الحث الرباني على القرض الحسن
يقول الله تعالى: “مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”. هذه الآية فيها حث على الإنفاق بصورة تبهر العقول، فالمولى يسأل حاثا وحاضَّا على الإنفاق: فيبدأ الآية بقوله: “من ذا”، ويعلق ابن القيم على هذه البداية قائلا: “فصدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب وهو الاستفهام المتضمن معنى الطلب، وهو أبلغ في الطلب من صيغة الأمر، والمعنى هل أحد يبذل هذا الطلب” ويقول الله تعالى “يقرض الله” فسمى الله الإنفاق إقراضا، وهذه إشارة أن ما تنفقه سيعود لك، لأنه قرض، وأنت إذا أقرضت مليء قادر فلا ينتابك ريب أن مالك سيعود لك، فكيف وأنت تقرض الله وله الغنى المطلق الكلي، فيقينا سيعود لك مالك أضعافا مضاعفة كرما من الله تعالى، كما قال الله “أَضْعَافًا كَثِيرَة”. ولك أن تتعجب، أن الله يطلب منك الإنفاق ويجعله قرضا، لكي يثيبك ويجازيك على إنفاقك خيرا، مع إن المال مال الله تعالى، فهو الذي وهبك هذا المال وجعلك مستخلف فيه. ولكن لماذا الله تعالى قيد هذا القرض بالحسن؟ هنا يذكر ابن القيم كلاما جميلا فيقول: “هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسناً، وذلك يجمع أموراً ثلاثة: أحدها أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه. الثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاءَ مرضاة الله. الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى. فالأول يتعلق بالمال، والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه وبين الآخذ”. فهذه الآية الكريمة تزيد رغبة المؤمن على الإنفاق، وأن يجاهد نفسه ليتخلص من آفة البخل والشح، فالصدقة برهان على صدق الإيمان، فالله تعالى هو أعطاك وحرم غيرك، فمن أعطاك وطلب منك أن تنفق، فأنفق، وسيزيدك الله تعالى عطاء ويبارك لك في مالك.
التشدد الفكري وأثره السلبي
التشدد في الأفكار والتعصب لها أمر منفر، فلا يمكن للمتشدد أن يستوعب الآخرين، ولا يمكن للآخرين أن يتقبلوه، فالتشدد حالة نفسية فيها تعالي، فهو يرى أنه على صواب، وأن اختياراته هي الاختيارات الصحيحة، وأن الآخرين مخطئون، ولديه حدية عالية في تبنى أفكاره. وغالبا المتعصب لا يعرف الوسط، فلو غير رأيه، يذهب مباشرة للرأي الآخر المناقض ويتعصب له، والمتعصب لا يحسن الحوار والنقاش، فهو في حالة انفعال نفسي، وانفعاله ينفر الآخرين منه ولا يرون للحوار معه فائدة أو ثمرة تُرجى.
أهمية تحديد المشكلة بدقة
علينا أن نبذل جهدا كبيرا في تحديد المشكلة قبل وضع الحل، فرصد الأسباب التي أدت إلى المشكلة، هو مقدمة ضرورية في تحديد الحل المناسب. اختلاف الحلول ناتج عن الاختلاف في تحديد المشكلة، وغالبا الإخفاق في حل المشكلة هو بسبب “عدم معرفة المشكلة” بشكل دقيق وواضح.
