدة لا ينبعث منها سؤال بل تغلق الأسئلة وتحتجزها لتكون بعيدة عن التناول، فمن أراد أن يسأل الكتاب ويحاوره عليه أن يقبل على الكتاب ونفسه راغبة، ومن لم تكن نفسه مقبلة راغبة فلا يبتعد عن الكتاب بل يقرأ ولكن يقرأ ليوقظ نفسه، فبعض النفوس لا تتحرك وتثار إلا حين تمسك الكتاب، فتنشط وكأنها بأخذها للكتاب قد تناولت منشطات توقظها من سباتها.
ومما يثير النفس ويجعلها تقبل على الكتاب في حالة نشطة قراءة شيء عن الكتاب، أو الاستماع لحوار حول الكتاب، فالنفس حين تسمع الآخرين يتكلمون عن الكتاب فإنها ستنشط لقراءته وستتناول الكتاب وقد تشكل في ذهنها بعضا من الأسئلة، ولعلك تجد أن الكتاب الأكثر مبيعاً هو الذي كان أكثر تسويقاً ودعاية وإثارة، فتقبل عليه النفوس راغبة باحثة عن الأسئلة التي ذُكرت حوله وباحثة عن الأسئلة التي تشكلت في الذهن من خلال ما سمعت وقرأت عنه ..
لا زال الحديث ذو شجون ولا أرغب أن أطيل عليكم .. فلعلي أكمل لاحقا .. وتحياتي لكم
نشاط النفس وتفاعلها، وإقبالها وإدبارها في حالات يكون خارجا عن رغبة المرء وإرادته، فالنفس في حالات تكون عصية على الانقياد، والإنسان بنفسه بصيرة فيمكن في حالات أن يطوع الإنسان نفسه ويقودها حيث شاء، ولعل اللطف بالنفس وأخذها بتلطف في هذه الأمور أمر ضروري.
الخواطر
العلم ينمو ويقوى بالمناقشة والطرح المتبادل ،فمناقشة ما تعلمه الشخص هو نوع من التعلم. فالأفكار لا تنمو فقط بالقراءة ولكن بالحوارات والمجادلات والمناظرات، وتاريخ البشرية يظهر لنا كيف أن الحوارات ولدت كثيرا من الأفكار.
وتكون المناقشات مثمرة إذا كانت مؤسسة على آداب المناقشة ، فلابد أن تحدد المسألة المتحاور حولها تحديداً دقيقاً، وأن يكون تبادل الحوار بكلمات واضحة بينة مفهومة ، وأن يترفع المتحاوران عن السخرية بآراء بعضهما، والالتزام بالإنصات دون المقاطعة حتى تصل الفكرة تامة، فعرض الأفكار يتطلب جواً هادئاً بعيداً عن التشويش كي يصل المرء إلى غايته المنطقية. ولهذا يحسن أن يكون هناك رفقاً وتلطفاً في العبارات لتنطلق الأفكار بشكل منتظم يمكن أن تصل للمستمع بصورة واضحة.
لا نستطيع تحديد نقطة على خريطة إلا بالنسبة لنقطة أخرى، فلفهم أعمق يتطلب أن نفهم السياقات والأحداث الجانبية، فنزع كلمة من سياقها يعطيها معنى آخر قد يكون معنا مناقضا، والتفكير دون قراءة لمحيط الحدث يعطي نتائج غير صحيحة. ولن تكون النتائج صحيحة إلا إذا أدخلنا عامل الزمان والمكان في الإطار الفكري. وقد قال بعض الفلاسفة:” أن لحظتين من لحظات التاريخ لا يمكن أن تتشابها مطلقا” إلا إن عدم التطابق لا ينفي وجود نوع من التشابه.
