خبايا النفس وصراع الذاكرة
عجيبة هذه الذاكرة .. حين نريد شيئًا فلا نجده .. وحين نريد نسيان شيئًا نجده حاضرا في أذهاننا .. كأنها ليست لنا .. وكأنها لا تتصل بمشاعرنا بصلة .. لا تدري هل تلوم المشاعر لحزنها أم تلوم الذاكرة التي جلبت الحزن للمشاعر ..وما أظن المشاعر الحزينة إلا ضحية للذاكرة التي تستدعي ما تشاء.
أجد إن حسن الظن بالآخرين عملية معقدة وصعبة وليست في إمكان الجميع .. الناس يقدمون في الغالب سوء الظن .. ثم يبنون تصوراتهم على هذا الظن الفاسد الذي تصوروه .. إشكاليات كثيرة يواجهها المرء في محاولة إقناع الآخرين أن ظنهم خطأ .. لكن مسيء الظن يرفض يصدق ولا يقبل التبيين .. ويظن أنه ذكي يدرجه عالية وأنه يعرف حقيقة الأمر .. فمهما بينت له الأمر يبقى رافضا لكل قول ومعتقدا صحة ظنه .. وهذه إشكالية نفسية صعبة .. ماذا عليهم لو أحسنوا الظن دوما؟ لا شيء بالعكس .. سيكسبون الآخرين .. وسينعمون بصحة نفسية عالية وراحة بال .. حين تسيء الظن بالآخرين .. فأنت تشقي نفسك .. لأنك ستدخل في صراع مع الآخرين .. وقد تخسرهم .. والأمر كله مبني على توهم وظن .. حين تحسن الظن بالآخرين فأنت تريح نفسك وتحول الأمر لصالحك .. ولن تخسر أحدا .. وتدخل في عموم الآية “ادفع بالحسنة السيئة”.. من اعتاد على إساءة الظن صعب جدا يغير هذا السلوك .. لكن ممكن يغير الأمر مع مراقبة الظنون الذاتية ومع معاملة الآخرين بالحب والتقدير .. إحسان الظن بالآخرين كما هو نابع من نفس طيبة إلا إنه يتطلب تدريبا حتى يكون سلوكا دائما.
عالم القراءة وهموم المعرفة
الكتاب الذي لا يجعلك تتساءل ولا يثيرك هو كتاب لا يستحق الحياة .. الكتاب الجيد يبعث فيك حركة تنتقل فيها زمانيا ومكانيا .. يقلقك يجعلك تعيد قراءة أفكارك وترتيب قضاياك .. نتحدث كثيرا عن الكتاب لأن ليس لنا إلا الكتاب .. هكذا قدرنا .. نعيش مع الكتاب لا غير .. نعيش لنقرأ ونقرأ حتى نتعب ثم نعود لنقرأ ونقرأ .. لا شيء آخر .. ثم نعود نتحدث عنه بلغة المدح ولغة الاقتراب .. نتودد للكتاب لأن ليس لدينا سواه .. فلو خسرنا الكتاب فماذ سيبقى لنا!.. دعونا نتحدث عن الكتاب حديثا صادقا أو كاذبا .. المهم أن لا نقطع علاقتنا به فالكل قطع علاقتنا معه، لا تسأموا فرب حديثا عابرا ينمحك شيئًا كان ينقصك.
أحيانا يشاورني شعور مليء بالارتياب عندما اقرأ لمفكر كبير قد توشح اسمه بألقاب ضخمة أن أفهم ما كتب، فالألقاب تصيب المرء خوفا ورهبة تمنع من الاقتراب من كتبه أو سماع حديثه. الألقاب تشريف لصاحبها، ولكنها تحميل في ظلالها رهبة لمن أراد الاقتراب من صاحبها، فهي حصن منيع لا تدع أحدا يدنو منها إلا من اعتاد خوض المنايا، وقليل من يخوض المنايا. ولو تقلل الناس في وصف الأشخاص لكان سهل عليهم الاقتراب والأخذ والعطاء، فالناس عادتهم أن لا يسلكوا الطريق الوعر، صعب المسلك، وإنما يريدون السهل القريب، والألقاب حاجز منيع، فكل لقب سياج بذاته، فحين نصف شخصا أنه عالم فذ، مفكر مبدع مبهر، لا ساحل لعلمه ولا قعر لفكره، قد حاز البلاغة بين جوانحه، لا يقدر على فهم كتبه إلا من عاش حياته بين الكتب والبحث، فبعد هذا الوصف هل يجرؤ أحد على الدنو من كتبه؟ لا أظن هذا، فالألقاب إن زادت نفرت وأبعدت.