نقد “التاريخيين” وغايات نقد الوحي
هناك من يصف مفكري الإسلام وعلمائه بالتاريخيين، أي القابعين في التاريخ لا ينقدونه ولا يتجاوزنه، وهذا الوصف غير علمي ولا منهجي، فهو وصف باطل يكذبه الواقع المعرفي. وفي تأمل سريع، نجد أن ما أنتجه المسلمون من فكر وعلم هو في الحقيقة قابل للنقد ويخضع للمناقشة والأخذ والرد، فليس للمنتج البشري أي عصمة، ولا أحد ينكر هذا، وما تراكم العلوم في التاريخ الإسلامي إلا كان من أحد أسبابه هو النقد المستمر، فكل العلوم الإسلامية نقدت حتى الصحيحين، فالحاكم مثلا في مستدركه كان استدراكا على الصحيحين، فجاء بأحاديث ووضعها في كتابه وقال هي على شرطي الإمامين البخاري ومسلم، بصرف النظر عن إصابة ما ذهب إليه، ولكن كان النقد قائما على جميع كتابات ومؤلفات علمائنا الأوائل. فالدعوة إلى نقد التاريخ، هي دعوة لا جدوى منها لأنها متحققة في الواقع منذ فجر الإسلام، ولا زال المسلمون ينقدون التاريخ فيصيبون ويخطئون، ولهذا نرى أن الدعوة إلى نقد التاريخ ليس المقصود بها القراءة النقدية للتاريخ، المبنية على المرتكزات الإسلامية وإنما المراد منها نقد “الوحي ذاته” وليس المنتج البشري، فالمراد جعل العقل البشري يعمل في الوحي قبولا وإلغاء وفق منطلقات عقلية فلسفية مقررة سابقا، فنقد التاريخ المقصود بها تجاوز النص الشرعي واستبداله بمنظومات فكرية بشرية لا تعرف الثبات ولا تؤمن بمنطلقات إلهية.
بساطة العقيدة وخطر الفلسفة
كان المسلمون يتلقون عقيدتهم من الوحي بطريقة سهلة لا تعقيد فيها، وكان الخلاف بينهم لا يكاد يذكر، ثم لما ظهر علم الكلام وأدخلت الفلسفة صار المسلمون يتلقون عقيدتهم عن طريق الفلسفة بطريقة فيها غموض وتعقيد، فظهر في الأمة الخلاف والنزاع والتكفير. وعندما ينظر المرء في حال الصحابة رضي الله عنهم لا تجدهم يوما ذكروا أفلاطون ولا سقراط، ولك أن تتأمل: الصحابة الذي ترضى الله عنهم لم يحتاجوا للفلسفة ولا علم الكلام، ولم يعيبهم هذا الأمر؛ بل نشروا دين الله تعالى في أصقاع الأرض. أليست طريقتهم هي الطريقة المثلى! فلماذا لا نتخذ طريقتهم منهجا؟ حقيقة: أنه ما دخلت البدعة في أمر إلا أفسدته وأخرجته من البساطة والسهولة إلى التعقيد والصعوبة.
العيد وإشاعة الفرح
في العيد لا تردد عبارات الكدر والآلام .. لا تشتكي محن الليالي والأيام .. فمن مقاصد العيد أن تبتهج النفوس وتشرق .. وأن تظهر على محياك السرور والفرح .. فدع الحديث عن بؤس الحياة جانبا لكي لا تفسد فرحتك .. حدّث الناس أحاديث باسمة .. اطرد عنهم اليأس .. فالنفوس قد أكلتها مرارة الحزن ولذعة الألم .. فهي تستقبل العيد ويكسوها شيء من الحزن .. فليكن حديثك بلسما يزيل شيئًا من المعاناة .. قد يصادفك في العيد من يحدثك حديث الأموات .. فيشعرك أنه جاء ليعزيك لا ليهينك .. فيقول: بأي حال عدت يا عيد .. ثم يسرد عليك مآسي العالم وأوجاعه .. بوجه عابس مكفهر .. فكن من هذا على حذر .. ولا تجعله يثقل عليك يومك .. فاجعل حديثه يمر وكأنه لم يقل شيئا .. فلكل مقام مقال .. ولكل لحظة ما يناسبها من حديث .. ومن لم يحسن اختيار القول المناسب .. فجدير ألا يجعل لقوله كثير اهتمام.
