أولًا: الرضا والاغتراب الإنساني
نحن نملك أشياء رائعة وممتعة للغاية ولكننا لا نبصرها . . . لأننا لا ننظر فيما لدينا وإنما ننظر فيما لدى الآخرين . .
التعاسة..أن تتخلى عما تملك لتصبح مثل الآخرين
ثانيًا: الذاكرة، الزمن، والإنسان المعاصر
أحيانا نرغب أن نهرب من ذاكرتنا، نريد أن نبتعد عن حاضرنا، لنبقى فقط في ماضينا . .
حاضرنا مزدحم بكل شيء، حتى ثقلت به ذاكرتنا، وأُرهقت منه عقولنا . .
حاضرنا لا تتوقف أحداثه، ولا تسكن أوجاعه . .
د كبّلنا، فلم نعد نرى هناك مستقبلا، فهو مستقبلنا . .
لست بائسا ولا يائسا . . ولست متفائلا ولا مؤملا . .
غدا كل شيء لي غريبا غامضا . . فالدهر متقلب متغير لا شكل له . .
تساوى لديَّ الضحك والبكاء . . وتماثلت البشاشة والتجهم . .
ثالثًا: الثقافة والوعي والمعرفة
المطاعم والمقاهي تزداد
والمكتبات تتقلص وتتراجع
ماذا يعني هذا ؟
أنا من مدمني قراءة الكتاب الإلكتروني، لكني لا أجد الكتاب الإلكتروني يغني بحال عن الورقي . . .
وجود المكتبة بحد ذاته ثقافة وإلهام .. المكتبة دلالة على الوعي . . .
رابعًا: الذات والآخر
الآخر لا يمكن أن ينفيك مالم يجد لديك قابلية للنفي، فإلغاء الذات ينبع من الذات نفسها، فحين تزدري الذات نفسها وتفقد ثقتها وترى أنها غير مؤهلة للمنافسة والتحدي وتذوب في الآخر، فهي قد أعلنت مسبقا بنفي ذاتها . . .
خامسًا: الفقه، التغيير، والإرادة
الغاية من تجديد الفقه هو حل المشكلات المعاصرة التي يواجهها المسلم وتحقيق مطالب الناس ومسايرة الأحداث والأعراف كي يكون الفقه صالحا لكل زمان ومكان، وليس الغاية من تجديد الفقه هو إعادة تشكيله وفق الرؤية الغربية، فالفقه الإسلامي له رؤيته ومنطلقاته التي بها يتجاوز الحضارة الغربية ولا يمكن أن تتفق معاييره مع المعايير الغربية .
التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة صادقة قوية، فإرادة الإنسان هي المنطلق والشرارة التي تحدث التغيير، فتغيير الأحوال والأوضاع متوقف على الإرادات والرغبات الذاتية ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” .
فحين ننشد التغيير دون إرادة ذاتية جازمة فنحن لن نحقق التغيير وسنبقى في مكاننا هذا إن لم نعود القهقرى .
سادسًا: السؤال، الفكر، والوعي الذهني
قد تمر بلحظات تشعر فيها بفتور في الفكر ولا تجد شيئا يثيرك . . .
هنا: اتجه نحو خلق تساؤلات حول كل ما تراه . . . فالسؤال عامل محفز للعقل ومنشط للفكر ومثير للذهن . . .
ثم اتجه من التساؤل في المحسوسات إلى التساؤل في المعنويات لتجد أن فكرك استعاد حيويته ونشاطه .
حين يخلو السؤال من عنصر الإثارة الفكرية، فإن الجواب سيكون بسيطا موجزاً بعيداً عن العمق الفكري، السؤال المبدع يخلق أفكارا مبدعة، ويجعل الذهن في حالة توقد وإثارة . .
لا يشترط في السؤال الذكي أن يكون بين شخصيتين؛ بل الأسئلة الذاتية المثيرة تخلق فكرا وقادا ذكيا . .