ما أحسن كتاب “المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر” لابن الأثير. لا يشبع الأديب من مطالعته فهو يرسم للكاتب طرائق الكتابة وفنونها، وابن الأثير في كتابه هذا يحسر اللثام عن مقدرته الأدبية واللغوية في بيان جماليات الكتابة. وللأسف هذا الكتاب لم ينل حظه من الشهرة وهو أولى أن يضع في صدارة الكتاب لمن أراد أن يتعلم فنون الكتابة ومهاراتها.
لعل اشكاليتنا المقلقة والمتعبة لفكرنا هو التشتت الفكري الذي نعيشه، الشتات جعلنا في حالة ترحل من فن لآخر، ومن قضايا في اليمين لقضايا أخرى في اليسار، وإذا لم يستقر الفكر في موطن يرعى فيه ويعيش بين أكنافه فإنه سيشعر بالتعب والإرهاق الفكري. الشتات يجعل المرء لا يدري ماذا يريد، وما يدري ما العلم الذي يستهويه ويبحث فيه ويحقق ذاته فيه، وهذه آفة التشتت، أنها تجعلك في حالة حركة ولكنها حركة غير موجهة وغير هادفة. ولعل سبب التشتت هو الفضول الذي لا لجام له، فحب معرفة كل شيء والإلمام بكل شيء جعلت الفكر لا يحصل شيئا. ولا يسلم المرء من هذا الشتات إلا بتحديد وجهته ومعرفة ماذا يريد ثم يسير لغايته دون الالتفات لشيء آخر، وهذا أمر يتطلب قوة إرادة وصبر وتماسك حتى يصل لهدفه، واشتراط الصبر ضروري لأن المشتتات لها جمالها وفتنتها، فهي تظهر أنها أهم وأولى مما أنت عليه، فإذا لم يكن لديك صبرا فإنك ستقطع مسيرك وتتجه نحو هذا الدخيل في طريقك؛ فيذهب بك في مسار آخر لا يحقق غايتك. كان من المهم أن يقف الإنسان بين فترة وأخرى يعيد التأمل في مسيره العلمي والمعرفي، ويرى هل اختياراته تنسجم مع أهدافه، وهل اختياراته قائمة على دراسة أما هي عشوائية تأتي هكذا دون تأمل، المكوث مع النفس ومراجعة مسيرتها يجب أن يكون بشكل دوري ومنتظم ومتقارب؛ إذ لا يمكن للمرء أن يدرك أنه يعيش حالة شتات معرفي ما لم يكن متابعا ومراقبا بشكل دقيق وصارم لأفكاره وقراراته ويرى مدى قربها وبعدها من هدفه الذي حدده من قبل، والهدف ضرورة أساسية في التخلص من التشتت، فبدون هدف لا يعرف المرء هل هو متشتت أم لا، والهدف ضرورة لتحقيق الذات وبناء منظومة علمية صحيحة.
فلسفة الأخلاق ووحشة المادة
أتساءل: هل هذه المساكن ذوات الجدران الصلبة القاسية أثرت علينا فأصبحنا قساة! يقال: الإنسان يتأثر بمن حوله، وأكثر شيء حولنا هو هذه الجدر الملساء الفولاذية، لا شيء ينفذ منها سوى الضجيج والبرد القارص، فهل أصبحت أجسادنا مثلها باردة قاسية، لا أظن هذا ولا أريد الظن الآخر، فلا زال داخل هذه البيوت قلوبا رقيقة رهيفة لم تقسيها الحياة ولم تغيرها الأيام والسنون. الحياة المادية من طبيعتها أنها تتجه نحو الجانب المادي في الإنسان وتتعامى عن الجانب الروحي فيه وتتجاهله وكأن الإنسان خُلق حجرا صلدا، فكل شيء في الحياة المادية يقاس بمقياس المادة، فالحب سببه مادي، والخير ونفع الناس لا بد يكون وراءه شيء مادي، حتى ماتت روح الإنسان وبقي جسده يأكل ويشرب ويتنفس دون معنى، قسوة الحياة المادية أشد من قسوة الجدار، فالجدار مفتقر للروح تكوينا ولكن الإنسان بإرادته ألغى الروح جانبا، فكانت قسوته عن تعمد وليست عن خلقة وجبلة. ولعل ما يزيد من هذه الوحشية الإنسانية هو بعده عن التفكر والتأمل، فأضحت حياة الإنسان كعجلة تسير دون توقف، وحين يغيب التفكر يسقط الإنسان في عدم الوعي بمسيره، فيدخل في تيه يفقد فيه معنى إنسانيته، والقسوة هي نوع من فقدان المعنى الإنساني، والتفكر يعيد للإنسان شيئا من توازنه، ويبقيه جزءا منفصلا عن المادة التي احتوته ولم يحتويها فأصابته بالحيرة والقلق والضياع.
