ما أنتجه العقل البشري هو أمر مذهل للغاية، فقد ذهب الإنسان في تقدمه لمواطن بعيدة، فحلّق في السماء، وغاص في أعماق البحار، واكتشف الشفرة الجينية للإنسان، واختراع أجهزة الاتصال الخ، وتعداد ما أنجزه الإنسان يطول فيه البحث، وإذا استمرت البشرية في توسيع المعرفة دون تدخل كارثي، فإن معدل التقدم سيستمر، ولكن هل سيستمر هذا التقدم للأبد؟
إن العقل البشري محدود، وقدراته كذلك محدودة، ولكن أحداث الكون غير محدودة، والعقل يتفاعل مع أحداث وأبعاد لا تنتهي؛ وهذا يجعل العقل البشري في حالة انتاج وتطوير؛ فكل ثورة معرفية أو تقدم علمي جديد يفتح معه مجموعة واسعة من المشاكل التي تتطلب حلا لها، والبحث عن الحل يحفز الإنسان ليبتكر طرقا وأدوات جديدة ليجد حلا لمشكلته؛ مما يجعل الإنسان يسير دوما نحو الأمام، فتستمر عجلة التقدم دون توقف.
ولا يكون فقط التطور في المعرفة الإنسانية؛ بل حتى في الأدوات والوسائل التي يعمل عليها الإنسان، فيعمل الإنسان بجهد لتطوير الأدوات بشكل أفضل وأكمل مما سبق كي تناسب التقدم الذي يحدثه.
والتقدم التقني أو التقدم في الأدوات هو أسرع بكثير من التقدم الاجتماعي أو السياسي، فحركة التغير الاجتماعي حركة بطيئة تعتمد على تغيير القناعات بينما التغير الآلي سريع لأنه يعتمد على تطوير النظريات العلمية، بالإضافة لحاجته الماسة في تطويرها. فلا يمكن للإنسان أن ينفك عن التقنية، فهي ستكون معززة ودافعة له نحو التقدم، فكلما استمر التقدم التقني والآلي كلما استمر الإنسان في حالة سير للأمام حتى ولو بدون غاية أو هدف سوى هدف التقدم والتغير.
وكذلك الصراعات والحروب والأمراض والحاجات المالية كلها عوامل محفزة للتطوير في البحث العلمي، فالعلاقة بين التطور العلمي والحاجة الإنسانية علاقة طردية. فتباطأ التقدم البشري وتسارعه يعتمد بشكل أساسي على التقدم العلمي، وتعمل الحاجة الإنسانية على دفع التطور العلمي نحو التقدم.
إن غريزة حب البقاء لدى الإنسان ستكون إحدى الدوافع القوية لجعل الإنسان في حالة بحث لتحسين وتطوير حياته، فسيبقى يبذل قصارى جهده ليقضي على الأمراض، وسيبذل ما يستطيع ليزيد من رفاهيته، وهذه لا تجعل الإنسان يكتفي بما وصل إليه؛ بل سيكون في حالة تطلع دائم لمزيد من التطوير والترقي.
ولعل من إحدى أسباب التقدم هو التنافس نحو السيطرة، فالتنافس يجعل الشركات في حالة تطوير لمنتجاتها، وتحفز الباحثين لمزيد من الاكتشافات، فكل منتج يفتح كوة لمنتجات أخرى، فالتنافس عامل مهم في تطور الأمم ونهوض الحضارات.
إذًا التقدم البشري عجلة لا تتوقف، وكل شخص يدفع هذه العجلة، فالمعلم يحث على التقدم والتطور، والاقتصادي يسعى للتطور لمزيد من المال، والسياسي يبحث عن التطور لتحقيق الأولية في عالم المنافسة، ورجال الفكر في حالة بحث لإجاد حلول للقضايا التي تتولد نتيجة التقدم، فالكل مندفع نحو التقدم، وهذا ما يجعل التوقف أو العودة للوراء أمر متعذر.
لذلك القول إن الإنسانية قد بلغت ذروتها في التقدم هو كالقول بنهاية التاريخ، فكلاهما غير صحيح، فالإنسانية هي في مرحلة متقدمة ولكنها لم تصل للنهاية، ولا يكون هناك نهاية إلا بالقضايا على البشرية، فالأفكار لا زالت تتوالد، والتدفق المعرفي لا زال في جريان مستمر.
وهنا نتساءل: هل التقدم البشري سيجعل الإنسان أكثر إنسانية أم أقل وذلك في الناحية الأخلاقية؟ وهل سيكون الإنسان مع التقدم في حالة أمان أم قلق وخوف؟ وما المجال الذي سيكون أكثر خطورة وضررا في حالة تقدم البشرية؟ وهل التطور البشري سيتناول الإنسان في ذاته فيحدث تغيرا في جيناته؟