سابعًا: الترجمة، النص، والسلطة المعرفية
في المقارنة التاريخية بين ترجمة الإنجيل والقرآن إلى الإنجليزية نجد أن الترجمة المعتمدة للإنجيل كانت من قبل
شخصا من الرجال الدين والعلماء عملوا معًا لإنتاج عمل مترجم للملك جيمس الأول .. 47 مجموعة تضم
تمت إعادة ترجمة الإنجيل إلى الإنجليزية الحديثة من قبل مجموعة كبيرة مماثلة من الناطقين الأصليين بالإنجليزية .
وقد أطلق عليه اسم . 1649 بينما قام ألكسندر روس بطبع أول ترجمة للقرآن إلى اللغة الإنجليزية وذلك عام
“قران في محمد ، نبي الأتراك” . . .
روس لم يكن متخصصا في القرآن أو الحديث، ولم يكن يعرف اللغة العربية وإنما تمت ترجمته على النسخة الفرنسية. وقد أضاف رسالة بعنوان ” من المترجم إلى القراء النصارى ” . ، يبرر ترجمته للـبدعة المحمدية، كما ذكر، كي يرضي نقاده الذين غالبا ما يمنعون نشر هذا الكتاب الخطير .
ثامنًا: الإنسان، التفكك، والهوية
أحيانا أشعر أنني لا أفهم شيئا، وأحيانا أشعر العكس تماما حيث أشعر أنني العبقري الأوحد ولا اختلف عن أينشتاين في شيء، ولكن بصراحة الإحساس الثاني قليل جدا ما ينتابني، أكثر ما اشعر به هو الشعور الأول، وفي الآونة الأخيرة أصبح هذا الشعور لا يفارقني، لن أقول لا أعلم ما السبب ولكن سأقول لكم أن السبب هو: أنا . . .
الاعتراف بالحق فضيلة، فأنا سبب جهلي وسوء فهمي، فكثيرا ما أحاول أن أحلل ما أسمع أو أقرأ، أحاول أن أربط الأسباب بالنتائج، أو اكتشف ما السر المنطقي وراء الأمور.. فتكون النتيجة أنني لا أفهم شيئا، وكنت قبل أن أفكر أفهم ولكن بعد التفكير لم أعد أفهم شيئا، إذن أنا السبب، فلو لم أفكر لما حدث لي ما حدث . . .
معاناتي أنني أريد أعيش بعقلي، وأمران لا يمكن أن يجتمعا: العقل والزمن المعاصر، فإن أردت أن تعيش زمانك فلا تستخدم عقلك، وهذا خير لك، وإن أردت أن تعيش خارج الزمن فاستخدم عقلك، واصبر على نتائجه . . .
العالم يعيش فوضى فكرية وأخلاقية ويعيش حالة فقدان للذات، فهو في صراع مع ذاته ومع هويته ومع كل مكوناته، عالم أصح ما يقال فيه عن الإنسان ” الإنسان المتفكك ” فللجسد فلسفة، وللعقل فلسفة، وللروح فلسفة، وللنفس فلسفة، ولحياته فلسفة، ولكل شيء يعيشه فلسفة، لم يعد هناك شيء متحد، كل شيء متفكك بل ومتصارع، فهو يتمزق في كل لحظة، ويبتعد عن ذاته وعن طبيعته، ومن أراد أن يتعامل مع الأمر بمنطق وعقل، فلن يدرك شيئا، بل سيشعر بحيرة واضطراب، فالعالم يعيش حالة لا عقلانية، حالة تمرد على العقل والمنطق، فكل شيء لديه مباح وكل شيء محتمل، فلم يعد في فكره ثوابت ومنطلقات ومبادئ، بل التجرد من كل قيمة إلا قيمة الجنون واللذة .
ذكرياتنا هي أشياء خاصة بنا، فقط نحن الذين نتألم منها ونستمتع بها
تاسعًا: الأدب، السجن، والتجربة الإنسانية
كتاب ” ذكريات في منزل الأموات ” لدستويفسكي من أجمل كتبت يراعه، فهو يكتب مذكراته ويدون معاناته في السجن، يسرد ذكريات مروعة، فكانت العزلة الرهيبة تكاد تقتله، وكان رفقاؤه في السجن رجالا غلاظا أفظاظا لا يخالج ضمائرهم شيء من الندم .
