في سيكولوجية الاختيار وبناء الأفكار
أتساءل: هل اختيار الشخص للمنهج الذي يسير عليه هو اختيار حر؟ قد نتفق أو نختلف في الإجابة، ولكن الذي أراه أن البداية التكوينية يكون الاختيار فيها غير حر وإنما إتباع وتقليد، ثم تأتي الحرية في الاختيار لاحقا حين تكتمل أدوات التفكير. ولكن ما العوائق التي تجعل المرء يبقى على اختياره الأول دون الانتقال إلى الاختيار الحر؟ وهنا أرى أن تعداد العوائق أمر فيه مشقة فكل فرد له ما يمنعه، ولعل هناك بعض المشتركات بين الأشخاص وهي عدم المبالاة أو الخوف أو القناعة بصحة اختياره الأول، فهذه ربما تكون مشتركة بين الأشخاص. ولعل الحديث يسوقنا لمنحى آخر، هل من غير طريقته الأولى ومنهجه الذي ولج فيه دون اختيار هل هذا يعني أن لديه قدرات فكرية عالية أم أن الأمر لا يتطلب ذلك؟ وهذه قضية جدلية أخرى، فالحديث عن الشخص في قدرته على التغيير واتخاذ ما يراه صحيحا لا يمكن حصره في سبب واحد، فالتغيير والانتقال لحاله فكرية مغايرة ليس دلالة على كمال العقل بل قد يكون العكس تماما، فالهوى والمصلحة والتقليد وغيرها تجعل المرء يغير من قناعاته، فليس كل تغيير ناتج عن قناعات فكرية ومحاجات منطقية. ولكن لنتجه للجهة المغايرة وهي: حين يجد المرء أن طريقته خاطئة ويرى طريقة أخرى أصوب وأحق، فلماذا يبقى على طريقته الأولى ويترك الصواب؟ قد يجري في خلدكم مثالا على ذلك إبليس فهو قد عرف الحق ولم يلجه، والجواب في هذا مفتوح متعدد الأجوبة فللعامل النفسي حظ وللفكر حظ وللمصلحة حظ الخ .. وهذا كله يشير إلى الحرية التي يملكها الإنسان في اتخاذ القرار، وهي شرط في اتخاذ القرار، وهي شرط لكمال التفكير، وهي شرط للمسؤولية. فحين يمتنع المرء في قبول المنهج الصحيح وقد ملك الحرية التامة والإرادة فهو مصاب بداء سلوكي كالكبر أو العناد أو غير ذلك.
متى تحيا الفكرة ومتى تموت؟ الفكرة أراها كالكائن الحي تحتاج طعاما لتستمد طاقتها وتحتاج شرابا ليبقى نفسها، وما طعام الفكرة إلا الانشغال بها، وما شرابها إلا حركتها، فالأفكار حين تهدأ وتسكن فإنها تدخل في سبات ثم يمتد بها السبات حتى تموت. تحيا الفكرة حين نعرفها ونقيدها ولا نتركها دون قيد، فالفكرة تمر فمن تشبث بها بقيت عنده فنمت وازدهرت وإن تجاهلها حملت أمتعتها ورحلت، الفكرة بطيئة الحضور سريعة الزوال، ومن أراد لأفكاره الحياة والبقاء فليرعها وليعش معها فإن رأى أنها صالحة للحياة فلا يدعها، وما نجاح المبدعين وتميزهم إلا باستثمار أفكارهم، فبذلوا المهج من أجل جعل أفكارهم واقعا يحيا بين أيديهم، فحياة الفكرة وموتها هو كامن في تفاعل صاحبها وتضحيته من أجل فكرته.
