اليقين والسكينة: في رحاب العقيدة الإسلامية
جمال العقيدة
من جمال وكمال العقيدة الإسلامية أنها تمنح الإنسانَ الاستقرارَ والطمأنينة التي يفتقدها مَن لم ينل هذه العقيدة الخالدة، فهي تغرس في النفس اليقين الذي هو سرُّ سعادة الإنسان، فالمرء حين يفقد اليقين يعيش في شك والتباس يرمي به في متاهاتٍ من التيه والضياع، فلا يجد للحياة معنًى ولا للوجود قيمة، ويشعر أن الحياة عبث، وأن حياته هباءٌ لا طائل منها. ومن طاف بناظريه في كتب العقائد ونظر في الفلسفات والأفكار، وجد صور القلق والاضطراب والاختلاط تظهر بجلاء في أقوالهم، فلم تهنأ أفئدتهم بتصور واضح مكتمل لحقيقة الوجود ومعناه فهم في رَيبهم يترددون، فتصوراتهم الجاهلية لم تحقق لهم الاستقرار الذي يبحث عنه الإنسان في هذا الوجود. العقيدة منعَت الإنسانَ من التشرذم والتمزق، فهي وجهته نحو عبادة ربٍّ واحد، فلا تعدد ولا شركاء يتنازعون فيما بينهم، بل توحيد خالص من الشوائب، فيصرف فكره وقلبه ووجدانه لعبادة رب واحد، ربٍّ كامل في صفاته وأسمائه وأفعاله، فتستقر نفس الإنسان وتهنأ لأنها استقرت في وجهتها وخرجت من دياجير الظلام الفكري والعقدي إلى نور التوحيد المتلألئ طمأنينةً وسكينة. جاءت العقيدة الإسلامية لتجيب على الأسئلة الكبرى بوضوح وتناسق وبساطة، لتكون إجابتها إخراجًا للعقل البشري من تيه السؤال، فهي رحمة له، رحمة لعقله إذ منحته أجوبة لحقيقة الوجود، ورحمةٌ لضميره فلا التباس ولا اضطراب في معانيها، ورحمة لفكره من السير للبحث في مسارات لا يمكن للفكر أن يصل إلى نتيجة واضحة صحيحة دون وحيٍ رباني، فهي مخرج للبشر من الضياع، وتبصره لهم من عماية وغيِّ المجهول، فكانت الرحمة الكاملة للإنسان. العقيدة الإسلامية لا تجعل في حياة المسلم تصادمًا ونزاعًا مع الطبيعة والحياة، بل يراها كلها تحقق هدفاً واحداً، فكلها مربوبة لله تعالى خاضعة لإرادته، فيجد المؤمن انسجاماً بينه وبين ما يحيط به من كائنات. فيرى أن جمال الطبيعة وقوتها ودقة صنعتها من خَلْق الله تعالى، فلا يرى أن الطبيعة تفوقه أو أنها هي مصدر الوجود بل يتجه مع الطبيعة في عبادة الله وحده. وقد قال عليه الصلاة والسلام عن جزء من الطبيعة عن جبل أحد: «هذا جبل يحبنا ونحبه»، فالعلاقة ليست صراعًا وقهرًا، بل علاقة تآلف وتوافق. العقيدة تثبت في النفس أن هذه الحياة مؤقتة وأن هناك عالمًا آخر أزليًّا، وأن الحياة الحقيقية هي لذلك العالم الآخر، وهذا يجعل للإنسان عمراً آخر، فالإنسان يجب الخلود، ولكن الخلود في هذه الحياة مستحيل فهو يرى الموت يتخطف الناس، فحين يدرك بيقين أن هناك بعثًا ونشورًا وخلودًا، فإن نفسه تتعالى عن القيم الأرضية لترتقي وتتعلق بالقيم الربانية، فتسمو نفسه عن الشهوات والغرائب الزائلة لتبتغي تحقيق مرادات أعلى وأدوم، والمرء حين ترتفع نفسه عن النزوات والشهوات المحرمة فإنه يعيش حياةً إنسانيةً راقية، راقية في تصوراتها وراقية في سلوكها، وهذا ما تسعى له الحضارة المدنية التي عجزت عن تحقيق ذلك.
