أولًا: النظر إلى العواقب وسنن التاريخ
لا تقلقني كثيراً أحداث اللحظة، لأني ألتفت دائماً إلى ما بعد اللحظة إلى العاقبة، فأرى المشهد خلاف ما أجده الآن، اللحظة تكون مقلقة ومخيفة إن بقينا أُسارى لها، ولكن إن تحررنا من طيشها وعبثها وذهبنا إلى موطن استقرارها نجد أن المآل خير، والمآب نضر نهج بأذن الله .
ونشهد اللحظة الآنية أن الحضارة الغربية قدمت للبشرية إنجازات مادية رائعة مذهلة، ولكنها وللأسف سحقت أخلاق الإنسان ودمرت قيمه، وأصبح يعيش فقط خلف شهواته، فأصبح الإنسان مادي صرف، ولم تقف عند هذا الحد؛ بل طغت واعتدت واستبدت وظلمت وأرادت من جميع البشرية أن يسيروا وفق منظومتها الفكرية والأخلاقية، وأي حضارة تطغى وتتجبر وتجعل المصنع يسيرها والإنتاج يحكمها فإنها تدخل في دائرة الاضمحلال والتلاشي، ولكن وفق السنة الربانية سنة التدرج، فكما تدرجت في العلو فكذلك السفول يكون على مهل ولكنه حتما سيكون .
ولا تلبس علينا الظنون فنظن هذا القول هروباً من اللحظة الراهنة، وإنما تذكير للعاقبة والمآل، وأن المآل غير ما نراه، وعمل الشيطان أن يرسم مآلا مخيفا كي يجعل المستقبل موحشا مرعباً “ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً. يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ” .
ثانيًا: التغيير وسير الحياة
الحياة تظهر لنا أن هناك فئة تكره التغيير أو بالأصح تخاف منه خاصة إذا كانت الأمور تسير بسلاسة واتساق. فهي تعيش على وفق مبدأ: ” ليس بالإمكان أحسن مما كان ” وهذه الفئة في الحقيقة تجاهلت وتغافلت عن طبيعة الحياة وطبيعة الإنسان. فالإنسان لا يبقى على حال أبداً، فلابد أن يتغير ويغير ما لديه، والبقاء على ما كان يؤدي إلى الرضا الذاتي، وعدم الاكتراث بالتغيرات المحيطة؛ وبالتالي لا يستطيع بناء قواعد جديدة تواكب المتغيرات المستجدة، ومع مضي الوقت يكون السير القهقرى .
ثالثًا: الرفقة والعلاقات الإنسانية
من جمال الحياة أن تجلس مع رفقة تحادثهم وتسامرهم، فتشعر وأنت معهم كأنك قد خلوت بنفسك فترسل الحديث إرسالا دون خوف من نقد، ولا خشية من عتاب، تجدهم يأنسون بالاستماع لحديثك، فترى السعادة قد لاحت أساريرها في وجوههم، فتثار عاطفتك لتبث لهم أجمل الكلمات وأعذب العبارات، فتجد للمجلس صفو لا يرنّقه كدر، ولذة لا يكدرها ألم، وانبساطا لا يلوثها عصبية ولا جدل، فتود أن يقف الزمن عند هذه اللحظة .
إن ظفرت يوماً بهذا فقد وجدت رفقتك، فألزمهم فقلما يجد المرء رفقاء درب، ولا تجفاهم فالود لا يأتي مع الجفاء، وغض الطرف عن خطأهم وزللهم فحنانيك فالكمال عزيز، واعلم إن إبقاء الصديق لا يتطلب جهداً كبيراً وإنما صدق مودة، وإخلاص نية، وتبادل محبة .
رابعًا: السؤال والمعرفة
إذا كنت تسعى للحصول على معلومات والأمر غامض لديك، فمن الأفضل أن تبقي أسئلتك غير منظمة. كلما كان السؤال غير منظم، كلما زادت المعلومات التي قد تحصل عليها. وحتى في المحادثة مع الآخرين كلما كانت الأسئلة التي تطرحها غير منظمة، من المرجح أن يقوم الشخص الآخر بإدلاء وفرة من المعلومات .
