في رحاب اللغة وفقه العلماء
كُتب الشافعي أجمع كُتب أدب ولغة وعلم، فالشافعي لم تهجنه عجمة، ولم تدخل على لسانه لكنة، ولم تُحفظ عليه لحنة أو سقطة. ودعونا نذكر قول أئمة اللغة عن لغة الشافعي رحمه الله تعالى. قال عبد الملك بن هشامٍ اللغوي: “طالت مجالستنا لمحمد بن إدريس الشافعي، فما سمعت منه لحنة قط، ولا كلمة غيرها أحسن منها”. وقال أيضا: “الشافعي كلامه لغة يُحتج بها”. قال الزعفراني: “كان قوم من أهل العربية يختلفون إلى مجلس الشافعي معنا، ويجلسون ناحية، فقلت لرجل من رؤسائهم: إنكم لا تتعاطون العلم، فلم تختلفون معنا؟ قالوا: نسمع لغة الشافعي”. وقال الأصمعي: “صححت أشعار “هذيل” على فتى من “قريش”، يقال له: محمد بن إدريس الشافعي”. وقال ثعلب: “العجب أن بعض الناس يأخذون اللغة عن الشافعي، وهو من بيت اللغة! والشافعي يجب أن يؤخذ منه اللغة، لا أن يُؤخذ عليه اللغة”. يعني: يجيب أن يحتجوا بألفاظه نفسها، لا بما نقله فقط. وقال الجاحظ: “نظرت في كتب هؤلاء النَّبَغة الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفا من المُطلبي، كأن لسانه ينظم الدر”.
علاقة علم أصول الفقه باللغة العربية علاقة استمداد، ففهم الكتاب والسنة ـ والتي هي الأدلة التي ينطلق منها الأصولي ـ متوقفة على معرفة اللغة العربية، ومباحث اللغة تدخل كثيرا في علم الأصول، وعلماء الأصول أخذوا القاعدة اللغوية من علماء اللغة ثم أضافوا عليها مباحث أوسع من المباحث اللغوية، فمن ذلك الدلالات، فمثلا “كل”، و”من” و”أي”، وإذا كان مضافا أو محلى بـ”أل” والجمع إذا لم يكن مضافا، ولم يدخل عليه “أل” والنكرة في سياق النفي، والشرط والإثبات، كل هذا يفيد العموم، وهو مستفاد من مباحث اللغة، إلى غير ذلك من المباحث اللغوية التي استند عليها الأصوليون، فكان شرطا لمن أراد تعلم الأصول والتمكن فيه أن يتعلم اللغة العربية نحوا وصرفا وأدبا.
يروى عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن امرأة عادته في مرضه (وكان رحمه الله ممرضا)، فقالت له: الله يُشفيك (بضم الياء)، قال: اللهم بقلبها لا بلسانها. لأن (يُشفى) مضارع (أشفى) والهمزة للإزالة، فيؤول المعنى إلى: أزال الله الشّفاء عن جسدك، ولم تقصد المرأة. وقول الشافعي: اللهم بقلبها لا بلسانها، يعني: أنها تقصد بقلبها الشفاء لي وإزالة المرض، ولكن لسانها أخطأ، فخذ الله تعالى بما في قلبها لا بلسانها، ونحن نعلم أن المرء إذا دعا وأخطأ في قصده؛ فإنه لا يؤاخذ بما قال، فالعبرة بما قصده ونواه.
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: “إن من شيوخي من استسقي بهم، ولكن لا أروي عنهم الحديث”. أعجبني في هذه المقولة قدرة الإمام على التمييز فيما يأخذ من شيخه، فالشيخ ليس كاملا يؤخذ عنه كل شيء؛ وإنما لا بد أن يكون الطالب لديه حسًا معرفيًا ما يأخذ من الشيخ وما يذر، فلا يكون مع شيخه كالميت مع مغسله، بل يكون ذا إرادة وتمييز يمكنه على معرفة الحق والباطل. الإمام رحمه الله تعالى كان محترما لعقله فلم تذب شخصيته في شيخه، فلا يدور مع شيخه حيث دار، وإنما يحكم كل أمر وفق المنظار الشرعي على ما لديه من معرفة.
