يولد الإنسان وهو خلو من الفلسفات والأفكار ولكن لديه المبادئ الأولية في التفكير، فينشأ وهو قابل وقادر على تقبل الأفكار وفهمها، وخلال تنشئته يتبنى أفكارًا تدور حياته حولها، ويكون عليها سلوكه ومنهجه، وعلى ضوء هذه الأفكار يفسر، بوعي أو غير وعي، ما يجب أن يكون عليه الواقع.
وإذا أراد أن يتعمق في الأفكار والفلسفات فإنه يبدأ يدرس الأفكار وتاريخها، وحينها يدخل في صراع مع الأفكار في تحليلها وتفكيكها وتقييمها، وقد يفاجأ أن كثيرا من أفكار الناس كانت خاطئة وبعضها كان مضرًا.
ومهما كان فهمه كافيا عن أفكاره وأفكار الآخرين والواقع المحيط بتلك الأفكار فإنه سيدخل في جدل يظهر على شكل أسئلة عامة وخاصة، ويبقى ذهنه في حالة تساؤل دائم. وبالسؤال والجواب يزداد فهمه وتعمقه، فالسؤال هو بوابة الفهم والاستكشاف، فيطرح مثل هذه التساؤلات: لماذا نتبنى هذه الأفكار؟ هل هي صحيحة أم خاطئة؟ هل لها جدوى؟ الخ وهذه الأسئلة الفلسفية هي من المستويات العليا في إثارة الذهن نحو فهم الأفكار.
وفهم الأفكار لا يأتي عن طريق قراءة جزئية للفكرة، بل لابد أن تدرس الفكرة بصورة شمولية، فالأفكار غالبا لها جذور تنطلق منها، فهي كالشجرة العظيمة التي تتفرع منها أغصان كثيرة، ولها جذع ممتد في جوف الأرض يتفرع منه جذوع صغيرة، فأنت حين تدرس الفكرة لابد أن تعرف الشجرة ككل، فلا يكفي أن تأخذ ورقة وتدرسها دون معرفة نوعها وطبيعة تكوينها، ودون معرفة منشأها وأصولها التي خرجت منها، وتبحث عن سر بقاءها خضراء أو عن سبب سقوطها. وحين تحفر في الأفكار فإنك تستطيع إعادتها إلى أصلها ومعرفة حقيقتها.
إن الفرق بين الشخص العادي والمفكر، أن الإنسان العادي يكتفي بدراسة الورقة لوحدها، بينما الشخص المفكر يذهب لدراسة الشجرة بأكملها، فلا يذهب للجزئيات حتى يلم بالشكل الكامل للفكرة، وهذه الطريقة تجعله أكثر إلماما وتمكنا بالأوراق أو بالأفكار الجانبية، لأنه فهم البنية الكلية للفكرة.
ومع مزيد من التفكير والتساؤل يزداد تفهم الأفكار ويتجذر بعضها في النفوس حتى تصبح جزءا من كيان الشخص، فيجد صعوبة في التخلي عنها؛ بل قد يضحي بحياته أو ماله من أجل تحقيق أفكاره، فهي التي تدفعه نحو الفعل، وتجعله في حالة نشاط.