صفاء الود وبوح القلوب
البوح بكلمات الحب والعطف وما يعلق في النفوس من صدق المودة تكون عسيرة شاقة على بعض النفوس، فأهون لديه أن يكتم وده من مرارة إعلان حبه، فقد ظن أنه لو كشف ما يختلج في نفسه من ود أن ذاك ضعف وفتور وذهاب لقيمته وكرامته. وما هذا التوهم السيء إلا جهالة وغواية من نفسه وشيطانه، ولو أخرج ما يضمره قلبه من حب وجمال لامتلأت القلوب من حوله حبا له ومودة. كم أحرق صمت القلوب وكتمان ما بها بيوتا كانت تضيء نورا وتشرق سعادة، وكم صدت أنفسا مولعة ورحلت وقد كانت متعلقة تتيم حبا وجوى، وما جفاف القلوب عنا إلا لصمت القلوب عنهم، لندع قلوبنا تبتسم، فالعيون أشد رؤية لابتسامة القلب وبشاشته من رؤية ابتسامة الوجه وطلاقته، فاجعل خفاقات قلبك تذيب قسوته، ودقاته تعلن عن مكنوناته من حب ومودة، وما لان القلب وأبان عما فيه من صدق المودة إلا طابت نفس صاحبه وهنِئ باله.
آفات الجمود ونسبية التذوق الأدبي
لعل من الإشكاليات المعرفية هو عدم الترقي المعرفي لدى بعض المشتغلين سابقا بالمعرفة، ويظهر هذا في الخطاب المطروح، فالموضوعات التي تطرح قديما لا زالت تعاد وتكرر دون الخوض في القضايا الحديثة، فهناك توقف في الماضي، وعدم محاولة التحديث ومعايشة الواقع، وهذا الجمود المعرفي سببه الأساسي هو البعد عن المعرفة، والبقاء على ما لدى الشخص من إرث بسيط، يعيده ويلوكه دائما، ولا ريب أن هذا التوقف المعرفي يسبب لدى الشخص اضطرابا في فهم الواقع، فإما أن يكون منكرا للواقع متصادما معه، أو يكون منعزلا عنه، ولكن لا تتصور منه أن يقدم رسالة ناضجة تقدم حلا لإشكالات عصره. وهذا الجمود المعرفي يصاحبه رفض تام للمراجعة ودراسة أسباب النجاح والإخفاق، ويرى أن قراءة ماضيه وتمحيص تجربته هو نوع من العبث، فهو لديه تقديس خفي لتجربته السابقة، يرفض المراجعة ويستنكر من يراجع الماضي، خسر الحاضر ولا يريد أن يخسر الماضي توهما بسبب المراجعة، وللأسف أثمر هذا الأمر أنه يريد أن يعالج مشكلات الواقع بأدوات الماضي، فالبعد عن قراءة التجربة السابقة وعدم الولوج في التجربة المعاشة بأدواتها كان أن أحدث انفصال وبعد عن الواقع. الإنسان دوما بحاجة للمراجعة الفكرية، وقراءة أفكاره وأفكاره عصره من زوايا متعددة، فالانغلاق على الذات والتعصب للأفكار لا يجدي؛ بل هو استسلام الضعيف العاجز، لذا كان من المهم أن يكون لدى الإنسان المرونة التي تبقيه حيا متفاعلا مع كل لحظة.
