هل تخلو حياة الإنسان من الابتلاء؟ قطعا لا، فالابتلاء شرعة هذه الحياة، وهو أمر لازم للإنسان لا يسلم منه أحد، وادعاء بعض الناس أنه لم يصبه بلاء، وإن حياته معافاة من الابتلاء، يدل هذا القول على عدم معرفة ما معنى الابتلاء، فالابتلاء لا ينحصر في الأشياء المادية، بل يشمل الأشياء النفسية والقلبية، فالحسد والكبر والعُجُب الخ هو ابتلاء قلبي لا يدركه كثير من الناس.
مفهوم الابتلاء لا يقتصر على الإصابة في البدن أو المال؛ بل نرى الله تعالى ذكر أن صور الابتلاء متعددة “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين” فالابتلاء يدخل في المشاعر، فحالات الخوف والجزع والحزن هو من الابتلاء الذي يتطلب الصبر.
ولعل المرء يتساءل لماذا الابتلاء؟ والجواب على هذا السؤال يطول ولكن اختصارا، الابتلاءات توقظ النفوس من غفلتها، فالشدائد تجعل المرء ينظر للحياة بطريقة مختلفة، فالحياة لا تسير على نمط واحد؛ بل هي في تغير وتبدل، وكل ما يحيط بنا في هذه الحياة يمثل لنا تحديا يجب أن نحسن التصرف معها، وحين يعلم المرء أن الحياة يكتنفها الابتلاء فإنه يتهيأ نفسيا في تقبل حوادثها وابتلاءاتها بقوة وثبات وصبر، فلا يسقط في اليأس أو العجز؛ بل تراه يقاوم هذه الابتلاءات ويتجاوزها بنفس رضية دون أن تحدث له آثارا سلبية.
إن أقسى ما يواجه الإنسان أن يسقط في ابتلاء ثم لا يحسن التعامل معه، فقد تصيب الإنسان جائحة مالية، فتجد أن الأمر لا يقف الأمر عند الخسارة المالية؛ بل يتعدى ذلك إلى انهيار نفسي حاد يؤثر على تفكيره وتصرفاته، فلم تقف المصيبة عند المال بل تجاوزت المال إلى النفس والسلوك، ولو كان مهيأ لمثل هذه المصيبة لبقيت المصيبة في حدود المال، وبقيت نفسية قوية سليمة قادرة على اتخاذ حلولا صحيحة في تجاوز الأزمة، فالشعور بالابتلاء يهيئ الإنسان مسبقا في تقبل المصائب التي لا يسلم منها أحد.
ولقد أعجبتني مقولة ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه. فهذه العبارة تبعث الأمل في النفوس، وتشعرنا أن المصائب التي تأتينا لها أمد وتنقضي.