مقدمة
نصوص فكرية وتأملات إنسانية عميقة، كتبها الشيخ مبارك بقنه بأسلوب يجمع بين صفاء الفكرة وصدق الشعور، تتناول العقل، والمعرفة، والقراءة، والحياة، والذات، والوجود الحضاري، وتُقدَّم هنا مصنّفة تحت عناوين جامعة، مع الحفاظ الكامل على نصوصها كما وردت.
سلامة العقل ومنهج التفكير
مما يفسد العقلية النظر المتناثر يمنة ويسرة، فالشتات وعدم القدرة على تحديد الكليات من الجزئيات تزرع الحيرة والشعور بالضعف الفكري.
تمسك بما يثير اهتمامك وليس ما يثير الآخرين، حاول التماس الصور الناقصة في ذهنك، فالفكرة كأحجية صور تتطلب وقتاً كي تعيد ترتيبها بطريقة صحيحة
من أولويات ما يجب النظر إليه هو : سلامة منهج التفكير . فالتداخل الحضاري أحدث خللا في منهج التفكير لدى كثير من الناس .
التي يحملها الفكر تجعل العقل يتجه نحو الأخذ بالتفسيرات الجاهزة دون محاولة “الصور النمطية”
للتأمل والقراءة من جديد.. علينا مراجعة تصوراتنا.
الوعي الحضاري وصراع المعرفة
نحن في هذا العصر الحديث لم ندخل في “تحدي حضاري” مع الغرب، فغياب مفهوم التنافس يجعلنا لا نسعى للتغير؛ بل يبقينا في “مسار التبعية”.
في فترة قصيرة في تاريخ حضارتنا كان :وزن الكتب بالذهب: كانت في فترة ذهبية قصيرة..
اليوم الكتاب ليس لديه قيمة لدى كثير من الناس .. فشل أمتنا فشل معرفي .. غياب منهجية التحليل والتفكيك والتركيب دلالة أننا نعيش تخلف علمية مزرية للغاية .
صراع الحضارات صراع معرفي .. أين نحن في هذا الصراع المعرفي؟
هل جعلنا ‘‘قيمة‘ في حياتنا كي يكون لنا وجود حضاري ووجود ذاتي؟
القراءة: متعة العقل وبهجة الروح
متعة القراءة
إن تقرأ لتستمتع فأنت أدركت المعنى الحقيقي للمتعة، فالمتعة العليا هي ساحة الذهن وهي رحلة العقل في عالم المعرفة، أن تصبح القراءة هي متعتك فقد أضفت للمتع الحسية التي يشترك فيها الخلق متع معنوية التي لا يدركها كل أحد، فالحواس مع متعة الفكر تهدأ وتسكن وتطمئن؛ بينما الفكر مع متعة الحواس يظل في حركة وهدهدة لا يسكنها صوت البلابل ولا خرير الماء ولا جمال الغروب.
متعة القراءة أنها لا تحصرك في مكان ولا في لحظة زمنية بل ترحل بك في أماكن قد طويت وبليت وأماكن لم يرفع عنها اللثام بعد، فعبق المكان هو خيالك ومنظره هو طيف أفكارك، فأنت الذي تصنع المكان وتكسوه من الجمال والحسن ما يذهب عنك ضيق اللحظة وبؤسها، تصنع وجوداً ذهنياً متجاوزاً الوجود الحسي، وذاك الوجود الذهني جعل للقراءة جمالها وبهجتها وبهاءها.
من قال لك ناصحا لا تقرأ للاستمتاع وإنما للتفهم والتعلم فهو قد مضى بعيداً واستل من القراءة أجمل ما فيها، ليجعل من القراءة حالة شعورية كئيبة ثقيلة سمجة، فتكون صفحات الورق أثقل من رضوى، ولمداد حروفها اشتعالاً يكاد يحرق عين قارئها من بغضها ومقتها، وما ذلك إلا أنه رأى أن العلم والفهم مفارق للمتعة، وما علم إن غابت المتعة قل الفهم وضجرت النفس وأصابها الملل والسأم، فلا تعلمت ولا فهمت، فسر الفهم وديمومة القراءة هو في الاستمتاع بالقراءة.
قد نكون فشلنا في جعل من حولنا يعشقون القراءة ويهيمون في الكتاب والمعرفة…
وقد نكون نحن نشكل جزءا من هذا الفشل .. ربما السبب الرئيس أننا لسنا قراء حقيقيون، فهم لا يرون فينا نموذجا حيا لمحب المعرفة، وإنما يرونا أننا فقط نقتني الكتاب ولكنهم لا يرون أننا نتخذه خليلا، وربما نقرأ الكتاب ونصاحبه ولكن بؤسنا أننا لا نشاركهم في المعرفة حوارا وتثقيفا، وقد نتجاوز هذا البؤس فنقرأ ونحاور ولكننا لا نعرف أن حقيقة المعرفة هي الانفتاح وعدم الثبات وأن الحوار يجب أن يكون كذلك، فحين نحاورهم يروا فينا صورة للثبات والانغلاق، فيضيقون ذرعا من حواراتنا ويضيقون تبعا لذلك من المعرفة وأهلها.