عوالم القراءة والكتابة
لعل من محاسن المرء إذا كتب ألا يبحث عن استحسان الناس، إذ لو فعل لدخل في دوامة لا نهاية لها، وها أنا ذا يغشاني شيء من العذاب إذ أريد أن أطلق سراج قلمي واترك له العنان يقول ما يشاء، ولكني عدت فلجمته وقيدته، فأخشى أن صال وجال قال ما لا يستحسنه الناس، فالناس تريد الحركة منضبطة ولا تميل لشيء غير مألوف. تركت القلم بالكلية وأخذت كتابي لأكمل قراءتي ونفسي تنازعني للكتابة، وأشد ما يكون عليّ حين أكره نفسي على القراءة وهي غير راغبة، فلا أستسيغ الكلمات التي اقرأها ولا أنفذ لأي معنى مختبئ بين السطور، طاوعت نفسي وتركت الكتب وعدت لأحمل القلم لأكتب ما يختلج في نفسي دون مبالاة للناس، فانطلق القلم يسابق أفكاري فيكتب شيئا وأفكاري تقدح شيئا حتى إذا ذهبت سكرة الكتابة، سكن القلم وترجل عن الأوراق وتنحى جانبا تاركًا لي فرصة لأقرأ ما دوّن، فرأيته قد رسم شيئا غريبًا ولم يكتب كعادته وإنما رسم جسدا جميلا مكتملا متناسقا في تكوينه، كأن الرسم صورة فوتوغرافية، غير أنك تجد فيها تجويفا، فتبدو لمن يتأمل فيها بدقة عالية فيها ثقوب لا تبدو من بعيد، يبدو من خلال الثقوب أن الجسد مجوف لا قلب فيه ولا دماء، فذهب ذاك الحُسن الذي بدأ لي في الرسم من الوهلة الأولى، وانتابتني بدلها دهشة من هذا الجسد الذي اكتمل حسنه من الخارج وفسد شكله من الداخل، قلت لنفسي: هل هذا عبث من القلم حين منحته حريته؟ أم أنني استعجلت على القلم ولم أدعه يكمل ما بدأ؟ لا أعلم. حملت القلم مرة أخرى لأدعه يكمل ما رسم فقد أكون استعجلته، تركته يعود ليرسم مرة أخرى، فرأيته يتحرك بثقل وشدة لم أعهدها عليه، ومكثت انتظر ينهي ما بدأ، وبالكاد تحرك ورسم، حتى إذا تثاقل الوقت علي، أوقفت القلم ووجدته فرحا بهذا التوقف، وكأنه يريد ذلك من قبل، وضعته جانبًا وعدت لأرى ما رسم، فتعجبت أنه لم يقترب من الجسد، ولكنه رسم حفرا سوداء أمام الجسد، ورسم سوارا بجانبيه، حتى أصبح الجسد وكأنه في سجن فلا يملك إلا أن يبقى الجسد واقفًا أو يسير للأمام، ولو سار للأمام سقط في الحفر السوداء المخيفة، ولو مكث واقفًا سقط من الإعياء، فأصبح الجسد لا قيمة له مع حسنه وكمال صورته، بقيت حائرًا متسائلًا: هل يغني هذا الكمال في الجسد شيئا وهو لا روح له؟ ولو عادت روحه وتهيأ للمسير فإنه لن ينتفع من روحه العائدة شيئا، فسيسقط في حفرة لا قعر لها، هل هناك مخرج لهذا الجسد؟ حملت القلم مرة أخرى وقلت لعله يرسم مخرجًا أو يضع حلًا؛ فأنا أصبحت عاجزًا عن التفكير، تركت القلم ليرسم مرة أخرى ولكن هذه المرة كان القلم أشد تثاقلا، حتى لا أكاد أراه يتحرك، مكثت وقتا مديدًا انتظر حركته، فتحرك بثقل وكأن حركته جاءت على استحياء أو جاءت بعد تأمل طويل، فكأنه مثلي كان تائهًا، ولكنه مضى يرسم بثقل وانا أُصبَر نفسي حتى ينتهي، وحين رأيته توقف ولم يعد يفعل شيئا، أخذته ووضعته جانبًا، وعدت لأرى ما رسم، فلم أجد شيئًا كبيرًا سوى أنه رفع بصر الجسد للسماء، فترك الجسد النظر للأرض فلم يعد يرى الجسد الحفر، وأخذ يتلفت للسماء، تأملت في الصورة كثيرًا ثم تركتها جانبا ورفعت بصري للسماء.
حين تكتب شيئا، فلا يكن همك أن تكتب مثل أحد، فلا تقلد كاتبًا، ولا تحاكي مؤلفًا، وليكن همك تنثر خلجات نفسك ووحي ضميرك، فجمال حرفك ينبع من صدق إحساسك.