ومن الجيد طرح أسئلة مفتوحة. ابتعد عن الأسئلة التي يكون الجواب فيها بـ “نعم ” أو ” لا ” . على سبيل المثال ، بدلاً من قولك لشخص: هل القرار الذي اتخذته جيداً؟ ليكن السؤال: كيف كان شعورك بعد اتخاذ هذا القرار؟ ثم يمكن استخدام إجابة الشخص كنقطة انطلاق لتفتح أسئلته أكثر تفصيلاً: لماذا اتخذت هذا القرار؟ أو ماذا تتوقع أن يحدث قرارك من تغيير؟
خامسًا: الإخفاق وأسبابه
معرفة سبب الإخفاق أمر ضروري لمن أراد النجاح والتغيير، فمن لم يعرف السبب فسيخفق مرة أخرى. ولكن المعضلة: هل معرفة سبب الإخفاق أمر سهل؟ هل من الممكن أن يدرك الأمر بسهولة أم يتطلب جهداً وبحثاً في الذات وفي البيئة وفي كل ما يحيط بالشخص من شخصيات وأحداث؟
ومما يستغرب له، أن هناك إجابات محددة ثابتة لمن أخفق عن سبب الإخفاق، فلو سألت شخصاً أخفق في أمر ما فقلت له: ما سر إخفاقك؟ فسيقول لك: لم أبذل جهدا كافيا. أو يقول: ما عندي الخبرة اللازمة. أو يقول: الأمر صعب وليس لدي المهارة المطلوبة. وبعضهم يعلق الأمر بقدر الله، فيقول: هذا أمر مكتوب لا مفر منه. فقلما تظفر بشخص أخفق قد مكث فترة من الزمن يدرس سبب إخفاقه دراسة علمية دقيقة، وإنما يعتمد الأمر على الانطباعات الذاتية ويجعلها مسلمات لا تقبل الجدل.
إحدى أسباب إعادة الخطأ وتكرار الإخفاق هو عدم وجود دراسة تحليلية منطقية علمية يعملها الفرد لدراسة سبب الإخفاق، وغياب الدراسة الحقيقية تجعل المرء يضع أسباباً قد لا تكون هي الأسباب الحقيقية للإخفاق. ونحن نبتعد عن دراسة سبب إخفاقنا، وذلك بسبب عجزنا وكسلنا واستعجالنا لتحقيق النجاح، فنفقد النجاح. لذا من المهم من أراد النجاح والفلاح أن يعرف “الأسباب الحقيقية” للفشل ويتجنبها، عندها سيضع قدماً راسخة على سُلم الفوز والنجاح.
سادسًا: كسب القلوب والحوار
ننتصر في مواقفنا وجدالنا الهامشي مع من نحب، ممتاز ورائع..
ولكن، كم حقق لنا هذا النصر الهزيل من فشل في علاقاتنا؟ كسب القلوب أولى من كسب المواقف .
حسن التخاطب مع الآخرين ليس من قبيل الترف الزائد؛ بل هو ضرورة. فالإنسان لا يعيش منعزلاً عن الناس، بل هو يعيش ضمن جماعة يخاطبهم ليلاً ونهاراً، فكان معرفة أساليب الخطاب ضرورة حياتية كي يجنب نفسه فشل التواصل مع غيره. حين يحسن المرء أسلوب الخطاب فإنه يكون قادراً على توصيل رأيه للآخرين بعيداً عن أساليب الإكراه والتطويع وكل ما يشير إلى عنف الخطاب الذي لا يبتعد كثيرا عن العنف الجسدي.
ومما يحزن الإنسان أننا نجد من يجعل الرأي حقيقة مطلقة، فإذا ألقى عليك رأيه فهو يريدك أن تقبل هذا الرأي كمسلمة لا تقبل الجدل، وقد نسي أن الرأي اجتهاد عقلي يختلف من شخص لآخر وقد يكون صائباً أو خاطئاً. لذا إذا رأيت شخصاً لم يميز بين الرأي والحقيقة العلمية؛ فنصيحة توقف عن مواصلة الحوار لأنك لن تخرج بثمرة وإنما بنزاع لا طائل من ورائه .
سابعًا: القراءة والذاكرة
إذا كان معك كتابك، وتشعر بالوحدة، فاترك الكتاب فهو لا يستحق القراءة .. الكتاب الرائع لا يشعرك بالوحدة.