من يقرأ تعليق الرافعي في وحي القلم لترجمة حافظ إبراهيم للبؤساء يشعر أنه أمام عمل فني مذهل للغابة، فوصف الرافعي لقلم حافظ يجعلك ترغب بشدة أن تقتني كتاب البؤساء بترجمة حافظ لتقرأه لوصف الرافعي له، فيقول مثلا: “غير أنك في البؤساء ترى مع الترجمة صنعة غير الترجمة ، وكأنما ألف هيجو هذا الكتاب مرة وألفه حافظ مرتين ، إذ ينقل عن الفرنسية ؛ ثم يفتنُّ في التعبير عما ينقل ، ثم يتحكم الصنعة فيما يفتن ، ثم يبالغ فيما يُحكم ؛ فأنت من كتابه في لغة الترجمة ، ثم في بيان اللغة ، ثم في قوة البيان ؛ وبهذا خرج الكتاب وإن مترجمه لأحق به في العربية من مؤلفه ، وجاء وما يستطيع أحد أن ينسى سواه . وتلك طريقة في الكتابة لا يستعان عليها إلا بالأدب الغزير، والذوق الناضج ، والبيان المطبوع ؛ ثم بالصبر على مطاولة التعب ومعاناة الكد في تخير اللفظ وتجويد الأسلوب وتصفية العبارة ؛ فلقد ينفق الكاتب وقتا في عمر الليل ليخرج من آخره سطراً في نور الفجر ، وبهذا الصنيع جاءت صفحات البؤساء على قلتها كشباب الهوى ؛ لكل يوم منه فجره وشمسه ، ولكل ليلة قمرها ونجومها”. (وحي القلم 3/362) فمن يقرأ هذا الكلام تتشوف نفسه كثيرا ليقرأ ترجمة حافظ. ولكن نجد في الجانب الآخر، نجد طه حسين له وجهة نظر مغايرة، فهو يقول عن لغة حافظ: “نقيصة لأنها تكلف، ولأنها عقبة تحول بين القارئ وبين الفهم، ولأنها لا تلائم روح العصر، ولأنها لا تعين على ما قصد إليه من نشر آراء فيكتور هوجو، وإذاعة عواطفه بين شعبنا المصري الذي لا يعرف لغة رؤبة والعجاج منه إلَّا نفر يُحصَون، ولقد كلمت حافظًا في ذلك فقال: إني عملت للخاصة. وكنت أظن أني من هؤلاء الخاصة، فإذا بيني وبينهم أمد بعيد! وأحسب أنَّ خاصة حافظ لا يوجدون إلَّا في خياله! أحمد لحافظ هذه اللغة الغريبة الجزلة؛ لأنها تدل على عناء وجهد عظيمَين، وأُنكرها عليه؛ لأنها تكاد تجعل هذا الجهد غير نافع، وهذا العناء غير مفيد، وما رأيك في أني أقرأ الأصل الفرنسي فأفهمه بلا عناء، وأقرأ ترجمته العربية فلا أفهمها إلَّا كارهًا! ولست أتقن الفرنسية إتقانًا خاصًّا، ولا أجهل العربية جهلًا خاصًّا، فكثير من الناس يفهمون البؤساء بالفرنسية فهمًا يسيرًا، ويفهمون البؤساء بالعربية فهمًا عسيرًا، ولقد قال لي أحد الكُتَّاب المجيدين: أليس غريبًا أنْ يكون ابن المقفع أدنى إلى أفهامنا من حافظ؟!”. فحين تقرأ هذا الكلام تزهد في ترجمة حافظ ولا تمني نفسك بقراءتها. لذا كان من الأكمل للإنسان أن يقرأ ويحكم بذاته، فمسألة الإعجاب مسألة نسبية يصعب ضبطها.
قوة الحجة ومنازل العلماء
أقوى ما يواجه به أهل الشبه الباطلة في الرد هو أن تقلب عليه الحجة؛ بحيث ما يحتج به يكون ضده، وهذه الطريقة التزم بها علماء الإسلام وخصوصا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول ابن القيم رحمهما الله تعالى: « أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله». وقال أيضا رحمه الله تعالى مبيناً انقلاب حججهم العقلية : « وقد كنت قديماً ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاذة من النصوص فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم [ ثم عدد بعض الأمثلة القرآنية على ذلك ، ثم قال : ] ثم تبين لي بعد ذلك مع هذا أن المعقولات في هذا كالسمعيات ، وأن عامة ما يحتج به النفاذة من المعقولات هي أيضاً على نقيض قولهم أدل منها على قولهم ، كما يستدلون به على نفي الصفات ، ونفي الأفعال ، وكما يستدل به الفلاسفة على قدم العالم ونحو ذلك ».
