في فلسفة المعرفة والمنهجية العلمية
هناك من يعرف العلم بأنه نور يقذفه الله تعالى في قلب العبد. وتعريف العلم بأنه نور يقذف في القلب، فيه إشكال، فالعلم له أدواته ومبادئه وأصوله وقواعده، فالعلم يأتي بالسعي، فالعلم بالتعلم، ولا يمكن للمرء أن يميز بين الحق والباطل إلا أن يكون لديه مقدمات يبني عليه، وهذه المقدمات هي العلم، فلكي يميز القلب بين الحق والباطل يحتاج لعلم، فصار التمييز ليس هو العلم وإنما نتيجة.
تعلق بعض الناس بالأفكار المادية غالبا ليس عن اقتناع علمي وإنما عن انبهار بالحضارة المادية، وهناك فرق بين الاقتناع والانبهار، فالاقتناع يأتي نتيجة دراسة علمية والتزام بالمنهج العلمي والبحث الموضوعي، وهذا لا تكاد تجده. أما الانبهار فهو نتيجة تهويل وتعظيم ينبعث من الذات دون دراسة لجذور الأفكار وإنما الاكتفاء بالمظهر الخارجي للحضارة المادية. ومن أثر الانبهار بالحضارة المادية أنه يجعل النفس تخضع وتستلم للفكر المادي، فيرى أن الحق وكل الحق في الحضارة المادية وهذه الرؤية باعثها الخضوع النفسي دون التحليل العقلي. ومشكلة هؤلاء المتأثرون نفسيا أنهم يفسرون التناقضات المادية والتصورات الخاطئة تفسيرا خاطئا، فهم يرون أن الخطأ في فهمهم وعدم قدرتهم على استيعاب الحضارة المادية، فهم يعودون التناقضات المادية إلى عجز تصورهم وليس إلى الحضارة المادية ذاتها، وهنا يكون الاستسلام المطلق الذي يكون فيه الشخص عاجزا عن النقد.
إن من انكسرت نفسه واستسلم للفكر المادي، فلا يمكن أن يستعيد ذاته إلا بالاطلاع الدقيق على جذور المذهب المادي، وأن يعيد لعقله سلطانه، فالنفس المسلوبة لا يمكنها أن تدرك الحقيقة فضلا أن تنتقدها وتتبرأ منها، فمن أراد أن يتخذ فكرا مغايرا فعليه أن يهضم هذا الفكر المغاير هضما دقيقا، ويفهم أسسه الفلسفة فهما دقيقا، ورحم الله تعالى أبا حامد الغزالي حين أراد فهم الفلسفة عكف على دراستها لأكثر من سنتين، حتى استوعبها وفهمها، وأصبح كواحد من كبار رجالها، يقول عن نفسه في كتابه “المنقذ من الضلال”: «ثم إني ابتدأت ـ بعد الفراغ من علم الكلام ـ بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً: أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم.. فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب.. ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه»، فلم يتبين للغزالي رحمه الله تعالى ما في المذهب الفلسفي من غوائل حتى فهم أسسه ووقف على أصوله، فالانبهار الخارجي دون إدراك ووعي لحقيقة المذهب تجعل المرء مسلوب القدرة على النقد والتقويم.
جدلية السببية بين الغزالي وابن تيمية
حديث موجز عن السببية
حين عرف أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى العلة بأنها الوصف المؤثر في الحكم لا بذاته بل بجعل الشارع. فهو بهذا التعريف يطرد مذهبه في إنكار السببية. فالغزالي رحمه الله تعالى لا يرى هناك تلازم بين السبب والمسبب، فهو يقول في كتابه “تهافت الفلاسفة” ص 237: “الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا؛ بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر مثل: الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار … وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه غير قابل للفرق؛ بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل … وهلم جرا إلى جميع المقترنات”.