متعة التفكير الجاد
إذا كان التفكير الجاد بطريقة ما مؤلم ومرهق؛ فلا تلتفت إلى هذا الإرهاق الذي ينتج من هذا التفكير، نعم التفكير الجاد قد يرهق ذهنك ويتعبك: ولكنه يمنحك نوعا من المتعة لا تجدها في مكان آخر. متعة التفكير تبعث في النفس نشاطا يشغل اهتمام المرء وخياله بحيث يدفعه على مواجهة التحديات الصعبة، ويواجهها بمتعة، التفكير ليس فقط لتحقيق الإبداع وحل المشكلات ولكنه أيضًا مصدرًا للمتعة.
كيد الشيطان وسبيل النجاة
لا تتصور وأنت في هذه الحياة أنك سالم من إغواء الشيطان، فالشيطان قد أخذ العهد أن يغوي جميع البشر ولم يستثن إلا المخلصين، كما قال الله تعالى: ” فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين” والشيطان أقر أنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ولكن لا ندري هل نحن من هؤلاء المخلصين الذين سلموا من إغواء الشيطان. وإبليس اللعين متربص للمؤمن في كل لحظة ليغويه ويضله “قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين” ومن أخطر ما يفعله الشيطان هو التزيين، فيصور لك الباطل حقا ويجعل في نظرك الحق باطلا وهنا يقع الإنسان في فخ إبليس: “قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين”. فظاهرة التزيين تراها في كل شيء، فلا يقترف المرء الذنب إلا وقد تزين هذا الذنب في نفسه، فيميل لهذا الذنب، ولا يرى مشقة في اقترافه وانتهاك حرمة الله تعالى، فالتزيين يجعلك تأنس بالذنب، ويذهب ما في القلب من حرج وضيق ولا يشعر المرء بغضاضة وهو يقترف المعصية. لا يمكن للمرء أن من ينجو من كيد الشيطان إلا باللجوء لله تعالى، فأدعو الله مخلصا أن يصرف عنك كيد الشيطان، وكن على بصيرة بأمور دينك كي يتميز لديك الحق من الباطل ولا يتلاعب بك الشيطان، واتخذ الوسائل الشرعية من أذكار وعمل صالح كي لا يكون للشيطان عليك سبيلا.
الغفران والتسامح
ما أجمل الغفران والتسامح .. فالله عفو يحب العفو .. فاعف وسامح فالله تعالى يحب هذا .. وتأمل في كلام ابن القيم ما أحسنه: “ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها أو اتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بضدها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب، والبخيل والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، ستير يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها”. فمن اعتذر لك فسامح .. ولا ترد اعتذار أحد .. وقد قيل: أقبل معاذير من يأتيك معتذرا … إن بر عندك فيما قال أو فجرا فقد أجلك من أرضاك ظاهره … وقد أطاعك من يعصي مستترا أرأيت أن العبد إذا أذنب ثم تاب .. أليس الله يقبل توبته ويعفو عن سيئاته ويكرمه فيبدل سيئاته حسنات .. ثم تتعجب من البشر.. يعتذر الشخص عدة مرات .. ثم يرد ولا تقبل اعتذاره .. يومًا ستود أن يقبل الناس عذرك .. فلست معصوما من الخطأ .. فلا تكن غليظ الفؤاد .. فما رفضك معاذير الناس إلا دلالة على قسوة في القلب وشدة في النفس .. فكن هينا لينا سمحا ودودا .. واقبل معاذير الناس .. وسيهبك الله تعالى بعفوك سرورا وارتياحا ورضا ..
تحرير الفكر من الأرسطية
كان ظهور أرسطو سيئا على العالم أجمع، فكان سبب التخلف، حتى الفترة التي ساد فيها فكر أرسطو سُميت بالعصور المظلمة، ولم يقتصر ضرره على الغرب؛ بل كان أحد أسباب ظهور الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة الخ لقد تحرر الغرب من أرسطو فتقدمت، فهل ستتحرر الفرق الإسلامية من فكر أرسطو فتعود للجادة. ..