مشاكلنا تتعدد وتتنوع وتتجدد وأفكارنا ثابتة محدودة وبعض منها قد أصابه البلى، من السطحية عدم التعمق في فهم المشكلة وعدم التعمق في إدراك فكرة الحل، نتعامل مع المشكلة بسطحية وعفوية ونتعامل مع أفكارنا بغفلة دون وعي لجذورها، مشاكلنا تتصاعد وأفكارنا ثابتة لا ترتقي مع سلم المشاكل، غالبا نملك نمط أو نمطين من الأفكار في مواجهة أي مشكلة، وبقاء مشاكلنا وتعقدها لا يعود للمشكلة ذاتها وإنما يعود لتعاملنا مع المشكلة فهما وإدراكا وتحليلا وتفكيكا، ويعود إلى الأفكار ذاتها وبعدها عن الانسجام مع طبيعتنا وواقعنا، وجرت العادة أنه حين تتعقد المشاكل أن ترتقي الأفكار وتنمو ولكن نجد أن مشاكلنا تتعقد وأفكارنا ثابتة لا تتطور مع تعقد المشاكل، كأننا نسلك مسلك المطرقة، فالمطرقة ليس لديها حلا إلا الطرق، فكل شيء يجب أن يضرب، وهنا تزداد المشاكل ضراوة وصعوبة، إذا أردنا تجاوز مشاكلنا فعلينا أن نعالج أفكارنا ونرى مدى جدواها وقدرتها على تخطي المشكلات. علينا أن تطهي أفكارنا قبل استعمالها فالطهي يظهر الدسم.
أحيانا نحتاج لبعض المغامرات “الفكرية”، فإثارة النفس وهزها من الداخل هو نوع من المغامرة الذي يفتقده الكثيرون، تذبل في النفس حماسة القراءة وحب المعرفة بسبب غياب التحدي وخوض المغامرة، والنفس إذا لم يكن لديها رغبة دائمة وملحة للاستكشاف والمعرفة فإن سيرها للمعرفة سيتلاشى وسترضى وتقنع بما وصلت إليه من معرفة بسيطة.
صراع المساواة عبر التاريخ
قضية المساواة .. قضية معقدة، فهي قضية مصاحبة للإنسان في كل زمان وكل جيل، فمن ركب قاطرة الزمان وعاد للوراء لوجد كل عصر يقاتل من أجل المساواة، ففي بلاد الإغريق كان التمييز العنصري يضرب إطنابه، ثم جاء أفلاطون فكتب كتاب الجمهورية ليصنف الناس طبقات فيزدري قوما ويرفع آخرين، وجعل مدينته الفاضلة مبنية على هذا التصنيف، ثم تسلسلت الأحداث جيلا بعد جيل فكانت الثورة الفرنسية من أجل تحقيق المساواة، فأعلنت حقوق الإنسان: الحرية، الإخاء، المساواة، ولكن بقيت القضية قضية صراع، حتى جاء ماركس وأعلن حقوق الطبقة العمالية الكادحة، وبقي الصراع، وكانت المرأة تبحث عن مساواتها مع الرجل، حتى سنح لها منفذ فأعلنت عن نسويتها، فوضعت لها قوانينها، حتى عادت المجتمعات تأن وتصرخ من أجل هذه المساواة، وسيبقى هذا الصراع أزلي، فكل فئة تطلب المساواة، ولا يمكن الوصول لنقطة اتفاق، إذ يتعذر تحديد مفهوم المساواة وحدودها، وحين تكون القضية غير محدودة ولا يمكن تجليها للناس فإن الصراع سيبقى، والقوي هو الذي يحدد المفهوم ويفرض التطبيق.
آفاق المعرفة ومناهج العلماء
من لم يتعلم المنطق فإنه يجد في الأمر صعوبة في فهم علم أصول الفقه فقد دخل علم المنطق في علم أصول الفقه في أبواب كثيرة، فتجد كثير من كتب أصول الفقه تتكلم عن الحد وشروطه والقياس وأنواعه، وعن الدلالات وتقاسيم الألفاظ وكل ذلك وفق منهج المناطق، فظهور المصطلحات المنطقية في عبارات الأصوليين كثيرة كالعموم والخصوص والمطلق والتضاد والتناقض واللازم والملزوم والجنس والنوع والفصل والخاصة والموضوع والمحمول الخ وتقسيم الدلالات إلى دلالة مطابقة وتضمن والتزام ، وظهور الجدل .. والقائمة تطول في تغلغل المنطق في علم أصول الفقه. فحين يقول لطالب العلم لا تتعلم المنطق؛ فكأنه يقول له لا تتعلم أصول الفقه؛ لأن المنطق أصبح، شئنا أم أبينا، جزءا من علم أصول الفقه، فمعرفة المنطق أصبح مطلبا لفهم خطاب العلماء، والله أعلم.
