العنصرية خلاف الطبيعة البشرية فهي أمر لا ينسجم مع تكوين الإنسان خلقا وسلوكا، وهي قديمة قدم التاريخ، فاليونان قديمًا كانوا يقسمون سكان العالم الى قسمين: اليونان والأمم البربرية. والصين تنظر لغيرهم بأنهم بربر، فالتمييز بناء على اللون أو الانتماء العرقي أو القومي قديم في البشرية.
إن تستخدم العنصرية لشحذ الهمم ولمنافسة غيرها من الأمم أمر محمود، فهنا لا تسمى عنصرية وإنما هي دعوة لفئة بالعمل والتميز واستنهاض الهمة وتقوية روح الناس، ولكن أن يستخدم هذا التمييز في إقصاء وتهميش الآخرين والتعالي عليهم فهذه عنصرية مذمومة كريهة.
ولعل من شؤم العنصرية أنها لا تؤمن بحقوق الآخرين، بل لا تؤمن بكرامة الإنسان، فالرؤية العنصرية تقصر النظر على الذات، فالحق عند العنصري لا يتجاوز ما هو عليه. وهذا أشد مأزق أخلاقي في العنصرية أنها لا تسلك سلوكا إنسانيا في التعامل مع المختلف عرقا أو لونا.
والعنصرية من شؤمها أنها تفرق وتمزق المجتمع، وتجعل منه كيانات متباينة، فالعنصري قائم فكره على التمييز والتباين وليس على الاتحاد والائتلاف، فالعنصرية تعزز الانقسام وتفرز العداوة بين الشعب الواحد، وتثير النعرات في النفوس نحو الكراهية والفرقة.
العنصرية تنطوي على نوع من الغرور وتقديس الذات، حتى يشعر الإنسان أنه كيان متميز ومتفرد عن غيره، ويتوهم أنه مصطفى من الله تعالى، فيتعالى على الآخرين، فهي تحمل النفس على الكبر وازدراء الغير، وتجعل الإنسان يعيش حالة من السفه المذموم، يستنكف عن اتباع الحق، وقد كانت أحد الأسباب التي منعت قوم نوح من اتباعه هو الاستكبار وازدراء الآخرين، فقال الله تعالى عنهم: “فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين” وقال الله تعالى عنهم أيضا: “قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون” فكانت عنصريتهم سبب في انحرافهم، ولم يستجب نوح عليه السلام لهذا الخطاب العنصري، ورفض أن يطردهم ، وقال لهم: “ولكني أراكم قوما تجهلون” فوصفهم بالجهالة، فالعنصري جاهل بمعنى الإنسان وبطبيعة الحياة، وهذا أجمل أوصف للعنصري أنه إنسان جاهل.