تجربة السجن أثارت في نفسه تساؤلات عديدة، فأخذ يسأل: ما هي الجريمة؟ وما هو قدر الإنسان الذي تجاوز الحدود المحرمة؟ ويمضي دستويفسكي يهبط إلى أغوار النفس الإنسانية ويسبر كل ما في طبيعتها حتى يصل إلى نتيجة أن بذور الغرائز البهيمية موجودة في جميع معاصريه من الناس. ولكنه يكتشف في السجن أُناساً جوانب الخير لديهم أكثر من جوانب الشر.. إن الذنب والجريمة تحتل مساحة كبيرة من فكر دوستويفسكي، وهذا نتيجة معاناته الشخصية، فربما ليس هناك كاتب عانى مثل معاناة دوستويفسكي .
كتاب مذكرات من البيت الميت من أجمل ما تقرأ ومن أحسن ما كتب دوستويفسكي.
عاشرًا: الصداقة والبوح
حين تضيق بك الدنيا، وتشعر بألم يعتصر فؤادك، فمن الجميل أن تبوح ما في نفسك لصديقك المقرب لقلبك . .
ثرثر أمام صديقك، قل ما في نفسك، اخرج ما في صدرك، فالإنسان حين يضيق صدره يحتاج لمن يستمع له، وليس هناك أجمل من الصديق . .
لا تقل: إن ضاق صدرك عن سرك، فصدر غيرك أضيق.. لا تقل هذا، بالعكس، ستجد صدر صديقك أوسع وأرحب، ستجده يحتضنك بكلماته ويخفف عنك معاناتك.. لا نخون أصدقائنا فهم أغلى ما نملك .
الحادي عشر: السرد الشعوري
وعاد اللقاء
مكثت ثلاثة أيام وأنا هاجر قهوتي، لم أرتشف منها شيئا، مضت الأيام الثلاثة وقد كانت أياما قاسية فالبعد عن الحبيب لا يعرف قسوته إلا من ذاق مر الهجران. كانت أياما قاسية ولكن كان أشدها ألما يوم أمس، إذ جاءني دوار خفيف، وشعرت بشوق شديد لأنهل منها قليلا، كي يذهب ما بي من وجد، ولكني تصبرت وتخلصت من وهني وضعفي فلم استسلم لهذه النوازع والتي كأنها سكاكين تطعنني بين الفينة والأخرى لتذكرني بما هجرت، حاولت اتناسى وابتعد عن المواطن التي تذكرني بها، فلا يمكن أن اهجرها واعيش مع اطلالها، هجرت كل ما يذكرني بها، فكان لي حظ من النسيان، فنسيتها، أو غابت عن ذهني فترة، وما أن عدت للبيت إلا وتهيجت نفسي وعاد شوقي لها أشد شوقا من قبل .
انقضى يوم أمس وأنا على تجلدي وتمنعي، ولكن حدث اليوم ما لم يكن في الحسبان، إذ تضعضعت نفسي، وانهارت إرادتي، وتلاشت عزيمتي، وتحطمت أسوار المقاومة؛ فما أن ولجت بيتي ورمقت عيناي “دلة القهوة” وكأنها عروسا قد تزينت بأبهى حلة وأجمل زينة، فلم أقدر أن أغض بصري عنها، وكيف لي أن أغض بصري وهي قد ألقت بسهامها في قلبي! وكيف لي أن أتجاهلها وقد ألمحت لي بودها ورغبتها أن ألثمها! لم تقوى نفسي على المقاومة، فقربت منها وكأني طفل رضيع وجد أمه بعد حول من الزمان، فأخذت اغترف منها واجترع منها ما قدرت، مكثت أعاود الاحتساء والابتلاع حتى سكنت نفسي وذهبت لوعتها .
عدت لنفسي ألومها على هجرانها، وكيف طاب لي البعد والجفاء، وكدت أن أعاهد هذه المحبوبة أن لا اهجرها مرة أخرى؛ ولكن خشيت أن فعلت ذلك، أن تعلم مقدار حبي لها فلا تمنحني ذائقتها الفاتنة وعطرها الساحر، فسكت ضامرا عهدي بين جوانحي .