نقد ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة للمنطق لم يكن نقدا مسقطا دون وعي أو نقدا تكفيرا دون برهان أو نقدا رافضا للمناقشة؛ بل كان نقده علميا مبينا فيه عدم كفاية المنطق في بلوغ المعرفة؛ ولم يكتف بذلك بل أظهر البديل، فالدلائل القرآنية كافية للوصول للمعرفة بطريقة صحيحة وبطريقة عقلية، وقد ذكر في كتابه العظيم “درء التعارض” أن هناك في القرآن أكثر من ألف دليل عقلي على وجود الله تعالى. ونقده للمنطق رحمه الله ليس رفضا للحق الذي فيه؛ بل كانت سهامه ترتكز على الخلل الذي يتركب منه، كنظرية القياس وبراهينه وكالحد وغيرها، فنقد ابن تيمية كان نقدا موضوعيا علميا وهذا ما يجعل له المكانة العالية في الفكر الإنساني برمته.
ينهي السلف عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم؛ فكيف يمكن معرفة بدعتهم وكيف يمكن ردها والمرء لا يعرف بدعتهم؟ من أراد أن يرد الباطل فضرورة عقلية أن يعرف الباطل كما هو، ومعرفة الباطل تكون من مصدره، فالاطلاع على كتب أهل الباطل ضرورة لمن أراد أن يتصدى لهم، ومن تصدى لهم وهو لا يعرف أدلتهم وكيف بنوها وأسسوها وما منطلقاتهم الفكرية فإنه سيضعف الحق الذي لديه، فمن كمال القوة معرفة الخصم معرفة تامة، ومن أسباب الضعف والوهن المعرفي العجز عن معرفة الخصم، ونهي السلف عن مطالعة كتب المبتدعة يكون لمن لا علاقة له بالمعرفة ولا المدافعة عن الحق، فلا يحمل كلامهم على جميع مريدي العلم وإنما المراد من لم يسلك طريق المناظرة مع الخصوم، ونحن نعلم أن السلف اطلعوا على كتب المبتدعة وناظروهم وألفوا في ذلك الكتب؛ ولو لم يعرفوا أدلتهم فكيف يؤلفون الكتب في نقض أدلتهم، فمعرفة الباطل مطلب ضروري لمن أراد أو مارس الدفاع عن الحق.
إذا المرء لا يجد في نفسه القوة العلمية، والتمكن المعرفي، والقدرة على مقارعة الباطل بالحجة والبيان؛ فلا يدخل مع أهل الباطل في حوارات ونقاشات علمية كي لا يضعف الحق في نظر الناس . وقد قال شيخ الإسلام في درء التعارض (١/٣٥٧): “فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين”.
أحد الدعاة الكبار المشهورين في العالم الإسلامي قال يوما: قرأت درء التعارض لابن تيمية ثم لما وصلت للمجلد الثالث توقفت إذ لم أفهم شيئا، ثم قال: وعدت قراءته مرة أخرى ولم أفهم فتركته. كانت هذه رسالة سلبية سيئة من غير قصد منه عن هذا الكتاب العظيم؛ فهو من أعظم كتب الإسلام التي قمعت البدعة، فالأصل أن يحفز الشيخ الطلاب لقراءة هذا الكتاب العظيم، ولا يترك مركونا في المكتبات. وسبب عدم فهم الشيخ هو القصور العلمي لديه، فكتب شيخ الإسلام لا بد لها من مقدمات علمية يتحصل عليها طالب العلم، فمن أراد قراءة كتب شيخ الإسلام فلا بد أن يعرف قبلها المنطق والمصطلحات الفلسفية ويكون لديه إلماما بأصول الفقه وشيء من اللغة تساعده على الفهم، فكتب شيخ الإسلام المتقدمة لا تشرح المقدمات باعتبار أن القارئ يعرف المقدمات، فلا يصح قراءة درء التعارض أو تلبيس الجهمية قبل قراءة الواسطة والتدمرية وفهم معانيها، فالقفز لكتب شيخ الإسلام المتقدمة تجعل القارئ في متاهة، ولكن لا يعني هذا أن كتب شيخ الإسلام غير قابلة للفهم، بل هي ضرورة لمن أراد اليوم مقارعة أهل البدع والفلاسفة.