ما أحسن ما قال ابن القيم رحمه الله في الكافية الشافية في التحذير عن كتب الضلال وثناءه على ابن تيمية رحمه الله تعالى:
فانظر ترى لكن نرى لك تركها … حذرا عليك مصائد الشيطان
فشباكها والله لم يعلق بها …من ذي جنـاح قاصر الطيران
ألا رأيت الطير في قفص الردى … يبكى له نوح على الأغصـان
ويظل يخبط طالبا لخلاصه … فتضيق عنه فرجة العيـدان
والذنب ذنب الطير خلى أطيب … الثمرات في عال من الأفنـان
وأتى إلى تلك المزابل يبتغى الـ … فضلات كالحشرات والديدان
يا قوم والله العظيم نصـيحة … من مشفق وأخ لكم معـوان
جربت هـذا كله ووقعت في … تلك الشباك وكنت ذا طـيران
حتى أتاح لى الإله بفضله … من ليس تجزيه يدي ولساني
حبرا إلى من أرض حران فيا … أهلا بمن قد جاء من حران
فالله يجزي به الذي هو أهله … من جنة المأوى الرضوان
أخذت يداه يدي وسار فلم يرم … حتى أرانى مطلع الإيمان
فلسفة الذات وهواجس الكتابة
أحيانا الأسئلة المبدوءة بـ”لماذا” تكون متعبة محيرة غامضة، لماذا اكتب؟ لماذا أقرأ؟ لماذا أذهب وآتي؟ فلو بقي الإنسان يسأل دائما لماذا لأرهق نفسه ولتوقف كثيرا حائرا لا يدري ما يجيب. قد يكون الإنسان ذو غاية وهدف، فهو غالبا لديه غايات لما يفعله، ولكن هذا يبدو في الظاهر ولو تعمق في كهوف ذاته لوجد المتاهات ولم يقدر أن يجد جوابا دقيقا لحقيقة الأمر، لذا كان الإنسان يكتفي ويرضى بالعموميات دون التدقيق والولوج في باطن الأمور، ويرى في ذلك مخرجا من المتاهات التي ستلحقه لو ذهب يتساءل “لماذا”. والأمر المدهش، أن الشخص الذي يسعى بدرجة معقولة للجواب عن “لماذا” هو الذي يملك زمام حياته بنسبة ما، فلعل التخبط والضياع الذي يعيشه الشخص يعود نوعا ما لغياب الجواب عن “لماذا”، بشرط أن يكون الجواب عالي الدقة والتأكد، وهذا يتطلب السير في أعماق الذات والدخول في عتمات الوعي، واكتشاف الرغبات والإرادات، وهي رحلة صعبة شرطها رغبة ملحة لمعرفة حقيقة الأمر، ومن سلك هذا الطريق فسيعود برؤية مختلفة عن ذاته ورغباته.
أعشق القلم حتى الجنون .. أريد أن أكتب وأكتب واستمر في الكتابة دون توقف .. لا يهمني ما اكتب المهم أن أرى الحروف تتناثر من قلمي .. لا اعلم لماذا هذا الهيام؟ ولا يهمني أن أعرف فلو مكثنا نبحث دائما عن الأسباب والعلل لأرهقنا أنفسنا ولتركنا ما نعشق .. والنفس بطبيعتها لا ترغب في معرفة الأسباب، فهي تريد كل شيء على سجيته. عشق القلم عشق مؤلم فهو يعني البوح عن مكنونات ذاتك .. وهذا دأب العاشقين لا تجدهم يكتمون سر عشقهم، فلو كتموا لهلكوا .. وما بوحهم إلا لإبقاء شيء من ذواتهم .. وبقدر ما يبوحون عن مشاعرهم تكون معاناتهم، فالمعاناة تلاحقهم في الكتمان والبوح، وعاشق الحرف يعاني إن كتب أو صمت، يعاني بسكون قلمه فهو يقهر طبيعة نفسه، ويعاني من حركة قلمه فهو يكشف شيئا عن ذاته، ولعل البوح عن المكنونات أهون من كسر رغبات النفس، لذا فهو يدع لقلمه الحرية، يتركه يسير بين الأوراق ينثر فيها ما يشاء من معاني حتى إذا أرهقه المسير ترك أوراقه وعاد لأدراجه، وأنا قد توسطت في الأمر، فقد تركت لقلمي أن يكتب دون قيد، ولكن تبقى حروفه بعيدة عن الضوء، فالحروف قد تحترق مع الضوء ويذهب بريقها أو تحرق غيرها ويبقى لهيبها وكل ذلك لا أرغبه.
