الخلاف في الألفاظ أي الاختلاف في انتقاء المفردات هو أمر سائغ فلا مشاحة في الاصطلاح، فالخلاف اللفظي في الحقيقة هو ليس خلافا، وإنما اختلاف في الألفاظ والمعنى واحد، فتختلف التعبيرات ولكنها تدل على معنى واحد، وقد تحمل كل لفظة معنى ما ليس في الأخرى، ولكنهما لا يتنافيان، بل يشتركان في المعنى الكلي. لذا كان من المهم قبل الدخول في نقاش مع أحد أن تميز اختلافكما: هل هو من الخلاف اللفظي أو الخلاف المعنوي؟
لو دققنا قليلًا في اختلافنا أثناء حواراتنا لوجدنا أن أكثره خلاف لفظي، فغالبا أن المتحاورين متفقان في الرأي، ولكن كل شخص يستخدم ألفاظا مغايرة، أو كل محاور ينظر للقضية من زاوية مختلفة فيعطيها ما تستحق من ألفاظ، لذلك كان السؤال قبل الدخول في حوار، ما نقطة النزاع؟ فتحديد القضية المتحاور فيها مهم جدًا كي لا يحدث سوء فهم.
الخلافات اللفظية يجب ألا يحدث معها نزاع أو خصام؛ لأن ليس هناك شيء يختلف فيه، وإنما مجرد خطأ في الفهم، وخطأ الفهم يمكن التخلص منه وتجاوزه بالتريث والسؤال عن المعاني، لذلك فإن تحليل الخطاب وتمييز العبارات مطلب أساسي لمن أراد إحياء التوافق وبناء جسور من المودة مع من يحاوره. فمن المهم قبل الخلاف أن تسأل محاورك: ماذا تقصد؟ لكي تفهم العبارات على وجهها الصحيح، فاللغة واسعة واللفظة تحتمل أكثر من احتمال، واعتبار مقصد المتكلم أمر ضروري للتواصل الصحيح.
والسؤال عن المقاصد يكون في كل حوار ونقاش حتى بين الزوجين حين اختلافهما، فاختلاف الزوجين كثيرا ما يكون عن عدم فهم المقصود من الكلام، فيختلفان ويتشجران دون معرفة دقيقة بقصد الآخر، ولو توقف أحدهما وسأل: ماذا تقصد أو تقصدين بقولك؟ فلو عرفا المقصود بالضبط لربما انقطع الخلاف وتوقف الخصام.
محاولة تقليل الخلاف والبعد عن النزاعات والتصادم أمر مهم لراحة البال وسكينة النفس واطمئنان الخاطر، وخصوصًا في هذا الزمن الذي أحوج ما يكون فيه الإنسان للهدوء النفسي أكبر قدر ممكن من الوقت، فنحن نعيش في زمن أصبح القلق سمة لازمة له، فلا نزيد قلق الزمان قلق في الألفاظ.