أرى الحياة ألحانا ندونها كآبة وحزنا حينما نكون تعساء، وندونها ألحانا عذبة موسيقية حينما نكون سعداء، فليس للحياة خط لحني فريد نتغنى به دوماً؛ بل نوتات متنوعة الإيقاعات، نشكل أنغامها لتهزنا بقدر ما تهزنا الحياة، فنكتب لحنا زلالا رقيقا يطربنا ويسعدنا أو لحنا كئيبا ثقيلا يبكينا ويحزننا.
من بؤسنا أننا إذا كنا سعداء لا نشدو ولا نتغنى لأننا نرى الحياة مثلنا لحنا عذباً مأنوساً، فنصمت لنسمع ما تشدو به الحياة من ألحان عذبة رقيقة، نبقى صامتين نتطرب لهذه الأصوات الجميلة، لا نشدو ألحاننا الجميلة فجمال الوجود يغنينا عن التغني.
وحين نكون تعساء ننحب بصوت شجي هائجا مائجا مختلطا مع صرخات ما حولنا التي امتلأت عويلاً وبكاء، فتعلو أصواتنا الكئيبة مع أصوات ما حولنا رثاء ونواحا، فلا نسمع للوجود صوتا يبهجنا ولا ترنيمات تنشينا؛ بل تأوهات وأنين يدوي مسامعنا. وبمقدار علو أصوات انتحابنا وبكانا بؤسنا بمقدار ما تزداد تعاستنا ليمكث معنا حزننا وألمنا أطول أمدا، حتى تكاد التعاسة والنحيب تكون جزءا من ذواتنا، فنظن أننا هكذا خلقنا تعساء.
أفكارنا هي التي تمزقنا وتشقينا، فنرى البؤس في كل شيء، نراه في ذواتنا ونراه في كل ما يحيط بنا، حتى غدونا لا نتسلى إلا بشقاء أنفسنا وشقاء من حولنا، تلاشت من أذهاننا كلمات الأمل والفرح وبقي لدينا فائض من عبارات اليأس والقنوط نفيض بها على من يجالسنا، نصنع البؤس بأيدينا لنطحن أنفسنا ونسحقها فنبقى أسارى لليأس والقنوط، أصبحنا نرى من ألقى علينا حديث اليأس أنه حصيف الفكر سديد الرأي نصغي إليه بلهفة وتوق، فألحان الشقاء لها وقع جميل في أسماعنا ، أصبحنا نتبادل حديث اليأس حتى يأسنا من بعضنا ويئست الدنيا منا ومن حديثنا.
إن كان الوجود قاتماً أفلا نضيء نوراً يبدد هذه العتمة التي تتراء لنا! أفلا نكون مصدراً للأمل في زمن اليأس! ألا نكون شعاعاً يبعث سنا يزيل ظلمات القنوط! ألا نشرق أسارير الاستبشار والغبطة لمن حولنا! كل ما أخافه أن نزيد العتمة سوادا وظلمة، فقتام الليل لا تجليه النفوس اليائسة.