أخذت أتأمل في نبتة نبتت وكبرت بجدار منزلنا الأسمنتي، فذهبت لأنزعها فلم أقوى على ذلك إلا بعد قطع أغصانها وفروعها فرادا ثم تمكنت بعد ذلك من نزعها. والأمر المستغرب كيف نمت على جدار مبني من الأسمنت؟ وخصوصاً عند بدء نشؤها فهي صغيرة جداً لا تقوى على ذلك. ولا ريب أنها وجدت هناك فراغات بين حبات البلاط استطاعت من خلال هذه الفراغات الكبيرة أن تنمو جذورها وتستقوي فروعها حتى كانت نبتة قوية. وإن أخذنا هذا المثل الحسي ونقلها لواقع حياتنا لوجدنا أن أهل الشر لا يستطيعون يعملون إلا من خلال التصدعات والتشققات التي تحدث بين أهل الخير، والباطل لا ينفذ بقوة واندفاع ولكن برفق وتدرج حتى لا يشعر به أحد. ونحن بتنازعنا وخصامنا وتفرقنا نمنح للباطل فرصة النفوذ وبناء مستوطنات لا يمكن إزالتها حينئذ إلا بمشقة عالية.
::خاطرة::
كتابي هو نافذتي الصغيرة لهذا العالم، وفي كل لحظة أرى مشهدا مختلفا، أحيانا أُسر بما أرى وأحيانا استاء واتذمر، فمشاعري وعواطفي وانفعالاتي تتجاذبها وتسوقها المشاهد التي أراها بعين فكري.
الكتاب ليس حروفا مرصوصة بل صورة منسقة منتظمة، وجمال هذه الصور وقبحها، لا ينبعث فقط من ريشة راسمها؛ بل أيضا من فكر قارئها، فصور الكتاب تنشأ من مزيج من الكاتب والقارئ، فإن اتفقا في المزاج كانت الصورة فاتنة ساحرة، وإن اختلافا في المزاج كانت الصورة بشعة دميمة، وما ترك الناس الكتاب إلا إنهم في غالب أحوالهم لا يحسنون صنع الانسجام مع الكتاب فتتولد في أذهانهم وحشة من الكتاب ونفرة.
الكتاب لا يمكن أن يقرأ مالم تصنع منه لوحة فنية تشاهده بعينك وتلمسها بيدك، فإن عجزت عن رسم هذه اللوحة فسيبقى الكتاب ثقيلا مملا لا طاقة لك على حمله.
حديث الأصدقاء إن لم يكن فيه ألفة واستئناس للنفس فلا يعد حديث صحب، فالصديق ما كان صديقا إلا ليكسر شدة الحياة وبؤسها، فحياة المرء لا تخلو من الاغتمام والإبتأس؛ والصاحب أن كان جامدا متحجرا فهو قذى، فالصداقة بشاشة وهنا، وإحساس مرهف بحال الصاحب، فإن راه ساكتا أنطقه، وإن راه واجما ابهجه، وإن لمس منه أسى لم يدعه حتى يتهلل فرحة وسرورا…
وفي حياتنا المعاصرة أصبحت الحاجة فيها للصديق أكثر من قبل، فليس صحيحا أن التقنية أغنت الناس عن الناس، بل جعلت الناس أشد حاجة للناس، فالتقنية آلة صماء لا تدرك معاناتنا ولا همومنا، بل هي تزيدنا هما على هم، فهي لم تفتأ أن تحشو عقولنا بالمعلومات وتفرغ فيها أخبار العالم وأحداثه، وهي أحداث غالبها الحزن والألم، فأي تقنية هذه التي نعيش معها!! اشقتنا أكثر مما أسعدتنا فلم نعد ندري ماذا نريد، فسلبتنا من ذواتنا لتقذفنا في متاهات لا طاقة لنا بها.
التقنية لا تغنينا عن الصداقة الحسية، عن صاحب أحدثه ويحدثني، يشعر بمشاعري واشعر بمشاعره، فالإنسان مهم بلغ من التطور والحداثة يبقى كتلة من المشاعر والعواطف لا تألف نفسه وتسكن مع المادة مهما تطورت هذه المادة؛ بل مع إنسان مثله.