طه عبد الرحمن يعتبر فيلسوف الأخلاق بحق، وهنا نشير للأخلاق عند طه كما ذكرها: 1ـ أن الأخلاق صفات ضرورية يختل بفقدها نظام الحياة لدى الإنسان، فليست هي مجرد صفات عرضية أو كمالية. 2ـ أن القيمة الأخلاقية أسبق على غيرها من القيم. 3 ـ أن ماهية الإنسان تحددها الأخلاق وليس العقل، بحيث يكون العقل تابعا للأخلاق. 4ـ أن الأخلاق مستمدة من الدين المنزل. 5ـ أن الإنسان بموجب أخلاقياته، لا يستطيع أن يتجرد كليا من حال التدين ولو سعى إلى ذلك ما سعى. 6ـ أن الأخلاق مراتب مختلفة. 7ـ أن الهمة الأخلاقية للإنسان أقوى من الأمر الواقع وأصلب من حتمية الحدث. 8ـ إن العقل المجرد الذي اختار الانفصال عن العمل الديني لا تلبث أفعاله أن تنقلب إلى نقيض مقصودها.
ثوابت الدين ونوازل الفكر
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: “قيام رمضان لم يوقت النبي – صلى الله عليه وسلم – فيه عددا معينا؛ بل كان هو – صلى الله عليه وسلم – لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث، وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات، لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة، ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه، فقد أحسن. والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها. كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه، فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك. وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره.ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ، فإذا كانت هذه السعة في نفس عدد القيام، فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه، كل ذلك سائغ حسن. وقد ينشط الرجل فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها”.
من البلايا والبلايا جمة أن يأتي شيخ ويقول أن اليهود والنصارى مسلمين .. هنا يقف الإنسان حائرا قلقا .. كفر اليهود والنصارى معلوم من الدين بالضرورة، لا جدل في ذلك حتى بين الأطفال، وأن يأتي شيخ ويقول أنهم مسلمون، فهنا تشعر أن الفتنة الفكرية هي من مصائب هذا الزمان، فالفتنة أنها تلحق الشك في الضروريات، وتحول القطعيات إلى احتمالات. ولعل في هذا الزمن فتنة أهل المعرفة أشد من فتنة الجاهل، فالجاهل قابل للتعلم وفتنته تزال حين يعلم وتقتصر فتنته على نفسه، وأما العالم ففتنته أشد فهو يصبح داعية للتشكيك في المسلمات، ويبذل جهده في تغيير القناعات لتحويل اليقينيات إلى ظنيات، فيزحزح ما ثبت في عقول الناس من حق. وليت شعري أي شيء لم يلحقه التأويل والتبديل والتحريف، فهناك من أباح الخمر وهناك من أباح الزنا، وهناك من أنكر السنة إلى غير ذلك وهي سلسلة طويلة من التغيير للدين والتحريف تجري بألسنة أهل المعرفة، حتى غدا الدين ملتبسا على كثير من الناس، تغيير وتحريف دون التزام بقواعد علمية ولا ضوابط شرعية، وإنما جدل وهوى أضل أهله وأضلوا غيرهم. نحن نرى اليوم من يشكك في أوضح الواضحات وأبين البينات حتى جعلوا الدين مائعا لا شكل له، دين سائل لا يعرف الثبات، يتشكل وفق الآراء المحدثة، يتأولون قواطع النصوص الشرعية بأقوال تضحك الصبيان، فتعلم من حديثهم أنهم يريدون تبديل الدين وتغيير معالمه ليكون متفقا مع الرؤية الغربية المعاصرة، فالإنسان عندهم هو مصدر التشريع وهو الذي يرسم منهج حياته معتمدا على عقله فقط لا على النص الرباني، ولو عارض النص الشرعي رؤيته فإنه يحرفه ويؤوله إن كان قرآنا، وينكره إن كان حديثا. ولكن مهما حاولوا هؤلاء التغيير والتبديل إلا إن الحق أقوى وأعلى، فالله حافظ دينه وناصر أوليائه ولكن هذا من الابتلاءات التي تواجه المسلم في حياته، عصمنا الله وإياكم من الضلال والانحراف.
ختاماً، تبقى النفس البشرية ميداناً للتدافع بين الحق والباطل، وبين المعرفة والجهل، وبين الثبات والتذبذب. وما أحوج الإنسان في خضم هذه الحياة المتسارعة والمادية الطاغية إلى لزوم جادة الصواب، وإحسان الظن، والتشبث بمرتكزات الأخلاق والدين التي تحفظ عليه إنسانيته وتقيه من شتات الفكر وزيغ المعتقد.