تتسم هذه المجموعة من التأملات والرؤى للشيخ مبارك بجنة بعمق الطرح وتنوع
الموضوعات، حيث تتنقل بين قضايا النفس البشرية، وأسرار السعادة، ومنهجية التفكير، ونقد
الواقع الفكري والاجتماعي. يقدم الشيخ مبارك بجنة في هذه النصوص دعوة للتفكر والتدبر،
معتمداً على منهجية صارمة في تحليل الظواهر، سواء كانت متعلقة بالذات أو بالمحيط
الخارجي. لقد تم تجميع هذه النصوص وتصنيفها تحت عناوين موضوعية لتقديمها في سياق
مقالي متكامل، مع الالتزام التام بعدم تغيير أو حذف أي كلمة من النصوص الأصلية، بما في
ذلك الروايات والاقتباسات.
السيطرة على المشاعر وإرادة التغيير
يتناول هذا القسم قدرة الإنسان على التحكم في مشاعره وسلوكياته، مؤكداً على أن التغيير يبدأ
بقرار وإرادة ذاتية، وأن مقولة “هذا طبعي” ليست سوى عجز عن اتخاذ قرار التغيير.
عندي يقين تام إن أي مشاعر لدى الإنسان ممكن السيطرة عليه والتحكم بعاد لدرجة عالية
ومرضية … وتعلل كثير من الناس بقولهم: هذا طبعي لا استطيع أغيره ليس صحيحا. هو
يستطيع تغيير طبعه لكن الصحيح ليس لديه رغبة أو إرادة كاملة في التغيير.
حينما يقول الله تعالى “لا تحزن” فهذا يعني أن الإنسان لديه القدرة في السيطرة على حزنه،
وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام “لا تغضب” فهذا يعني لديه القدرة في السيطرة على
غضبه، لذلك لا يصح أن يقول الشخص الغضوب مثلا: مستحيل هذا طبعي فأنا أغضب
وانفعل بسرعة ولا استطيع أتحكم في نفسي ولا يمكن تغيير هذا الأمر.
نقول: تستطيع، وبكل سهولة ويسر، فقط اتخذ قرارا للتغيير، واتخاذ خطوات في تدريب ذاتك
عندها كل عادة سيئة لديك تستطيع تقلبها لعادة حسنة، ولكن بشرط وجود “إرادة التغيير” لديك.
التأمل والقراءة كأدوات للبناء الفكري
يُسلط هذا المحور الضوء على أهمية التأمل كمنبع للأفكار الكبرى، وضرورة اقترانه بالقراءة
لضمان البناء الفكري والتصحيح المعرفي، مستشهداً بنماذج تاريخية من الفلاسفة والعلماء.
كنت أتأمل في “التأمل” ..
ووجدت أن كثيرا من الأفكار تولدت بسبب التأمل… رأيت ديكارت الذي عمل انقلابا في الفكر
الغربي فهو مؤسس الفكر الغربي الحديث إذ كان سر تميزه هو طول تأمله، وقد ألف كتابا في
التأملات … وكذلك نيوتن فكانت قوانينه الفيزيائية وليدة تأملات صارمة اتبعها بتجارب
بسيطة، ولك أن تقول أن داروين كان منطلق فكره هو التأمل في الطبيعة … وماركس كانت
نظريته نتيجة تأملات في فلسفة هيجا الخ هذا النتاج الفكري الذي كان التأمل جزءا كبيرا من
طبيعته.
أن تكون قارئا بارعا لا يكفي؛ بل لا بد أن تكون متأملا فيما تقرأ ومتأملا في أفكارك وأفكار ما
يحيط بك، القراءة إدخال للمعلومات والتأمل هو استعمال هذه المعلومات للبناء الفكري
والتصحيح المعرفي .. قف يوميا وتأمل في كل ما تراه وفي كل ما يدور في ذهنك … ستجد
هناك فرقا شاعا في تصوراتك وسيكون هناك تغيرا في طبيعة حياتك.