حين تقرأ كتاباً أو شيئا ماً ثم يذهب، ما قرأت، من ذاكرتك فلا تنزعج كثيراً، فربما ذلك خير لك، فالذاكرة القصيرة تصنع لصاحبها مذهبها ومنهج تفكيرها، بينما الذاكرة القوية تبقى أسيرة لمحفظاتها فلا تكاد تتحرر من ثقل معلوماتها، فتظل تابعة منقادة لما رسخ فيها.
يظن كثير من الناس أن وفرة المعلومات تبني شخصية علمية قادرة على الفهم والاستيعاب، والأمر خلاف ذلك؛ بل الشخصية العلمية تبنى بالقدرة على تفكيك المعلومات وتحليلها، مع الحفاظ على الذات من الفقدان والضياع، فكثرة المعلومات تسلب هوية الشخص ويضيع بين المعرفة فلا يستطيع أن يحقق ذاته العارفة.
ثامنًا: الماضي والحاضر
أسوأ ما يكون للمرء أن يعيش في ماضيه، فيصلب عن حاضره، وينسى مستقبله فيبقى أسيراً لأحداث الماضي، فصورة الماضي عنده لم تمت ولم تفنَ بل لا زالت حية حاضرة في وجدانه بكل ثقلها وأحمالها وأعبائها. فتجده أسفاً متحسراً يئن حنيناً بعد حنين على ماضي ولى وانقضى.
ومهما كان الحاضر بائساً عابساً علينا أن نعيشه، فحلاوة الماضي وجماله لا تبيح لنا أن نتخلى عن حاضرنا، الماضي ينبغي أن يكون مادة استلهام واستبصار وليس مادة أسر وبقاء، فالحاضر لن يكون باسماً ونحن نزدريه ونهرب منه، بل لابد أن نقبل على حاضرنا وقد نزعنا رداء القنوط واليأس من على كواهلنا، فالإنسان هو الذي يصنع الأمل ويغرس اليأس.
تاسعًا: العقل والدين
لا يمكن للعقل أن يجيب على جميع أسئلة الإنسان، فالعقل محدود والأسئلة غير محدودة لا يمكن للحس أن يحتويها، لذلك لابد من الدين ليتجاوز المحدود ويجيب على الأسئلة الكبرى .
عاشرًا: الفضول والحركة
دائماً ننظر للفضول بأنه أمر سيء، ولكن الحقيقة إذا انعدم الفضول عند الإنسان فسيقف عن البحث والتعلم، الفضول ضروري لاكتشاف الجديد ومعرفة ما تجهل، لذا لا بد أن يكون للشخص قدراً من الفضول يحثه للتطلع والدخول في مغامرات جديدة .
كل حي متحرك هكذا قانون الحياة، فحين يقف القلب عن الحركة يهلك الجسم، ويلقى الفكر حتفه حين يقف عن الحركة، فيكون فكراً خامداً هامداً لا ينتج معرفة ولا يدرك ثقافة، ويبقى صورة عاكسة للعقول المتحركة، فغاية ما يفعل أن يتلقى الأفكار ويعكسها، فلا قوة له على توليد الأفكار وإنتاجها.
وقد قيل قديماً: الحركة بركة، العقول الساكنة بسكونها فقدت بركتها ونمائها وخصوبتها، وسارت خارج نسيج الحياة، فالحركة علامة الحياة، والحياة سلسلة من تتابع الحركات، والفكر الساكن سلسلة صامتة لا تتابع فيها. ولعل غياب صور الإبداع في مجالات الحياة يلمح لنا عن الحالة الفكرية الساكنة التي تكسونا.
حادي عشر: الإعلام والأخبار
في التواصل الاجتماعي ينتشر كل خبر، فدرجة التثبت تكاد تكون معدومة، فأي خبر يقال حتى ولو كان كذباً تجده يسير سريعا بين الناس كالنار في الهشيم، وهذه الحالة قد جاء ذمها في القرآن كما في قوله تعالى: “وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذَاعوا بهِ” أي إذا جاءهم أمر مهم يتعلق بالمصالح العامة يتعلق بالأمن، أو بالخوف وما فيه مصيبة فإنهم يشيعون هذا الأمر مباشرة، وكان الأولى أن لا يستعجلوا ويتثبتوا من الأمر.