كلمة قتلتها
خرج وتركها وحدَها حين رآها لم تستطع أن تكمل حديثها؛ فقد كانت العبرات والتنهُّدات أقوى من أن تتغلَّبَ عليها، أجهشت بالبكاء بشدة، وانسكبت دموعُها بغزارةٍ دون توقُّف، أسكتَتْها دموعُها عن الحديث، كان بكاءً مريرًا، لم يحدث لها أن بكَتْ هكذا، فلم تكن تعرف حرارة الدمع إلا في هذه اللحظة، تشعُر أن كل ذرَّةٍ من جسدها النحيل تتمزَّق وتحترق، استرسلت في البكاء حتى قاربت على الانهيار والسقوط أرضًا، لا تعلم كم مكثت وهي تجهش بالبكاء، تبكي دون وعي، ولم تتوقَّفْ لحظةً حتى أسكتَها الإعياءُ، أنهكتْها العبراتُ، وأحرقت الدموع وجنتيها؛ فالموقف أشعلَها وأضرَمَها وآلمها بشدَّةٍ .
لم يكن يدر في خَلَدِها يومًا أن يُساورَ زوجَها الشكُّ فيها ولو لحظة واحدة؛ فضلًا عن أن يتَّهِمَها ويُؤنِّبَها ويُوبِّخَها ويشتمها، لم تتمالك نفسَها من الصدمة؛ فانهارَتْ من البكاء دون أن تقول حرفًا واحدًا، لم تتصوَّر أن يظنَّ بها زوجُها ظنًّا كهذا، إنه أمر مريع ومعيب ومخجل أن تستمع لزوجها وهو يصرخ في وجهها ويجرحها في شرفها، ويُؤثِّمها في أخلاقها، كانت دموعها هي سلاحها التي دافعَتْ بها عن نفسها لترُدَّ هذا الاتِّهام المشين، كانت دموعها تحرقها قبل أن تحرق زوجها، لقد تحوَّلت إلى قطعة من اللهب؛ فكل شيء فيها يحترق، فأنفاسها تشتعل في داخلها، أفكارها يأكل بعضُها بعضًا من شدَّة توقُّدها وسعيرها، تشعُر أن دمها قد تحجَّر وتحوَّل جمرةً ملتهبةً في بدنها، تهاوت وانهارت، فجثت على ركبتها كقطعة لظى لا حَراكَ لها .
مرَّت ساعات وهي في ذهول، ولم تفق من دهشتها وصدمتها إلا على يدي طفلها الصغير وهو يلمسها بأنامله الصغيرة، فأطفأت لمساتُه البريئةُ الحانيةُ لهيبَ جسدِها، وأعادَتْ إليها رُوحَها، فأفاقت من صدمتها ولم تفق! فهي بين المصدِّق والمكذِّب، احتضنت طفلها الصغير الذي لم يتجاوز العامين من عمره، احتضنته بشدة؛ فهي كانت تريد أحدًا يُطفئ حرارة جسدها ولوعة قلبها، كانت هي أشد حاجة لطفلها من حاجته لها، انسكبت الدموع مرة أخرى، وعاد نحيبُها دون وعي؛ ولكن هذه المرة كانت تشعُر بصوتها وبتنهُّداتها الحرَّى، كان طفلها كالبلسم على صدرها، تشعُر به يمتصُّ ما بها من جوًى وألمٍ، أخذت تنظر لصغيرها بشجن واشتياق، كأنها فقدت صغيرها أعوامًا ولم تجده إلا اللحظة، فجعة الموقف جعلتها تشعُر بتوقٍ وصبابةٍ إلى صغيرها، تنظر إليه لحظات، ثم تذهب تُقبِّله وتحتضنه معاودةً هذا الفعل دون شعور، حتى لمس طفلُها بعفوية خدَّيها، فهدأت قليلًا وسكنت حركتُها، توقَّفت لتنظر لصغيرها وعيناها تنسكب دمعًا، لم تَقْوَ على إمساكه، تحاملت على نفسها، وذهبت بطفلها لتجلس على الأريكة؛ لعلَّ نفسَها تسكن ويذهب ما بها من إعياء .