“القراءة أهم وسيلة لخلق أراء حقيقية للذات، بعيدة عن التأثير والتأثر الاجتماعي، فغير القارئ
سيعتاد النقل عن الآخرين، والأهم تأجير عقله لأيٍ منهم.”
البحث عن السعادة المطلقة
يضع هذا العنوان مجموعة من التساؤلات الفلسفية حول طبيعة السعادة، وهل هي نتاج تخطيط
أم مصادفة، وعلاقتها بالعمر والمال، وهل يمكن أن تكون خالية من القلق والخوف.
دعوني أتساءل في قضية مهمة للغاية:
هل السعادة تأتي بفعل تخطيط واع، أم أنها تأتي مصادفة واتفاقا؟
وإذا كانت تأتي مصادفة، فما الفائدة من قولنا: كن سعيدا!
وهل السعادة لها علاقة بالعمر، بمعنى كلما زاد عمر الإنسان زادت سعادته أو كلما زاد عمره
زادت شقاوته؟
ربما أسئلتي تتعلق بالعناصر أو القضايا التي تكون السعادة.. فهل هناك عناصر تكون السعادة؟
ولو كان هناك عناصر تحقق السعادة كالمال مثلا، فهل الناس كلهم يستشعرون بهناء المال أم
من اعتاد الفقر شعوره يختلف عن من اعتاد الغنى الفاحش؟ وهل المال يسبب سعادة مطلقة أم
يولد معه القلق والشعور بالخوف من فقدانه؟ وهذا يدفعنا للتساؤل: هل هناك سعادة مطلقة
خالية تماما من الخوف والقلق والضيق؟
قضايا فكرية ومنهجية
يجمع هذا القسم مقتطفات متنوعة تتناول قضايا فكرية ومنهجية، مثل نقد العقل المسلم، وموقف
مالك بن نبي من العمل السياسي، وأهمية المبدأ في الحياة، مع إيراد اقتباسات من أعلام الفكر.
نقد العقل والجمود الفكري
كنت أشاهد مقطع توثيقي عن الرجل الآلي، واستغربت أنهم عملوا له خمسة أصابع في يده!!
لماذا لم يجعلوها أكثر أو أقل؟
هذا أوحى لي أن الإنسان مهما بلغ من العلم لن يتجاوز المحسوس، وغالبا أنه يتجه لمحاكاة ما
يراه، فما يراه هو الأكمل .. فعقل الإنسان ليس لديه القدرة على الاستقلالية المطلقة؛ بل لا بد
أن يبني تصوراته وأفكاره على ما يراه في الوجود، وهذا يعني أن العقل محكوم وليس حاكما،
وأنه تابع وليس متبوع.
ربما إحدى الأسباب الكبرى التي جعلت العقل المسلم يصاب بالجمود وعدم قدرته على الإبداع
في تفسير كلام الله تعالى هو ظنه أن المفسرين قد أحاطوا بكلام الله تعالى واستنفدوا الإمكانات
الدلالية للنص القرآني.
عمليات الاستشراف والتغريب لم تستسلم، ولم تلق السلاح، فبدل أن تقر بفساد نظرياتها، وعدم
إمكانية القبول لها في العالم الإسلامي، تحاول أن تعبر أن المشكلة والعلة في بنية العقل المسلم
أصلاً، لتأتي على البنيان الإسلامي من القواعد، وترسب في النفوس أن السبب في التخلف
والعجز والتخاذل الثقافي وعدم القدرة على الإبداع وقبول الفكر الغربي هو في بنية العقل،
وتكونه، وميراثه الثقافي. — عمر عبيد حسنة
أهمية المبدأ في الحياة
نعيش في الحياة مرة واحدة ..