مساحات الجهل واتساع المعرفة
الغرب لو تأمَّل في طبيعة المعرفة التي لديه لأدرك أن مساحاتِ الجهل أكبر من مساحة العلم والمعرفة التي اكتشفها، فبقدرِ ما يكتشف من معارف، بقدرِ ما تزداد مناطق الجهل وتكثر الأسئلة المبهمة، فلو تأمَّل في أقرب شيء لديه وهو ذاته، فسيدرك أنه لا يزال يجهل الكثير والكثير عن هذا الإنسان، فما بالك بالكائنات الكبرى؛ كالسموات والأرض؟! وما بالك بالكائنات الصغرى كالذرة وما دق؟! فهو حتمًا أكثر جهلاً، وطبيعة الإنسان: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. ورحم الله الشيخَ المسدَّد ابن تيمية؛ حيث يقول: “فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائمًا إلى علمٍ مفصَّل، يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه، وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ينافي ظلمه، فإن لم يمنَّ الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل، كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم”
الرفق بالقلوب الموجوعة
حين ترى وجها شاحبا حزينا .. فارفق به وتلطف في قولك .. فما ضمر وجه وهزل إلا وقد تمزق قلبه وتوجع .. ولا تنتظر أن يبثك شيئًا من كربه .. فالقلوب المتوجعة لا تقوى على بث الشكوى .. وغاية ما تقوى عليه أن يترقرق دمع عينها جوى وشجى. لا تحدثه عن راحة القلب وسكون النفس .. فهو لا يملك قلبا كي يسكن ويهدأ .. فالقلب قد مزقته وعصفت به رياح الحياة .. وإن كنت محدثه فحدثه عن الأمل .. أحيي فيه ما مات في قلبه من رجاء .. القلوب الموجعة لا تتحمل العتاب ولا اللوم .. حسبك أن تتبسم فلعل بسمتك تصل لقلبه فيذهب حر الجوى وينطفي مر العذاب ..
النظرة السليمة للمشكلات
ليست المشكلة أن يكون لديك مشاكل، فطبيعة الحياة أنها لا تخلو من مشكلات، ولكن المشكلة الحقيقة هو “في نظرتك للمشكلة” وفي مدى تكيفك معها. حين تشعر أنك أسير مشكلتك، وأنك توجه دائرة اللوم لبيئتك ومجتمعك ومن حولك؛ فاعلم أن مشكلتك الأساسية هو في رؤيتك للمشكلة وفي كيفية التعامل معها. وعندما تتأصل لديك فكرة أن الناس هم الذين يصنعون مشكلاتك فأنت لن تستطيع أن تتحرر من مشكلاتك أبدا. لتتحرر من مشكلاتك فعليك أولا ألا تنظر لنفسك إنك “ضحية”، تخلص من مفهوم “أنك ضحية”، اللحظة التي تعلن فيها أنك ضحية؛ هي اللحظة التي تدخلك في عالم الاستسلام واليأس، هي اللحظة التي ستفقد فيها قدرتك على التحدي والتغلب على مشكلاتك. لا تنظر لنفسك أبدًا أنك ضحية، فالشعور بأنك ضحية هو تخل عن المسؤولية، وهو خضوع لسيطرة الآخرين، فقط انظر للمشكلة أنها من طبيعة الحياة وأن كل البشرية يعيشون مشكلات لا نهاية لها، فالشعور أن المشكلات من طبيعة الحياة يمنحك اتزانا ورضا ويجعلك قادرا على التفكير بطريقة عقلانية، فلا يمكن أن تتخلص من معاناتك إلا بضبط النفس واتزان الرؤية.
المؤمن المتحامل والمتقوي
.قال القرطبي في تفسيره :”قال قتادة يقول: يا بن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السآمة والفترة والملة، ولكن المؤمن هو المتحامل (1)، والمؤمن هو المتقوي، والمؤمن هو المتشدد، وإنّ المؤمنين هم العجاجون (2) إلى الله الليل والنهار، والله ما يزال المؤمن يقول: ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية.” نقلاً من “الجامع لأحكام القرآن” (1/181) (1) تحامل في الأمر وبه: تكلفه على مشقة وإعياء. (2) العج: رفع الصوت بالتلبية.