ألقت بنفسها على الأريكة وطفلها بين ذراعيها، لا تريد أن تتخلَّى عنه؛ فهو لم يعد طفلها بل هو الآن ترياق لأدوائها وبلسمٌ لجراحها الملتهبة، تناولت مناديل بجوارها ومسحت دموعها التي تنهمر دون توقُّف، ألقت برقبتها للخلف، وألقت بعينيها للأعلى، وأخذت تتنفَّس بعمق ماسكة طفلها بيدها على صدرها، مكثت هكذا حتى تراخت أطرافُها، وسكنت نفسُها، وخفتت أنفاسُها، شعرت وكأن الحياة عادت تسري مرة أخرى في جسدها، أخذت تنظر إلى طفلها وتحتضنه وتُقبِّله بشوق، محاولة أن تنسى جرحها؛ كي لا يهلكها الأسى، تُقبِّل طفلها وهي تتنهَّد وتئنُّ بين الفينة والأخرى .
ألقت بنفسها على الأريكة وطفلها بين ذراعيها، لا تريد أن تتخلَّى عنه؛ فهو لم يعد طفلها بل هو الآن ترياق لأدوائها وبلسمٌ لجراحها الملتهبة، تناولت مناديل بجوارها ومسحت دموعها التي تنهمر دون توقُّف، ألقت برقبتها للخلف، وألقت بعينيها للأعلى، وأخذت تتنفَّس بعمق ماسكة طفلها بيدها على صدرها، مكثت هكذا حتى تراخت أطرافُها، وسكنت نفسُها، وخفتت أنفاسُها، شعرت وكأن الحياة عادت تسري مرة أخرى في جسدها، أخذت تنظر إلى طفلها وتحتضنه وتُقبِّله بشوق، محاولة أن تنسى جرحها؛ كي لا يهلكها الأسى، تُقبِّل طفلها وهي تتنهَّد وتئنُّ بين الفينة والأخرى .
لا تعلم كم مضى من الوقت وهي تبكي، وضعت صغيرها بجوارها ونهضت بثقل شديد، وذهبت لتغسل وجهها وتشرب ماء؛ فلعل ذلك يبرد حرارة ما تجد، وقفت أمام المرآة تنظر فيها فعادت تنهمر دموعُها مرةً أخرى؛ ولكنها تحاملت على نفسها، وغسلت وجهها بماء بارد، محاولة عدم الالتفات مرة أخرى للمرآة، تناولت كوبًا من الماء وشربت بعض القطرات وتركته جانبًا، عادت لصغيرها والحزن يملأ قلبَها، جلست بجوار صغيرها وهي لا تعلم ما تفعل؛ ولكن بعفوية الأُمِّ حملت صغيرها واحتضنته مرة أخرى، وأجلسته في حضنها، وأخذت تُحدِّثه وقد اغرورقت عيناها بالدموع، قالت له بصوت أجش لا يكاد يُسمَع:
“ابني، حبيبي، قرة عيني، هل ترضى ما جرى لأُمِّك؟ هل سمِعتَ ما قال أبوك لي؟” حين قالت هذه الكلمات لم تتمالك نفسها، فخرجت منها زفرةٌ خشنةٌ قاسيةٌ أسكتَتْها لحظات، مسحت دموعها، وعادت لتُحدِّث طفلها: “حبيبي سامحني، أعلم أنك تتألم مثلي؛ ولكني يا ولدي أنا أحترق من داخلي، أشعر أن دمي يلتهب في عروقي، أحسُّ أن جسدي يتمزَّق، أني أتعذَّب يا بني، أنني أحترق بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى “عندها ألقت بظهرها للوراء، احتضنت صغيرها؛ كي يخفِّف ما بها من ألم، وهي تشعُر أنها بين نارين: نار زوجها التي أحرقتها، ونار رقَّتها على ابنها، فهي لا تريد أن تُعذِّب صغيرها؛ فهو لا زال زهرةً يانعةً، لا يقوى على رياح الحياة القاسية .
عادت مرة أخرى تكلم طفلها بحرقة شديدة؛ فهي تريد أن يسمع أحدٌ كلامَها، تريد أن تُخرِج ما في صدرها، تريد أن تصرخ بأعلى صوتها، وتقول: أنها مظلومة .
