التفرغ الكلي لطلب العلم لا ينسجم مع طبيعة الحياة، وخصوصا الحياة المعاصرة، فلا يحسن أن أغلق على نفسي في مكتبتي واتفرغ للقراءة دون عمل، فما الفائدة أن أحفظ ما كتبه الأولون وأنا عاجز أن أنفق على نفسي وعلى أسرتي! وهل هذا ينسجم مع مقصد الإسلام؟
نحن حين نتكلم عن طلب العلم يجب ألا يغيب عن وعينا طبيعة الحياة التي “نعيشها” ولا نكون خياليين حتى يكون لكلامنا قبولا. فهل يعقل أن يقول شخص: اتفرغ تفرغا كليا لطلب العلم ولا انشغل بشيء آخر؛ لأن الانشغال بشيء آخر يؤثر على طلبي، ولي في ابن تيمية رحمه الله قدوة، فقد كان أخوه ينفق عليه، فسأكون مثل هذا الجهبذ وسأجد من ينفق علي، وأجلس في مكتبتي قارئا وباحثا!! ليس من منهج الإسلام ولا من مقاصده ترك السعي في الحياة والتفرغ للعلم دون وجود مصدر دخل يغني الإنسان عن المسألة.
إذا كان المقصود بطلب العلم هو حفظ المرويات، وحفظ ما قاله من سبق، فهذه صورة متعبة مرهقة للغاية، فلو مكث فترة من الزمن دون مراجعة لنسي ما حفظه، فمرهق للذهن أن يبقى في بيته يراجع ما حفظه من متون وكتب.
العلم في تصوري ليس حفظا فقط؛ بل هو عملا وممارسة، هو فهم واستنباط، يحفظ المرء ما يتيسر له، ويعرف مقصد الشريعة، ثم ينطلق في ربوع الحياة، مشاركا فيما يقدر في مجالاتها، قادرا على أن ينفق هو على الناس، لا أن ينفق الناس عليه، قادرا على المزاحمة بفكره ورأيه، لا أن يكون صورة لمن قبله.
طالب العلم يجب أن يمارس الحياة بمرها وحلوها حتى يعرف كيف ينزل العلم على الواقع الذي يعيشه، فمن بقي في بيته يقرأ الكتب ويحفظ المتون وينفق عليه الآخرون فكيف يفقه واقعه ويدرك حقيقة الحياة التي يعيشها.
طلب العلم ليس بذاك التعقيد، والصورة المخيفة التي تقال وتردد عن العلم، حتى أصبح العلم أمرا مخيفا، سببها أننا جعلنا نماذج علمية تكونت في ظرف ما ونريد أن نكون مثلها، فجلعنا حقيقة العلم هو ما حققته تلك الشخصية، فهذه الطريقة غير منهجية ولا عصرية.