منهجية التفكير والبرهان
في التعامل مع الأدلة
مما لاحظته في بعض الردود في المسائل الخلافية هو: إبطال أدلة الخصم بالاحتمال، فيقول: أنا لا أقبل قولك لأن احتمال أن الأمر كذا وكذا، والحقيقة ما من مسألة إلا ويمكن ضع احتمال يناقضها، فما من أمر إلا ويتطرق الاحتمال إليه، ولكن هل كل احتمال يقبل؟ رد الدليل بالاحتمال دون دليل يسند الاحتمال هو إبطال للدليل بدون حجة، فالاحتمال ليس دليلاً، ولا يقبل الاحتمال إلا بدليل يعضده وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه. فلا يصح رد الدليل الثابت بمجرد توهم الاحتمال.
العبقرية بين الجفاف والضباب
نيتشه يرى أن العبقرية محددة بالهواء الجاف وبالسماء الصافية. لكني أرى الأمر خلاف ذلك: أرى أن العبقرية تولدها الأجواء الضبابية والسماء الملبدة بالغيوم، وربما ذهب نيتشه لهذا الرأي لأنه يفتقد الهواء الجاف والسماء الصافية، وذهبت خلافه لأني افتقد الأجواء الضبابية الخلابة والسماء المطيرة… والنفس تعشق ما تفقد. وتظن أن كل الجمال والحس فيما فقدت وليس فيما ملكت.
الذات الإنسانية والتغيير
ضرورة التعبير عن المشاعر
من الطبيعي أن تشعر بالخوف أو عدم الأمان أو القلق. هذه أجزاء أساسية من كينونتنا البشرية، ونحن دوماً نحتاج للتعبير عما يختلنا من مشاعر وأحاسيس؛ وإذا لم نفعل فإننا نخاطر بنفسيتنا وأفكارنا. وللأسف تصنف مشاركة المشاعر والأفكار للآخرين بالضعف العاطفي، وهذه التسمية تسمية خاطئة فهي توحي بالازدراء لمن شارك الآخرين بمشاعره، وقد تناسوا إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يرغب أن يبوح ما في نفسه للآخرين، ويتوق أيضاً للسماع منهم، فالبوح عن مكنونات النفس لا أراه ضعفا عاطفيا بل أراه ضرورة إنسانية كي يخفف الإنسان عن معاناته فتسكن نفسه ويكون قادراً على مواجهة الحياة بصورة أفضل.
قوة الفكرة الواحدة
قلما تجد شخصا يعيش لفكرة واحدة تكون هي مصدر إلهامه وسر سعادته وسبب معاناته إلا ويحقق هذه الفكرة، أن تعيش لفكرة واحدة يتطلب إيمانا عميقا بالفكرة، وإخلاصا متفانيا لها لدرجة التخلي عن كل ما يحيط بك من أفكار أخرى ولو كانت مثيرة وملهمة. من آمن بفكرة واحدة وضحى بكل شيء من أجلها فإنه ينجح في تحقيقها، الأفكار تتحقق حين يؤمن بها الشخص ويبذل كل ما في وسعه دون تردد أو وجل. لذا لا تشتت نفسك بين عشرات الأفكار؛ فقط أؤمن بفكرة واحدة جيدة واتجه لها بكل فكرك ووجدانك ومشاعرك وبأذن الله ستحققها حتى ولو كان الطريق شائكا وعراً.
مواجهة الأفكار المقلقة
أحد الأسباب التي تجعلنا نميل إلى التعلق بالأفكار المقلقة هو أننا نؤمن بالأفكار التي تثير فينا القلق على أنها حقيقية. وبدلاً من الاعتراف بأن هذه المخاوف هي مجرد أفكار تولدها عقولنا قد تكون أو لا تكون صحيحة، فنحن نؤمن بأفكارنا ونتعامل معها على أنها حقيقة. لذلك، فإن وصف فكرة ما على أنها مجرد فكرة هي طريقة جيدة لمنع نفسك من الانجرار وراء الأفكار التي تختلقها وتستجيب لها وهي غير صحيحة.