حين قبل لمحمد أمين الشهير بابن عابدين رحمه الله: إن أبا حامد الغزالي ليس بفقيه، وإنما كان زاهدا. قال رحمه الله: “وقول هذا الجاهل: إن الغزالي ليس بفقيه، فهو من أجهل الجاهلين، وأفسق الفاسقين؛ فقد كان الغزالي، في عصره، حجة الإسلام، وسيد الفقهاء، وله في الفقه المؤلفات الجليلة، ومذهب الشافعي الآن مداره على كتبه؛ فإنه فتح المذهب، ولخصه بالبسيط، والوسيط، والوجيز، والخلاصة، وكتب الشيخين إنما هي مأخوذة من كتبه”. انظر: تنقيح الفتاوى الحامدية، ٣٣٤/٢
صناعة الكتابة ومسؤولية القارئ
أصبحت المقالات اليومية هي مجال للثرثرة وليست مجالا للثراء المعرفي، فما يشغل الكاتب هو الكتابة ذاتها وليس محتوى الكتابة، كتابة أي شيء دون النظر لجدوى ما يكتب، والضحية هو القارئ، فالقارئ يقرأ غثا وهراء، والإشكالية لا تقف عند هذا الغث وإنما تتعلق بالأثر الفكري لهذه الكتابات الهزيلة، فالعقل يتأثر سلبا وإيجابا بما يقرأ، فالكتابات التي لا تحتوي قيمة معرفية تعمل على تسطيح الفكر، والاستمرار في قراءة الكتابات السطحية تمنع القارئ من قبول الكتابات العميقة ذات المعرفة العالية. القارئ مسئول عن اختيار ما يقرأ، فنحن نقف يوميا أمام سيل متدفق من المقالات والكتابات العديدة، فدور القارئ هو الانتقاء الجيد، ولعل من مساوي كثرة المعلومات هو الضياع المعرفي والسقوط في الشتات مما يؤدي على هشاشة فكرية للمتلقي، فكان على القارئ حملا كبيرا في انتقاء ما يقرأ مع بذل جهد كبير في التركيز على ما يتناسب مع قدراته المعرفية وطموحاته الثقافية، فبناء الفكر يعتمد على جهتين: جهة خارجية وهي الكتاب أو المقال وأثره المعرفي، جهة داخلية وهي عقلية القارئ وقدرته على انتقاء ما يرتقي به فكرا وعلما.
أحيانا الكتابات الخاطفة القصيرة ولك أن تسميها الخاطرة، هي وسيلة يمكن منها اكتشاف الذات، فالخاطرة هي فكرة تخطر على الذهن وغالبا أنها تأتي سريعة دون استدعاء لها، تمر على الذهن ثم ترحل، وإمساكها وإبقائها يحولها إلى فكرة، وبثها ونشرها هو وسيلة لتثبيتها وإنضاجها ونموها، وكثرة الخواطر والأفكار تشكل طبيعة الشخص، فالإنسان عبارة عن مجموعة أفكار. ولكن ما يشكل في الأمر هو سوء التعبير عن الخاطرة أو الفكرة، فنقل الفكرة من الذهن للوجود ليس أمرا سهلا، فاختيار الكلمة المناسبة والبناء المتسق للفكرة فيه شيء من الصعوبة، لذلك يُساء فهم الأفكار بسبب سوء التعبير عنها، فإذا لم يحسن التعبير عن الفكرة فإنه بعد نشر الفكرة يبذل مرة أخرى جهدا في شرح وبيان وتصحيح ما يريد قوله، فكان التعامل مع الخاطرة يكمن في أمرين: في فهم الخاطرة الذاتية وإزالة شوائبها، وفي القدرة على إخراجها وبيانها بلغة واضحة صحيحة.