ولا أعلم ما سر تسارع الناس وحبهم في نشر الأخبار، إلا إنهم يريدون أن يكونوا هم السباقين والرواد في نشر الخبر، دون الالتفات إلى الأثر السلبي للخبر. ولو توقف هؤلاء الناس من نشر الأخبار التي لا يعرفون حقيقة صحتها أو أثر نشرها، لوجدت عددا قليلا من الرسائل التي يتم تداولها، وكان ذلك أسلم للفكر وأزكى للعقل وأثمر للوقت.
ثاني عشر: الإرادة والبدء
أقصر الطرق لاكتساب الثقة هي أن تواجه ما تخشاه.
إذا أردت أن تتسلق جبلاً، فلا تظن أن الانتظار سيجعل الجبل ينخفض لك .. أو يصبح أصغر حجماً.. إذا أردت الصعود فلا تنتظر .. فقط استعن بالله ثم انطلق.
ثالث عشر: الفلسفة والعلم
حين تقرأ للفلاسفة تُصاب بالحيرة، والسبب يعود لحيرتهم واضطرابهم واختلاف تصوراتهم وتباين دوافعهم، فخذ مثلاً، “توماس هوبز” يرى أن الإنسان في جوهره أناني، ميال إلى التدمير، والوحشية. ونجد “جون لوك” يقول خلاف ذلك ويرى إن الطبيعة الأصلية للإنسان هي المسالمة، والنوايا الطيبة، والميل إلى التعاون مع الغير.
أي منهما نصدق؟ وأي منهما تصوره هو الصحيح؟ هنا لابد أن نضع الفلسفة جانباً ويتدخل العلم لكي يبرهن أي منهما صواباً، فالفلسفة تقوم على التأمل والقناعة الشخصية بينما العلم يقوم على الدراسة ووضع الفروض وتحليلها، فتبقى الفلسفة بحاجة للعلم كي لا تبقى في متاهة.
رابع عشر: التعلق بالممنوع
كنت أتأمل حين أباح الله لآدم كل ما في الجنة فقال: “وكلا منها رغدا حيث شئتما” ولكن منعه من شيء واحد فقط “ولا تقربا هذه الشجرة”، فأي ثمرة في الجنة اقطفها وكلها ولكن لا تقرب هذه الشجرة، فكانت نسبة الممنوع لا تبلغ واحد في المئة، يعني لا شيء تقريباً، ومع هذا تعلقت نفس آدم عليه السلام بذلك الممنوع والذي ربما أنها طعمها كان مريراً كالعلقم،
ربما. وهنا كان استغرابي وتعجبي، وهو تشوّق الإنسان للمحظور، وتعلقه بالممنوع، مع إن المباح قد يكون أجمل وأكمل وأحسن، فلماذا يزهد الإنسان بكمية المباح التي لديه وترغب نفسه وتتشوق بالممنوع عنه؟ هل هو الفضول الذي يدفعه نحو الممنوع؟ أم هي الرغبة في التملك؟
حقيقة لو اكتفى الإنسان بما أُبيح له وصرف فكره عن ما مُنع عنه لعاش في هناء، الممنوع قد يكون جماله فقط في منعه، فحين يذهب الإنسان للممنوع يكتشف مدى قبحه ودمامته وبشاعته، فتندم نفسه ويرى أنه جنى بيديه الشقاء، وأقول لمن أراد ترك التعلق بالممنوع؛ المسألة ليست صعبة أو معقدة، فقط يصرف فكره عن هذا الممنوع، فلا يفكر فيه ولا ينظر إليه، فخروج الممنوع من الذهن هو أول أبواب الإرادة وأقواها.
خامس عشر: اللغة والذوق التعبيري
قال أبو الفرج بن الجوزي: روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لرجل عرّس: أكان كذا وكذا؟، فقال: لا، أطال الله بقاءك، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد علمتم فلم تتعلموا، هلا:”قلت: لا، وعافاك
الله! وحُكي عن الصاحب بن عباد أنه قال: هذه الواو هنا أحسن من واوات الأصداغ في وجنات الملاح .