ديناميكية الأفكار والتغيير
حينما تكون عاجزا عن إحداث التغيير فإنك تنكمش على ذاتك وتتقوقع في صدفة أفكارك، خائفا على هذه الصدفة أن ينالها شيء من التغيير، فمن عجز عن إحداث التغيير فإنه قد لا يسلم هو من التغيير، فالثبات والسكون يكاد يكون صعبا أمام عجلة التبديل. الأفكار من طبيعتها لا تعرف الكمون ولا السكون فهي في حركة مستمرة ولكن لا تظهر حركتها إلا بعد مسير من الزمن، فيتبين للمرء أن أفكاره قد ذهبت في مسارات كان يرى أن تلك المسارات من أبعد ما تكون عن رؤيته وتطلعه. ثبات الأفكار أو تغيرها لا يُعد مدحا أو ذما في ذاته، ولكن مآل تلك الأفكار هو الذي يمدح أو يذم، وعدم قراءة الأفكار الذاتية ومراجعتها من وقت لآخر تجعل المرء يفقد خصوصيته الفكرية، فالأفكار من طبيعتها حين يبتعد الشخص عن قراءتها والتأمل فيها أنها تكون أجنبية عنه، ويشعر أنه ينقاد خلفها دون قدرة على تقويمها فضلا عن رفضها والبعد عنها.
الغوص في العالم الداخلي
نحن نهتم كثير بعالمنا الخارجي أكثر من عالمنا الداخلي، لأننا لا نرغب أن نغوص في أعماق نفوسنا، لا نريد أن ندخل هذا العالم المعقد الذي هو أشد تعقيداً من عالمنا الخارجي، نخشى لو ولجنا في أعماق ذواتنا أن نكتشف حقيقة أنفسنا .. فقد نجد أن هناك بؤر سوداء مظلمة تفوق بكثير النور الداخلي الذي نملكه. ولكن البقاء بعيداً عن معرفة حقيقة من أنا، يزيد المرء شقاء، والجهل الحقيقي أن تعرف كل ما يحيط بك ولا تعرف ذاتك. ولعل كثير من الأمراض النفسية والقلق الذاتي مرده الجهل بحقيقة النفس.
السلوك والعلاقات
تجاوز الخوف من الفشل
عندما لا تكون خائفا من الفشل، يمكنك تجربة كثير من الأشياء الجديدة وبالتالي تحقيق أهداف يعجز عنها كثير من الناس.
العزلة الحقيقية
العزلة المريرة ليست أن تعيش لوحدك ولكن أن تعيش بين أناس لا تجد لذاتك وجودا.
الصديق الخليل
الصديق الذي يتيح لك فرصة الإبحار في ذاته، ويجعلك تسير في عالمه بغير قيود ولا حدود، فهذا قد جعلك علقة من قلبه، فأجعله في سويداء قلبك، واتخذه خليلاً لروحك ولا تتجافى بقلبك عنه، ولا تتباعد بفكرك، فإن فعلت فقد نقضت ما أبرمت من الصداقة والوفاء.
في لوم الآخرين
إلقاء اللوم على الآخرين أمر سهل لمن كان مولع بانتقاص الآخرين وإظهار معايبهم، وغالبا من يسلك هذا الاتجاه من عجز أو فشل في أمر ما فكان هذا أيسر الطرق في التخلص من المسؤولية ومن فشله، وإلقاء اللوم على الآخرين لا يكلف عناء على النفس فقط جرأة لسان وموت ضمير. وربما يجد الإنسان له مكانا حين يسرف في تأنيب ولوم الآخرين، فالناس يرون في ذلك ظرفا وكياسة، وتتوق نفوسهم لمعرفة خطأ ونقص الآخرين، ولكنه في حقيقة الأمر هي منقصة في حقه، فكان الأولى أن يسد الخلل أو يستر الأمر. وهي منقصة له، فلقد أصبح كثير من الناس يدركون أن لوم الآخرين الدائم هو محاولة لإظهار الذات وإشهارها على أكتاف غيره. تبرئة النفس عمداً وإلقاء اللوم على الآخرين دلالة على أن المرء ضعيف واهن، وهو عاجز عن الاعتراف بخَوَره ونقصه، ولضعف شخصيته يحاول ترميم هذا الضعف بتكسير الآخرين وتحطيمهم، لذلك كان أبعد ما يكون عن محاسبة نفسه، وأشد ما يكون في محاسبة الآخرين. من الخير للمرء أن يقف عن لوم غيره بصورة جائرة، ويتجه نحو ذاته بالاعتراف أولا بخطئها وعجزها، ثم السعي للسيطرة على غريزة الأثرة وحب النفس، وتحمل مسؤولية خطأ أفعاله وأقواله، فأجلى عيب أن تلوم غيرك في خطأ أنت المخطئ فيه.
قيمة الذات
لا تتحدث كثيرا عن نفسك كي ترفع من قيمتها.. دع صفاتك الرائعة هي التي تتحدث عنك، الذهب علت قيمته ليس بسبب أنه يُدعى ذهبا؛ بل بما يملكه من خصائص ومميزات.