تمر عليّ فترات اشعر فيها أن رأسي يكاد ينشطر من الأفكار التي تتصارع فيما بينها، حتى أنني اشعر برغبة شديدة للبكاء كي أمنح ذهني راحة هكذا أظن، فهذه حيلتي وهي البكاء فلا أستطيع أن أشكو بثي لأحد، فقد اعتدت حين أروي ما أجد في نفسي أن أرى عدم المبالاة، لا أجد أحدا يشعر بمرارة ما أشعر، ردات فعل باردة لا روح فيها، يندم المرء أنه باح بشيء من مشاعره. ليس كل ما نعيشه هو وهم أو هو شيء عارض سيزول مع الوقت؛ بل الأمر أصعب من هذا، ما نعيشه ويجري في أذهاننا هو حقيقة شخصيتنا، وطبيعة واقعنا، ولو كان ما نعيشه وهما لذهب مع مرور الزمن، فالأوهام مهما تمردت سيكون لها لحظة تتلاشى عندها، ولكن ما يعترينا من خوف وشك ورغبة في الانتحاب هو نتيجة ألم حقيقي يسكن في كل خلية من أجسادنا. أحيانا أتخيل نفسي على مقعد وثير بجانب الشاطئ وقد استلقيت على ظهري ناظرا للسماء تارة وللبحر تارة، أتأمل في اتساعهما وشموخهما فأراهما مع ذلك أصغر من أفكاري، وأقل أن يحتملا شيئا من صراع الأفكار الذي أعيشه، فكبر الأشياء ليس بحجمها وإنما بعمقها وتعقدها وصعوبة إدراكها، واتخيل لو بحت بشيء للبحر فما عساه أن يضيف لي، فهو لا يعرف معنى الأفكار والمعاني، فهذه طاقة ضخمة يعجز عنها البحر بمده وجزره. كنت أرى الأفكار وهي تتسلل تباعا ورويدا في فكري أنه لا قيمة لها وأنها ستمكث قليلا ثم ترحل، ولكن خاب ظني، فقد كانت تتكاثر بطريقة بشعة، فكل فكرة تولد فكرة أخرى وتبقى بجوار قرينتها حتى إذا تكاثروا وتزاحموا وضاق الفكر عن حملهم أرادوا أن تكون لهم السيطرة والقيادة، فلم يمكثوا في مكانهم بل غزوا قلبي ليجعلوه تبعا لهم، والقلب حين يتبع الفكر يتجرد الإنسان عن شيء من إنسانيته، وهذه طبيعة الأفكار إذا غلت وتمردت أنها تبدل طبيعة الإنسان لتجعله يعيش متناقضا حائرا قد ذهبت عنه سمة التواضع وحل محله الغطرسة وذهبت التؤدة والسكينة وسكنت بدل من ذلك الهيجان والعجلة، فلم يعد بؤسي من تمرد فكري ولكن خوفي على قلبي أن يلحق بفكري وهنا لن أكون أنا.
خاتمة
وهكذا، يظل الإنسان في رحلة دائمة بين فكره وشعوره، باحثًا عن إجابات لأسئلته، ومحاولًا التوازن بين أصالة التراث ومتطلبات الواقع، وبين صخب الأفكار وسكينة القلب. إنها رحلة الوعي التي لا تتوقف، حيث الكتابة ملاذ، والمعرفة طريق، والصدق مع النفس هو البوصلة التي تقي من التيه.