فالغزالي يرى أن الاقتران بين النار والاحتراق هو اقتران عادة وليس سبب بمسبب، فالنار لا تفعل الاحتراق وإنما الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، ووجود النار هذا من باب العادة والطبع. فحصول الاحتراق عند ملاقاة النار هو حصول “عندها وليس بها” فالنار ليست سببا في الاحتراق. واستمرار هذه العادة جعلها لا تنفك عنها حتى توهم الناس أن النار سبب في الاحتراق، ولذلك ذهب الغزالي إلى جعل العلة إمارة للحكم، وأنه لا تأثير لها في الحكم. وإنكاره للعلة جعله يقرر: أن من فعل فعلا لغاية فإنه يكون ناقصا قبل تلك الغاية كاملا بعدها. وقد اتخذ “هيوم” مذهب الغزالي في السببية حيث يقول: “رؤية أي شيئين أو فعلين، مهما تكن العلاقة بينهما، لا يمكن أن تعطينا أي فكرة عن قوة، أو ارتباط بينهما، وأن هذه الفكرة تنشأ عن تكرار وجودهما معًا، وأن التكرار لا يكشف ولا يحدث أي شيء في الموضوعات، وإنما يؤثّر فقط في العقل بذلك الانتقال المعتاد الذي يُحدثه، وأن هذا الانتقال المعتاد من العلة إلى المعلول هو: القوة والضرورة …”.(الإجماع الإنساني ص72) فهيوم ينكر السببية مطلقا، بخلاف الغزالي الذي ينكر السببية العادية فقط. وقد تعقب ابن تيمية رحمه الله تعالى الغزالي في مذهب السببية ونقض قوله، فقال رحمه الله تعالى في “”مجموعة الرسائل والمسائل” (5/154): “الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق، والشمس في الإشراق، والطعام والشراب في الإشباع والإرواء، ونحو ذلك فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده؛ بل لا بد من أن ينضم إليه سبب آخر، ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر، فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع، وليس في المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء. وهذا مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخِّن والمبرِّد ونحو ذلك. فإن هذا غلط فإن التسخين لا يكون إلا بشيئين: أحدهما: فاعل كالنار. والثاني: قابل كالجسم القابل للسخونة والاحتراق”. فابن تيمية يشترط في الحدوث وجود سببين وليس سببا واحدا. ويؤكد هذا في موطن آخر من كتبه، في كتاب “بيان تلبيس الجهمية” (5/235): “ليس في المخلوقات ما هو مؤثر تام، فلا شيء يؤثر وحده، ولا شيء إذا أثَّر يكون الأثر واجبًا معه مطلقًا؛ بل قد يكون له من المعارضات ما يمنع أثره، ومن أظهر ما يسمى مؤثرًا الشمسُ في الإشراق والتسخين، وهي لا تشرق إلا مع شيء آخر يقابلها يتعلق شعاعها عليه فيكون الضوء والشعاع حادثًا بسببين: بسببها وبسبب الجسم المقابل لها الذي يحل به الشعاع، ثم إن موانع الضوء والشعاع من السحاب وغيره موجودة مشهودة، وكذلك تسخينها مشروط بالمحل الذي تقوم به السخونة وموانع السخونة موجودة مشهودة … إذ كل ما يقدر من سبب لنفع أو ضُرُّ فله مانع ومعارض؛ فما من سبب مقتضٍ في الوجود إلا وله مانع معارض، وما كان كذلك لم يكن علة تامة، ولا مؤثرًا تامًّا إلا بمشيئة الله تعالى؛ فإنه ما شاء الله كان والله تعالى لا معارض لحكمه، ولا مانع له فلا يكشف ما ينزله من الشدة إلا هو، ولا يرد ما ينزله من الرحمة أحد غيره، وأيضًا ما من سبب إلا وله كفو يكون عنه بدلاً وعوضًا “. فابن تيمية خالف الغزالي أن علاقة السبب بالمسبب علاقة عادة وطبع؛ بل يرى ذلك علاقة علة بمعلولها ولابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وأن الأمر لا يتوقف على سبب واحد. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في “مجموع الفتاوى” (8/392): ” اعتقاد تأثير الأسباب على الاستقلال دخول في الضلال، واعتقاد نفي أثرها وإلغاؤه ركوب المحال وإن كان لقدرة الإنسان شأن ليس لغيرها كما سنومئ إليه إن شاء الله تعالى”.
فالغزالي نفى أن يكون للمخلوقات قوى، وإن فعل الله يكون عندها لا بها، وخالفه ابن تيمية وبين أن للمخلوقات قوى وطبائع فقال في “منهاج السنة النبوية” (3/12): “جمهور أهل السنة المثبتة للقدر من جميع الطوائف يقولون: ” إن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأن له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية، وهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية، بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب، وينبت النبات بالماء، ولا يقولون: إن القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها، بل يقرون أن لها تأثيرا لفظا ومعنى، حتى جاء لفظ ” الأثر ” في مثل قوله تعالى {ونكتب ما قدموا وآثارهم} [سورة يس: 12]، وإن كان التأثير هناك أعم منه في الآية، لكن يقولون: هذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خالق السبب والمسبب، ومع أنه خالق السبب فلا بد له من سبب آخر يشاركه، ولا بد له من معارض يمانعه، فلا يتم أثره مع خلق الله له إلا بأن يخلق الله السبب الآخر ويزيل الموانع”. وقد جعل ابن تيمية كلاما الغزالي متناقضا في ذاته، فقال في “مجموع الفتاوى” (8/467): “من زعم: أن العبد كاسب ليس بفاعل حقيقة وجعل الكسب مقدورا للعبد وأثبت له قدرة لا تأثير لها في المقدور ولهذا قال جمهور العقلاء: إن هذا كلام متناقض غير معقول فإن القدرة إذا لم يكن لها تأثير أصلا في الفعل كان وجودها كعدمها ولم تكن قدرة؛ بل كان اقترانها بالفعل كاقتران سائر صفات الفاعل في طوله وعرضه ولونه”. وقال أيضا في “مجموعة الرسائل والمسائل” (5/157): “ومن قال أن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسباباً، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي كاقتران الدليل بالمدلول، فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها، ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها، ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها، وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز. قال بعض الفضلاء: تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم. ثم أن هؤلاء يقولون لا ينبغي للإنسان أن يقول أنه شبع بالخبز وروي بالماء، بل يقول شبعت عنده ورويت عنده فإن الله يخلق الشبع والري ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة لا بها. وهذا خلاف الكتاب والسنة فإن الله تعالى يقول (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) الآية، وقال تعالى (وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها) وقال تعالى (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) وقال (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) وقال (ونزلنا من السماء ماء فأنبتنا به جنات وحب الصيد) وقال (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء) …الخ” والحمد لله تعالى.