القراءة في هذا الزَّمن الصَّعب تقلِّل من ضغط وجهد المرء الذي يواجِهه في حياته؛ فالحياة اليومية مرهِقةٌ بأعمالها وارتباطاتها، فينزع المرءُ للكتاب ليخفِّف من هذا الضَّغط الذي يشعرُ به؛ فرواية ماتِعة تنقلك لعالَمٍ آخر ينسيك لحظات الشدِّ التي تمرُّ بها، وكتابٌ علميٌّ يجعلك في اندِهاش وتساؤل يشتِّت لحظات الضغط التي حلَّت بك، وكتاب في الرِّقاق يزهِّدك في الحياة فلا ترى الحياةَ شيئًا، فهذا هو جمال الكِتاب أنَّه يطرد ويزيل الشدَّ النفسي اليومي.
أجمل القراءات هي ما كانت بحثا عن جواب لأسئلة مقلقة، وهي شاقة ومتعبة ولكنها ممتعة، وقد يصل الإنسان فيها لجواب وقد لا يصل، وهو في قراءته يقرأ بعين متأملة باحثة، فيكتشف في قراءته النزاعات والاختلافات والمتوافقات، ويرى أن كثيرا من الأفكار ضحلة غامضة، ويرى قليلا منها متجاوزة زمنها وبيئتها، وقد تزيده القراءة اضطرابا وقلقا، وقد تذهب به إلى أماكن لم يكن يتصور أنه سيذهب إليها، فالقارئ الباحث يبدأ باحثا في قراءته عن فكرة وينتهي باحثا عن أفكار متعددة، فميزة القراءة أنها تفتح دروبا في الطريق يلجأ القارئ فضولا؛ فتذهب به في مسارات قد لا ترجعه لطريقه الأول. وهذه ضريبة المعرفة.
قلبت عدة كتب لأقرأ ولم أجد شيئا منها يستحق القراءة، لم أجد سوى بساطة فكر وسذاجة رأي وسطحية قلم، أشد ما أعانيه حين انتهي من كتاب وابحث عن آخر، فتكون المعاناة أن أجد كتابا ينسجم مع فكري واهتمامي، فالقراءة أراها رحلة، وهذه الرحلة يجب أن تكون: نافعة وماتعة، شرطان لو اختل أحدهما فلا يستحق الكتاب القراءة، وشرط النفع هو ما يتفق مع مرادي، وشرط الإمتاع هو يجعلني اتشوق لإنهاء الكتاب، وهذان الشرطان قلما تجدهما، ولو ظفرت بهذين الشرطين فلن تكون بحاجة لدافع للقراءة، فنفسك ستتحفز بذاتها وتندفع بكليتها نحو القراءة.
أسرار النفس وآليات التفكير
التعامل مع الحياة ومع الأشخاص بجدية، إما كذا أو كذا، دون توسط، إما أبيض أو أسود، ولا لون آخر، فهذه الجدية والدقة لا تجعل مساحات واسعة للعقل لينطلق بعيدا، فهو محصور بجديته، ومقيد بالحدود التي حدها ورسمها، يضيق على نفسه ما كان متسعا. حين لا يرى العقل الظلال بين الألوان، ولا يرى للأشياء أشكالا متعددة، فإن العقل لا ينبسط في الفهم، ولا يحسن التصرف والفعل، فالجدية لا تجعل العقل يرحل لمسافات بعيدة، وتمنع العقل من كمال الاستيعاب، فيفهم خلاف ما ينبغي، ففقدان المرونة العقلية تصيب العقل بالعجز النسبي، مما يفقده حكمته واتزانه.
ما أن آوي إلى فراشي إلا وتتكاثر الخواطر في مخيلتي حتى تضطرب نفسي ويضيق فكري ويذهب نومي ويطول أرقي، وعبثا تذهب محاولتي في طرد هذه الخواطر، بل كلما جهدت نفسي في طردها ازددت غرقا فيها، وكم وددت لو أتتني وأنا في نشاط جسد وأريحية بال، ولكنها تأتيني وقد استخف بي التعب ونالني من الأعياء ما أثقلني حتى عجز الفكر أن يطردها لوهنه. كنت أظن أني حين أويت لمضجعي، وأودعت قرطاسي، وأطفأت سراجي، أني قد أسدلت الأستار والسجف على أفكاري، ولكن هيهات فالخواطر لا تتسلل إلا في الظلام حين يهجد الناس فتنبعث من مرقدها لتوقظني لمصاحبتها، وما يثار في النفس من خواطر لا أعلم ما مبعثه هل هي العواطف أم العقل؟ وكيف للعقل أن يثير تلك الخواطر وهو في إنهاك! وكيف للعواطف أن تثير الخواطر وهي ساكنة هادئة! ولعل انبعاثها لعلة لا أعرف منشأها، ولعل ذلك من جد الحياة وهزلها؛ فحين تريد الخواطر لا تجدها، وحين لا ترغبها تأتي إليك زرافات ووحدانا، ولعل هذه طبيعة الأفكار أنه لا نظام ولا قانون يحكمها.