الحضارة والمجتمع
العلاقات التبادلية بين الحضارات
علينا أن ننظر للعلاقات بين الحضارات والأمم أنها علاقات تبادلية تكاملية، فليس هناك حضارة مكتفية بذاتها مستغنية عن غيرها مهما بلغت أي حضارة من التقدم فهي تبقى في حاجة للحضارات الأخرى. وربما قد يلامس بعض الأشخاص شعورا أننا بحاجة للحضارة الغربية وليست هي بحاجة لنا، وهذا الشعور غير صحيح، بل الحضارة الغربية في هذا العصر أشد ما تكون للحضارة الإسلامية فالغرب في حضارته قضى على أسمى ما في الوجود المادي وهو الإنسان، فقد جعل الإنسان سلعة رخيصة لا غاية لها إلا المتعة واللذة، فقضى على الإنسان روحا وشعورا، وأبقاه مادة هلامية محطمة من الداخل، فالغرب بحاجة للحضارة الإسلامية ليعيد توازنه في رؤيته للحياة والإنسان والخالق، فموت الإله وموت الإنسان التي يعلنها الغرب هي أزمة غربية عميقة لا تناسب الطبيعة البشرية.
مغالطة تقييم الحضارات
محاسبة حضارة بمفهومات حضارات أخرى هو نوع من التجني، فكل حضارة لها قيمها ومصطلحاتها وأسلوبها في الحياة، فجعل أساليب حياة حضارة ما هو المقياس وتُقيم الحضارات الأخرى وفق قيم تلك الحضارة أمر يدل على عدم وعي بمعنى الاختلاف ومعنى التكوين البشري. الأمم لا زالت مختلفة متباينة وتعتز وتفتخر بخصوصياتها وما يميزها عن الحضارات الأخرى، واقتباس خصوصيات الأمم دون اعتبار لتوافقها أو اختلافها لقيم الأمة دلالة على التبعية وعدم الاعتزاز بالخصوصية الذاتية مما يفقد الأمة القدرة على المحافظة على ذاتها، فالأمم تبقى حية بقدر تمسكها بثقافتها وقيمها المنبثقة من تكوينها المجتمعي.
أزمة التقدير الذاتي في الحضارة المادية
تظهر الدراسات أن الأمريكيين بشكل عام لا يتمتعون بتقدير ذات عالي. يعاني اثنان من ثلاثة من الأمريكان من مستويات متفاوتة من تدني احترام الذات. وهذه الدراسة في أثرى بلد اقتصادي وأقوى بلد حضاري تكشف التباين بين الحضارة المادية المبهرة في أمريكا وبين الإنسان الذي فقد تقديره وثقته في ذاته. ولنا أن نتساءل: هل الحضارة المادية فشلت في البناء الداخلي للإنسان؟ هل الحضارة الغربية حضارة آلة وليست حضارة إنسان؟
إتقان الطبيعة وعجز الإنسان
قال عالم الطبيعة رأي: “الإنسان يقوم على الدوام بتعديل وتبديل ما يقوم به من عمل، لكن الطبيعة تسير على المنوال ذاته، لأن عمل الطبيعة يتسم بالكمال لحد لا يصبح فيه للتعديل معنى. لا مجال للخطأ في هذا الكون العملاق. هل يمكن للإنسان أن يبدع مثل ذلك .. إنه أمر مستحيل أن نتخيل أن بني البشر قد خُلقوا بالصدفة …”
خاتمة
تُشكل هذه النصوص مجموعة متكاملة من الرؤى التي تتناول أبعاداً متعددة من الوجود الإنساني، بدءاً من عمق العقيدة الإسلامية كمرتكز للاستقرار النفسي والفكري، مروراً بضرورة النزاهة المنهجية في تقييم الأدلة، وصولاً إلى تحليل دقيق لديناميكيات النفس البشرية في مواجهة الخوف والتغيير، وفي بناء العلاقات السليمة. كما أنها تقدم إطاراً نقدياً للعلاقات الحضارية، مؤكدةً على التبادلية وضرورة الاعتزاز بالخصوصية الثقافية. إن هذه التأملات تدعو القارئ إلى رحلة داخلية وخارجية، هدفها تحقيق التوازن بين متطلبات الروح والعقل والمجتمع، والوصول إلى حياة إنسانية راقية ومستقرة.