من أصول الاستدلال وإنصاف العلماء
قال ابن عبدالبر في التمهيد (1/2): “أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار، فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء، في كل عصر، من لدن الصحابة إلى يومنا هذا”.
قال الله عزَّ وجلَّ: (وداود وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) قال الحسن بن أبي الحسن: “لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا لصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده”. كتاب الأم للشافعي (7/99)
قال شخص للسيوطي رحمه الله تعالى: إن أبا حامد الغزالي ليس بفقيه، وإنما كان زاهدا. فقال السيوطي: وقول هذا الجاهل: إن الغزالي ليس بفقيه، فهو من أجهل الجاهلين، وأفسق الفاسقين؛ فقد كان الغزالي في عصره، حجة الإسلام، وسيد الفقهاء، وله في الفقه المؤلفات الجليلة، ومذهب الشافعي الآن مداره على كتبه؛ فإنه فتح المذهب، ولخصه بالبسيط، والوسيط، والوجيز، والخلاصة، وكتب الشيخين إنما هي مأخوذة من كتبه. الحاوي للفتاوي، ١/٢٥٥
في الأدب والسلوك الاجتماعي
بأي حال عدت يا عيد كعادة كل عام حين ينقضي رمضان نسمع من يقول: بأي حال عدت يا عيد .. وكأن هذه العبارة هي من الأذكار الموسمية التي تقال في العيد كي تذهب بهجة العيد وسعادته. وأسوأ ما يكون من حال للمرء حين يأتيه موقفا سارا ينبغي أن يفرح به وفيه، فإذا به يجعله موقفا حزينا تعيسا، فمن التعاسة أن يجعل الإنسان لحظة الفرح لحظة للشقاء، حتى كأن التعاسة ضربة لازب له لا انفكاك منها. وقد تجاهل أو تناسى أن للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، فيفرح أن الله تعالى أعانه وأتم صيامه، ويحمد الله تعالى على ذلك بقلب ممتلئ بالسعادة والهناء، ولا يقول ما قاله الشاعر: عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ … بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟ أما الأحبة فالبيداء دونهم … يا ليت دونك بيد دونها بيدُ
ما شُرع العيد إلا ليوقظ روح السعادة في قلب المؤمن، فحرمت الشريعة صوم العيد ليفرح ويبتهج، ويشعر الناس بمعاني البشر والأُنس، ولعل زكاة الفطر كانت من أجل جعل تحقيق سعادة شاملة للغني والفقير، فلا يفكر الفقير في يوم العيد بعيشه، بل ينسى همه في يوم العيد ويبتهج مع الناس، فلا يطوف في قلبه هم، فهو يتذكر أنه في لحظة فرح فيجهد نفسه أن يبقى الفرح يسكن قلبه ويملأ عينيه، والسعيد من يرى محاسن الوجود. فإن تساءلت وقلت: بأية حال عدت يا عيد. فقل: عاد وأنا في صحة وعافية، فلا تتمثل كلام المتنبي في العيد، ولكن أهنأ بالعيد وثق أن الله تعالى جاعل لك ضيق مخرجا، ولكل هما فرجا.
إذا ناقشت أحدًا نقاشًا علميًا، في قنوات التواصل الاجتماعي، ولم تتجاوز في نقاشك الأدب وأخلاقيات النقاش العلمي؛ ثم عمل لك “بلوك” فحال هذا الرجل لا يخلو من أمرين: • إما أنه متعصب لقوله، ولا يريد قولًا آخر حتى ولو كان القول الآخر هو الحق . • أو أنه جاهل ولا يريدك أن تظهر جهله وتبين خطأ قوله. والجاهل والمتعصب يجدر بالمرء ألا يدخل معهما في نقاش علمي البتة، فالجاهل حقه التعلم وليس المناقشة العلمية، والمتعصب حقه الوعظ وبيان أن التعصب يكون للحق وليس لحظوظ النفس وهواها.