فما الطيش إلا أن تراني صاحيا … وما العيش إلا أن ألذ فأسكرا
في البيت قلب الشاعر الموازين، فجعل فقدان العقل والسكر لذة، ولست أعلم أي لذة أن يفقد الإنسان أعز ما يملك حتى ولو بعضا من الوقت. وليت شعري ما الذي يزين هذا الأمر المستقبح عقلا وشرعا وطبعا! ماذا يغمر قلبه وعقله؟ وما حاله حين يفيق من سكره؟ هل يصيبه يأسا وقلقا أم يلحقه حالة من فقدان الوجود؟
ولا أعلم أي لذة في العيش وهو يتمايل دون وعي ولا إدراك! ويترنح يمينًا وشمالًا لا يثبت بنفسه، ولا يطمئن في مشيه، لو أبصر حاله لكره نفسه وازدراها أن أوقعته فيما وقع فيه. وإذا أسرف في شربه فيكون أشبه بالمجنون فلا تكاد تنفعه حواسه في شيء؛ فقد يخلع ثيابه ويلقيها جانبا ويسير عريانا، أو يطلق زوجته، أو يفشي أسراره التي أخفاها على الناس، أو يؤذي أحدا من الناس، أو يفعل فعل سوء لا يعرف عاقبته إلا بعد صحوه، وقد قيل للأمام أحمد بن حبل بماذا يعلم الرجل أنه سكران؟ فقال: إذا لم يعرف ثوبه من ثوب غيره. ونعله من نعل غيره. ويقول أحد الشعراء المخمورين:
لا يلد السكر حتى … يأكل السكران نعله
ويرى القطة فيلًا … ويظن الفيل نمله
وقد قال القرطبي واصفا حال السكران: “إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته، وربما يمسح وجهه حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله، ويقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له: أكرمك الله كما أكرمتني”. ومن قلب كتب النوادر والفكاهات واطلع فيها لوجد فصولا عن السُكارى تساق قصصهم للضحك والتسلية، ويربى بالإنسان بنفسه أن يكون أضحوكة للناس.
إن العقل نعمة كبرى، وإلغاء العقل بالاختيار نوع من الجنون، فالعقل زينة وجمال، والسكر خبال والهوس، فلا يصح التغني بفقدان العقل، ولا يصح التغني بما ذمه الشارع، فمدح ما ذمه الشرع هو نوع من المعاندة والمجاهرة بالسوء.