هناك من القراء ما يقرأ إلا ما اتفق مع فكره ورؤيته، فقلما يقرأ لمختلف، وكأنه بهذه القراءة أراد السلامة، ولعله وهم من الشيطان قذفه في عقول الكسالى، فالسلامة لا تأتي بالانزواء والانعزال؛ بل تأتي بالملاقاة والمواجهة، فترك معرفة الجديد والانصراف عن قراءة الغريب هو نوع من العجز المشين.
إن طلب المعرفة تُحتم على صاحبها أن يكون قارئًا نهمًا لا يزيح مجالات المعرفة من أجل الاختلاف في الفكر، فإن فعل فسيلغي كمًا كبيرًا من المعرفة ويكون إلى دائرة الجهل أقرب.
الانزواء المعرفي جعل كثيرا من القراء غير قادرين على اكتشاف دروبًا من المعارف البشرية، فالعالم ينتقل في مسارات معرفية متنوعة ومن طور معرفي لآخر وهو في غياب عما يجري حوله.
يجمل بالقارئ أن يكون ابن عصره، فمن ترك قراءة انبثاقات عصره ومنتوجات زمنه وبقي بعيداً عن المعرفة العصرية، ضعف فكره وأصبح عاجزًا عن انتاج ما يتطلبه العصر من علوم معرفية، فالفكر لا يقوى ويشتد إلا في متابعة الجديد، فالسلامة ليست في التنحي ولكن في لبس لامة المعرفة وإن كانت لدى المختلف، فالخشية الدائمة كأنها إشارة أن ما لدى المختلف أقوى مما لديك، وأنك على شفا جرف هار فأي فكرة أو مفهوم مغاير قادر على قذفك بعيدا عن قيمك ومعتقداتك، وهذا وهم مرده سوء ظن بنفسك وبما لديك من تصورات ومفاهيم.
والأسواء أن يترك قراءة المختلف بتصور أنه ليس لدى المخالف ما يستحق القراءة، فهذا الفهم في تجهيل الآخرين وتقزيمهم واعتقاد أنهم أقل مستوى معرفي هو بوابة كبرى للجهل.
القارئ الذي يسعى لبناء معرفة شاملة عليه أن يأخذ من كل ثقافة بحبل قصير أو طويل، وخصوصًا في هذا العصر الذي تداخلت فيه الثقافات وأصبحت المعرفة في متناول القاصي والداني، فكانت القراءة الشاملة هي بوابة لفهم الثقافات الأخرى.