لعل السؤال عن معنى الوحدة أمر تفرضه الحداثة على الإنسان المعاصر؟ فهل الوحدة ضربة لازب؟ وهل يقوى الإنسان العيش لوحده بعيدا عما حوله؟ إذا كان لا يقدر على العيش لوحده فلماذا يبحث عن شيء يعجز عن تحقيقه؟ وهل للوحدة ألم؟ وإن كان لها ألم فهل هو ألم التمزق بين رغبة الوحدة ورغبة الجماعة؟ وهل لنا أن نقول إن الإنسان محكوما عليه أن يعيش ألم الجماعة وجمالها، وألم الوحدة وجمالها، ويبقى في حالة ذهابا وإيابا بينهما لا تستقر ذاته.
عبارات قلقة محاولة وصف حالة شعورية لإنسان متذبذب بين الوحدة والاندماج، فتارة يرى الوحدة أنانية وتارة يراها شعلة تضيء نورا، وهذه صورة الإنسان ما بعد الحداثة وما بعد اللامعنى، فلا يكاد يجد لشيء معنى ولا يعرف أين يجد ذاته، فالتناقض هو المكان الذي يعيش فيه هذا الإنسان المفكر.
والوحدة بمفهوم آخر، ليست في غياب الناس وإنما في انعدام التوافق والانسجام في الأهداف والطبائع، فشعور الوحدة والغربة ينتاب الإنسان حين لا يجد من يشاركه في أفكاره، فهنا يرحل كارها للوحدة لعله يجد سلوته في هذه الحياة، وتكون الوحدة نجاة لأفكاره ومشاعره.
ليس كل جماعة لها جمال يحسن صحبتها، بل هناك من كان حديثهم زفرات متصلة وأنات متقطعة، فلا تسمع إلا تأوه وتوجع، فتارة يلعنون الزمان وتارة يشتكون الأنام فلا تسمع كلمة أمل، فرجائهم في المستقبل قد انقطع، وأمنياتهم ورغباتهم تلاشت مع زفراتهم وأناتهم، فهؤلاء تؤثر الوحدة على الاجتماع معهم.
الوحدة اختيار ذاتي وقد تكون لحاجة لا يُعرف سببها وإنما شيء يجده المرء في نفسه فيندفع نحوها. إذ تمر بالإنسان لحظات قاسية لا اختيار له فيها، فيهرب للوحدة متأملا أن يبقى على بعض ما يملك، يهرب لا ليحقق ذاته وإنما لينفصل عن واقعه، وتلك مأساة ألا تجد ذاتك في الواقع، مأساة أن تجد بعضا من ذاتك بعيدا عن واقعك، الوحدة جمالا حين تكون لتحقيق الذات وعذابا حين يُجبر الإنسان للبحث عنها، فإنه يشعر بالغربة والألم، ويسير ببطء وبدون وعي نحو اليأس الذي يزيده بعدا عن الناس، وربما يهوى في متاهات مؤلمة.