عادت تحدِّث ابنها : “ابني حبيبي، أُمُّك شريفةٌ طاهرةٌ نقيةٌ، أُمُّك لم تُدنِّس عرضَها، لو يحرقوني ويقطِّعوني ما لوَّثْتُ عرضي، ولا أُدنِّس سُمْعتي”، قالت هذه الكلمات وشعرت كأنها في محكمة أمام القاضي تثبت له براءتُها، وتعلن للعالم أجمع أنها إنسانة طاهرة من نجس المومسات
توقَّفت لحظات، وكأنها تقاوم ألَمًا شديدًا كان يسري بسرعة في جسدها، حاولت معاودة الحديث والألم يعصرها، قالت بصوت متقطع: “ابني، لم أكن أتوقَّع يومًا أن يشُكَّ أبوك فيَّ، لم أكن أتخيَّل أن يقول عني: أنني امرأة ساقطة”… سكتَتْ قليلًا بعد هذه الكلمة، وأجهشت بالبكاء؛ لكنها تحاملت على نفسها، واستمرَّت في حديثها لابنها: “أنا ساقطة، يقول عني ذلك؟! تخيَّل يا بني، لماذا؟ ما الذي رأه مني حتى يتهمني هذا الاتِّهام الشنيع، ويظنَّ بي السوء؟! لا أعلم. لقد أحببت أباك حبًّا أشدَّ ما تحبُّ النساء الرجال، لقد أحبَبْتُه من كل قلبي وجوارحي، أحبَبْتُه حتى درجة الهيام، أحبَبْتُه بكل عفوية وصدق، منذ اللحظة التي رأيت أباك فيها، سكن قلبي، ووضع رحاله في فؤادي، لم يسكن معه أحد، وإلى هذه اللحظة التي أراني أفقد فيها حُبِّي؛ أفقد حياتي، لم أعرف أحدًا سوى أبيك، لم يكن زوجي فقط؛ بل كان رُوحي، يا ألله! يا ولدي، كيف عذَّبني أبوك! كيف يقول لمن أعطته حياتها وملَّكَتْه قلبَها: إنها خانته! لا أُصدِّق ما سمِعتُ! أشعُر كأنني في كابوس فظيع، أشعُر أنني أتخيَّل وأحلم، لا يمكن أن يقول عني ذلك!”، انقطع صوتُها تمامًا، أخذت تبلع ريقها بصعوبة، وشعرت بدوار شديد، أمسكت رأسها؛ كي تخفِّف الألم، اشتدَّ عليها التنفُّس، وزاد ضيق صدرها، فلا تقوى على تَتَابُع التنفُّس؛ لكنها لا تريد أن تسكت، تريد أن تُخبر ولدها الصغير بكل شيء، تريد أن تقول له: أنها عفيفة طاهرة نقية، تشعُر أن لحظات حياتها انقضَتْ، فقد قتلها زوجُها، تحاملت على نفسها، وقالت بصعوبة بالغة: “ابني، قرة عيني، لا تشُكَّ فيَّ يا بني؛ أنا إنسانة عفيفة شريفة، ابني حبيبي، الإنسانة الطاهرة لا تتحمَّل أحدًا يقول عنها ذلك، المرأة الشريفة تموت حين يتَّهِمُها أحدٌ بذلك، المرأة النقية أعزُّ ما تملك هو شرفُها، شرفُها هو حياتُها، ابني حبيبي، إذا كبرت غدًا وسمِعتَ أحدًا يتَّهِم أُمَّك فلا تُصدِّقه، أُمُّك لا يمكن أن تُدنِّس عرضَها، أُمُّك تبيع كل شيء إلَّا عرَضها وكرامتَها، الرجال لا يعرفون المرأة، يظنُّونها خائنةً، يشكُّون فيها، يعيشون معها وهم مرتابون منها، يظنُّون أنهم لو يغفلون عنها لحظة لدنَّسَت شرفَها، لا يا بني، المرأة تموت من أجل شرفها، المرأة تُضحِّي بكل شيء إلا عِفَّتها“.