روى أبو نعيم بإسناده عن الشعبي أنه قال: “شهدتُ شريحًا وجاءته امرأة تخاصم رجلًا، فأرسلت عينها فبكت، فقلت: يا أبا أمية ما أظنها إلا مظلومة! فقال: يا شعبي، إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون”. الظالم قد يبكي ويشكي فلا يعني بكاءه أو شكواه صدق قوله، فبينات الحق هي الأدلة لا الدموع، وكلما جردنا المواقف من المشاعر كلما رأينا صورة أخرى، فتعدد النظر مطلب لنيل الحقيقة.
لا تنشغل في مجادلة الذين يرفضون الدليل والبرهان، ويجادلون كثيرا من أجل تقرير وتأكيد أفكارهم، حتى ولو كانت أفكارا هاوية، ولا حجة عليها. فهؤلاء مشكلتهم ليست من وجود الدليل أو غيابه وإنما مشكلتهم من ذواتهم وأنفسهم، الذين يرفضون الدليل عنادا تجاوزهم ولا تجادلهم واتجه لعمل آخر، فالمعاند لا يجادل لأنه يرفض الحق عنادا حتى ولو اتضح له الدليل، فمشكلته ليست معرفية؛ وإنما أخلاقية، فهو يحتاج لإعادة تهذيب سلوك وتربية وجدان وليس لإقامة حجة وبرهان.
بناء الذات ومواجهة الحياة
سقط الشعب الألماني في الحرب العالمية الثانية، وأصبحت ألمانيا خرابا بعد أن كانت عمارا، ولكنها مالبثت أن نهضت من جديد لتكون من أقوى الدول اقتصاديا، ويصدق فيهم قول عمرو بن العاص “وأسرع الناس إفاقة بعد مصيبة”. ليست المشكلة أن تمر عليك مصاعب ومشاكل قاسية، فهذه طبيعة الحياة، ولكن المشكلة ألا تعرف كيف تخرج من مشكلاتك، والأسوأ ألا تفيق من مصائبك، ولا تنهض من كبوتك،وتبقى أسيرا لمشكلاتك واضعا المعاذير التي ترضي بها حالك ووضعك، متناسيا قول الله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” فالتغيير يبدأ منك، وأول التغيير هو تغيير الأفكار الخاطئة التي عششت في الذهن.
أحيانا يصاب المسلم بصدمات وتحديات في طريق دعوته فيتوقف عن المسير، وطريق الدعوة؛ بل كل طريق في الحياة، يتطلب العطاء المستمر، وعادة من ترك الطريق تعلل بمعاذير زائفة، فتارة يلقي اللائمة على الناس ويقول: قد فسد الناس، ولا خير فيهم إلا من رحم الله تعالى. وتارة يلقي اللائمة على الأوضاع العالمية، ويقول: إن الزمن زمن فتنة، والبعد عن الفتن مطلب شرعي. وليته إذ ترك الطريق أن يعود باللائمة على نفسه، فيقول: ضعفت نفسي، وتغيرات مراداتي، ولم أعد أقوى على تحمل أعباء الدعوة. فلو قال هذا لكان خيرا له، فالصدق منجاة، ولكن أن يلقي التبعة على الناس فهذا تخلي عن المسؤولية، والله سبحانه قال: “قل هو من عند أنفسكم”، فالانسحاب نتيجة رؤية عليلة مآل ذلك التقوقع واليأس.
صاحب الطبع المعتدل هو من أسعد الناس حتى ولو كان فقيرا معدما، وهو خير من رجل ثري رُزق طبعا شحيحا حسودا بغيضا. فمن أُوتي طبعا سليما وصفاء ذهن فسيرى الأشياء على حقيقتها وفي حجمها الطبيعي، وسيجد في خواطره وأفكاره ما يسليه أعظم تسلية، وسيستغني عن المتع والشهوات التي تتهافت عليها عامة الناس، بل يراها في تقديره، مصدر إزعاج وقلق. فالطبع السليم هو شرط السعادة، فمن امتلأ رضا وقناعة وامتلك فكرا لا تثيره ما يثير الناس، ومنسجم مع ذاته لا يستمد الرضا من خارج ذاته، فقد رُزق خيرا عظيما لا يملكه كثير من الأغنياء.
التحلي بالصبر لا يعني أن تستلم وتجلس بهدوء وتنتظر، حقيقة الصبر أن يسكن قلبك وتعمل جوارحك، أن تتخذ خطوات إيجابية لا يتنافى مع الصبر؛ بل هو المطلوب.
ابتسم دومًا، ولو ابتسامة زائفة، فرب ابتسامة متظاهرة، حجبت شقوة النفس.