اللحظات القاسية هي اللحظات التي يستولي فيها الملل علينا، فحين يتسلل الملل للنفس، فإن الإنسان تنقبض نفسه، ويضيق مما حوله، فيترك ما يعمله، فإن كان يقرأ كتابا ألقاه جانبا، وإن كان يتصفح الانترنت اغلقه، ولا يجد رغبة في الجلوس مع أحد، لحظات مريرة تتعب الإنسان حتى تنقضي، فالملل إذا تسرب للنفس وعاودها فإن كل شيء يصبح لا روح له ولا جمال فيه.
الملل يعتري كل شخص فلا يسلم منه أحد. ومرور الملل على الإنسان أمر طبعي، ولكن الإشكالية في استمرار الملل أو كثرة معاودته، فلو رأيت من نفسك كثرة الملالة، فقف وتأمل وأسأل: ما سبب ذلك؟ انظر إلى طبيعة حياتك لماذا يساورك الملل بكثيرة، هل جدولك اليومي مفعم بالعمل والنشاط؟ هل حياتك تسير على نمط واحد أم فيها تغيير؟
طريقتنا في الحياة إذا لم نعيشها بفن فإن حياتنا تكون مملة ومتعبة، لا يشترط أن يكون لديك مالا وافرا كي تنعم بحياة لا يساورك فيها الملل، ولكن ما يشترط هو أن يكون لديك قدرة في التحكم في مشاعرك، وقدرة في التنوع في سلوكياتك اليومية. التغيير والتجديد أمرا لازما كي تتخلص من الرتابة، ولا يكتفي التغيير في الأشياء والأدوات، ولكن لابد من القدرة على تغيير المشاعر، فحين يصيبك رتابة وسأم فغير مباشرة تفكيرك، فحقيقة الملل ينبعث من الداخل وليس من الخارج.
علينا أن ندرك أن الملل جزء من الحياة، فحين يصيبك الملل فلا تزيد الأمر سوءا بالاستسلام له أو اتخاذ وسائل غير شرعية في التخلص من الملل، حاول دائما أن تهدّئ نفسك وتلطّف ذاتك، فأنت قد تكون العدو الأكبر لذاتك أو المنقذ لنفسك من وضعها الممل، لا تقفل نوافذ الحياة ولا تنظر لها بيأس، ولا تتخذ قرارا سلبيا حال شعورك بالملل؛ ولكن تحمل ما تمر به بصورة إيجابية، فحين تواجه مللك بصورة إيجابية فإنه سريعا ما يتلاشى.
وما أجمل أن يكون للإنسان صديقا مقربا إلى نفسه، يبث له همومه وأشجانه، ويحدثه عما يجده في نفسه من ملل وضيق، فالصديق المحب لن يتركك تعاني الملل وسيعمل جهده في تخفيف ما تجد، ولن تهنأ نفسه حتى يراك مرحا خلي البال.
وإن خلت الحياة من صديق يأخذ بيدك فلا تقف مستسلما لمللك وضجرك، كن أنت طبيب نفسك، تخلص من مملك بشيء نافع، انطلق في عالم القراءة؛ فإنك واجد فيها المتعة واللذة، وقلما تجد قارئا نهما يشعر بالملل، فالقراءة تمضي بك نحو عوالم من المتعة الذهنية والإثارة الفكرية تنسيك لحظات الملل التي سيطرت عليك.