هنا توقَّفت تمامًا، وشعرت أنها ستسقط على الأرض، فالدوار اشتدَّ عليها، وتشعُر بثقل جسدها؛ فلسانها ثقل للغاية، شعرت أنها تفارق الحياة، فقلبها الضعيف لم يَقْوَ على الصدمة، فهي رقيقة كل الرقة، مرهفة الحسِّ، لا تتحمَّل خدوش الحياة، فقد اجتمع فيها أمران: حبُّها لزوجها لدرجة الجنون، وضعفُ قلبها ورقته لدرجة التحطُّم والانكسار مع أدنى خدش، ضاق عليها التنفُّس، فأخذت تتنفَّس بصعوبة وبصوت عالٍ، خشيت على صغيرها إن هي فارقَتِ الحياةَ أن يموت صغيرُها، أخذت هاتفها وهي لا تكاد تمسكه، كانت ترفض الاستسلام والانهيار، كانت تقاوم بكل قوة، فتحت جوَّالها، وكتبت ويداها ترتجفان، لا تعلم لماذا اختارت زوجَها لتكتب إليه كلمات الوداع، انسكبت دموعُها بشدَّةٍ حين رأت اسمه، ازدادت رعشةُ يديها، قاومت بصعوبة؛ فهي ترى أنها اللحظات الأخيرة في حياتها، وكتبت: “زوجي، حبيبي، لقد قتلتني كلماتُكَ المتوالية، اتِّهاماتُك المتكرِّرة لي، كانت سهامًا ترسلها لتُمزِّق قلبي، لم أخُنْكَ يومًا ولا لحظة واحدة، لم أحبب أحدًا سواك، سأرحل عن هذه الدنيا وأنت الحبيب فيها، أشعُر أنها آخر كلماتي، صدِّقني لم أخُنْكَ لحظةً في حياتي، صدِّقْني، إنني امرأة طاهرة شريفة، ولو لم أكن كذلك ما قتلتني سهامُ كلماتِكَ. أرجوك: أخبر ابني أنني طاهرة نقية، دع ابني يفتخر بي؛ بل أنت افتخر بي، وأرجوك أن تصون عرضي بعد وفاتي، إنني أموت الآن؛ فلا تترك ابني وحده.
هنا سقط الجوَّال من يديها، وتراخَتْ أنامِلُها، ونظرت لصغيرها نظرةَ وداعٍ، وعيناها تسكبان الدمع، لم يمكث الدمع طويلًا؛ فقد توقَّف انسكابُه من عينيها، وتوقَّفَتْ أنفاسُها، ورحلت بحبِّها وجرحها .
الثاني عشر: إشارات فكرية قصيرة
مما قرأت: أولئك الذين يعرفون “ما ” يعملون فسيعملون بتفاني، وأولئك الذين “لماذا ” يعملون فسيعملون بذكاء.
اللحظة التي ترى فيها إنك اكتفيت … فقد انتهيت .
الشجاعة لا تعني أن لا تخاف … الشجاعة تعني أن لا يوقفك الخوف.
الثالث عشر: القراءة والنص
حين تقرأ كتابا، هل تتساءل أمام الكتاب: ماذا يقول الكتاب؟ أم ماذا يريد أن يقول الكاتب؟ هل تجرد الكتاب عن قائله؟
أم تجعله جزءا لا يتجزأ من القراءة؟ أي هل تقرأ وفي ذهنك الكاتب!
قضية معقدة وصعبة، هناك اتجاه يرى أن تترك
الكاتب وتتعامل مع النص مجردا، فعلاقة الكاتب انتهت بنصه، فوجود الكاتب في الذهن هو عملية تشويه للنص، لذلك دع الكاتب يفنى ويتلاشى حتى لا يعكر مسار النص. فالنص هو الذي ينتج معانيه. وهنا تكون القراءة مفتوحة للتأويل.
. وهناك من رأى عدم الفصل، فالكاتب يحمل فكرة يريد نقلها عبر كلماته، فأنت لكي تفهم الفكرة عليك أن تعرف الكاتب وتدرك واقعه وزمنه وتعرف منطلقاته، فالواقع الثقافي للكاتب مهم جدا في عملية الفهم. فالكاتب ضروري لتحديد معاني النص. وهنا تكون القراءة منغلقة محدودة التأويل .