فهل تعيشها بمبدأ أو بدون مبدأ؟
وإذا كنت ستعيش بمبدأ، فما المبدأ الذي ستتخذه وتجعله هو غايتك؟
وقبل ذلك: كيف ستختار وتنتقي مبدأ حياتك؟
وإذا عشت الحياة بمبدأ فهل تتمسك به دائما أم تجعله رخوا لينا تتركه حسب الظروف
والأحوال؟
هل تعتقد أن المبدأ الذي اتخذته يستحق التضحية والمعاناة من أجل تحقيقه؟
إذا كان المبدأ الذي اتخذته لا يستحق التضحية.. فهل يصح تسميته مبدأ؟ دعوة للتساؤل…
التحول الداخلي والتعامل مع المشكلات
يركز هذا الجزء على ضرورة التحول الداخلي كشرط للتغيير الخارجي، وأهمية الاعتماد على
الذات في حل المشكلات لتكوين شخصية قوية متزنة.
لا يمكن لأي فرد أن يقبل التغير الخارجي طوع إرادته إلا بعد أن يقبله داخليا.
قد يكون من السهل حين تواجه مشكلة ما أن تسأل من تعرف عن المساعدة لحل هذه المشكلة،
لكن من الصعوبة أن يقف الإنسان مع نفسه ويحاول هو بذاته اكتشاف أسباب المشكلة وكيفية
الخروج منها. العجز الذي يعيشه بعضنا في الوصول لحل مشكلاته بذاته أنتج شخصية ضعيفة
غير قادرة على مواجهة مشكلات الحياة بكل أريحية.
مشكلات الحياة لا تنتهي فكان التعلم في كيفية التخلص من هذه المشكلات والتغلب عليها أمر
لا مفر منه، مشاكل الحياة لا تحلها حبة دواء أو استشارة مختص ولكن يتغلب عليها المرء
بإرادة ذاتية قوية وببذل جهدي ذاتي في التخلص من هذه المشكلات، وإلقاء الحمل الداخلي
على الآخرين لا يبني شخصية متزنة سعيدة بتاتا.
رؤية الفرص (قصة بائع الأحذية)
تُقدم هذه الرواية مثالاً حياً على أهمية تغيير زاوية النظر للأشياء، وكيف أن الإبداع يكمن في
رؤية الفرص حيث يرى الآخرون العوائق.
تم إرسال بائع أحذية في مهمة تستغرق أسبوعين إلى إحدى الدول ليرى إن كانت هناك أي
إمكانية لإقامة أعمال فيها، استقل البائع الطائرة وجاب الدولة لمدة أسبوعين ثم عاد ليخبر
رئيس المنظمة : أيها الرئيس” لا توجد لنا أي فرصة في هذه الدولة، إنهم لا يلبسون أية أحذية
هناك على الإطلاق.
كان رئيس المنظمة رجل أعمال ذكي، وقرر أن يرسل بائعاً آخر في نفس المهمة لنفس الدولة،
استقل البائع الطائرة في رحلة مدتها أسبوعين ، وعندما عاد، أسرع من المطار إلى شركته
مباشرة ودخل على رئيسه والحماس يملؤه: أيها الرئيس ، لدينا فرصة رائعة لبيع الأحذية في
هذه الدولة ، فلا يوجد أحد يلبسها بعد!
الإبداع هو أن تنظر للأشياء بطريقة مختلفة.
خاتمة
تُشكل هذه التأملات رؤية متكاملة تدعو إلى التفكير النقدي، والاعتماد على الذات في التغيير،
والتعمق في القراءة والتأمل كسبيل للبناء المعرفي. إنها دعوة للتحرر من الجمود الفكري،
ومواجهة تحديات الحياة بإرادة قوية، والنظر إلى العالم بعين ترى الفرص حيث يرى الآخرون
العوائق. هذه النصوص، التي تم الحفاظ على أصالتها بالكامل، تقدم مادة ثرية للتفكر والتدبر
في قضايا الإنسان والمجتمع.