أنت من يقرر أن تكون كاتبا قديرا أو كاتبا هامشيا، فتقديرك لقلمك واهتمامك بقرائك يجعل لقلمك قيمة أسمى، ولعل في الحكاية التي ذكرها الروائي ماركيز في كتابه: «كيف تكتب رواية؟»، بيان للكاتب كيف يسقط من قيمته قال: «جاء إلى بيتي في مدينة مكسيكو شاب في الثالثة والعشرين من العمر، كان قد نشر روايته الأولى قبل ستة شهور، وكان يشعر بالنصر في تلك الليلة؛ لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشر. أبديت له حيرتي لتسرّعه وهو لا يزال في بداية الطريق، فرد علي باستهتار ما زلت أرغب في تذكره على أنه استهتار لا إرادي: «أنت عليك أن تفكر كثيرا قبل أن تكتـب؛ لأن العالـم بأسـره ينتظر مـا سـتكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتـب بسرعة؛ لأن قلة من الناس يقرؤونني». عندئذ فهمت.. فذلك الشاب قرر سلفا أن يكون كاتبا رديئا، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة».
حين تقرأ أمرا يريبك .. فما أجمل أن تكون هادي النفس مطمئن البال كي تقدر على استيعاب ما تقرأ، فالأفكار المخالفة لنا تثيرنا وتقلقنا وتسبب لنا شيئا من التوتر والانفعال وهذا يؤثر على مستوى الفهم للفكرة ويؤثر أيضا في الرد والنقض لها.
خبايا النفس ومرافئ التأمل
يقول الله تعالى: “كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة” اقتران تفكر الدنيا بالآخرة يعطي الإنسان كمال التفكر، فإفراد التفكر في الدنيا لوحدها يعطي صورة ناقصة لا يصل فيها للكمال، فالحياة صنفان: حياة الدنيا، وحياة الآخرة، وكلاهما تتطلب التفكر والتأمل، ومن اقتصر في تفكره على الدنيا كان تفكيره قصير الغاية ناقص المعنى، ومن اقتصر في تفكره على الآخرة متجاهلا التأمل في كتاب الكون المفتوح واختلاف الليل والنهار فسيكون لهذه المشاهد المبهرة لا معنى لها، لذا كان الكمال هو اتصال الدنيا بالآخرة في حس المرء، فيرى آيات الدنيا المبهرة فيتذكر الآخرة، ويملكه شعور بجلال الله وعظمته، فالتفكر هو لمعرفة قدرة الله تعالى واكتشاف سننه وغاية التفكر هو تعظيم الله تعالى.
أشعر أنني أعيش في عالم مغلق .. عالم لا امتداد فيه .. عبثا أحاول أن أخرج من عالمي ولكنني دوما أحجم في آخر لحظة للخروج .. عالمي مغلق لكن لا قسوة فيه .. ظلاله يلهمني بالحرية .. فخيوط عالمي لا تحبسني بل تنسج لي عالما داخل عالمي المغلق لأشعر بحريتي داخل عزلتي .. كلما ازداد جهلي بالعالم الخارجي قوي علمي وارتباطي بعالمي المغلق .. كتابي هو رفيقي في هذا العالم يؤنسني ويخفف عنى ألم الغربة ووحشة العزلة، لكن لم أعد أجد لحديثه لهيبا واحتراقا كما كنت أجد ذلك سابقا، فعلمت أن الكتاب رفيق درب ولكن حين لا تسير به وتنطلق معه فإنه يفقد بريقه وإشراقه.
أحيانا تضيق نفسي ويكثر علي الهم ويزداد قلقي، فأحاول أتخلص من هذه المضايقات النفسية بالهروب للأمام، فأرحل بفكري للمستقبل وأتصور هذه اللحظة القاسية التي أعيشها وكأنها قد أصبحت ذكرى، فيخف عليَّ الهم وينفرج شيء من الضيق، ومن لطف الله تعالى حركة الزمان وعدم بقاءه على حال وإلا لمات الأمل في النفوس وما قدر المرء على السير والعطاء.