فشل من حولنا في حب القراءة ربما لا يكون مرده لذواتنا نحن فقط؛ ولكن يكون مرده لأنفسهم هم، فالقراءة تتطلب تفرغا وجهدا وروحا متوقدة للمعرفة ونفسا متطلعة للاكتشاف، فالاستعداد الذاتي مطلب أساسي لمريد المعرفة، فغياب هذه الروح يتبعه انزواء عن المعرفة، ولعل من حسن عقلنا وجميل فعلنا أن نبذل جهدا في استخراج ما لديهم من قدرات وأن نبعث فيهم الإثارة والتحدي، فالقارئ الجيد هو من يصنع حوله بيئة علمية، ومن الأنانية أن يكون الإنسان قارئا متمكنا ومن حوله يعيشون حالة أمية قاسية.
القرآن والوجدان
لا تقرأ القرآن على أنه كتاب فلسفي أو أخلاقي أو وعظي؛ بل اقرأ القرآن على أنه وحي إلهي يخاطب نفسك ووجدانك وعقلك حينها ستجد للقرآن معنى مختلف.
الحياة بين السعادة والشقاء
أرى الحياة ألحانا ندونها كآبة وحزنا حينما نكون تعساء، وندونها ألحانا عذبة موسيقية حينما نكون سعداء، فليس للحياة خط لحني فريد نتغنى به دوماً؛ بل نوتات متنوعة الإيقاعات، نشكل انغامها تهزنا بقدر ما تهزنا الحياة، فنكتب لحنا رقيقا زلالا أو لحنا كئيبا ثقيلا، لحنا يطربنا ويسعدنا أو يبكينا ويحزننا.
من بؤسنا أننا إذا كنا سعداء لا نشدو ولا نتغنى لأننا نرى الحياة لحنا عذباً مأنوساً، فنصمت لنسمع ما حولنا يغرد ألحانا رقيقة عذبة، نبقى صامتين نتطرب لهذه الأصوات الجميلة، نبقى ساكتين لا نشدو ألحاننا الجميلة فجمال الوجود يغنينا عن التغني.
وحين نكون تعساء ننحب بصوت شجي هائج مائج مختلطا مع صرخات ما حولنا التي امتلأت عويلاً وبكاء، فتعلو أصواتنا الكئيبة مع أصوات ما حولنا رثاء ونواحا، فلا نسمع للوجود صوتا يبهجنا ولا ترنيمات تنشينا؛ بل تأوهات وأنين يدوي مسامعنا. وأصوات البؤس تزيد في زمن تعاستنا فبمقدار علو انتحابنا وبكانا يبقى حزننا وألمنا، وتصبح التعاسة والنحيب جزءا من ذواتنا، حتى نظن أننا هكذا خلقنا تعساء.
أفكارنا هي التي تمزقنا وتشقينا، نرى البؤس في كل شيء، نراه في ذواتنا ونراه في كل ما يحيط بنا، حتى غدونا لا نتسلى إلا بشقاء أنفسنا وشقاء من حولنا، تلاشت من أذهاننا كلمات الأمل والفرح وبقي لدينا فائض من عبارات اليأس والقنوط نفيض بها على من يجالسنا. أصبحنا نرى من ألقى علينا حديث اليأس أنه حصيف الفكر سديد الرأي نصغي إليه بلهفة وتوق، فألحان الشقاء لها وقع جميل في أسماعنا، نصنع البؤس بأيدينا لنطحن أنفسنا ونسحقها ونبقى أسارى لليأس والقنوط، أصبحنا نتبادل حديث اليأس حتى يأسنا من بعضنا ويأست الدنيا منا ومن حديثنا.
إن كان الوجود قاتماً أفلا نضيء نوراً يبدد هذه العتمة التي تتراءى لنا! أفلا نكون مصدراً للأمل في زمن اليأس! ألا نكون شعاعاً يبعث سنا يزيل ظلمات القنوط! ألا نشرق أسارير الاستبشار والغبطة لمن حولنا! كل ما أخافه أن نزيد العتمة سوادا وظلمة، فقتامة الليل لا تجليه النفوس اليائسة. أدام الله لكم سعادتكم.
مبارك بقنه ..
الحديث عن الذات
أن تتحدث عن إنجازاتك فهذا شيء حسن إن كان هناك دافع أو مبرر لذلك، فأحيانا الإنجازات الذاتية تكون دافعة ومحفزة للآخرين، وتكون تجربة يكتسبها الآخر دون أن يعيش ألمها وتعبها، ولكن أن يكون الحديث عن منجزات الذات دون مبرر فهو غير لائق اجتماعياً وغير مقبول أخلاقياً، فالأصل أن المنجزات هي التي تتحدث عن صاحباها، فالناس تتأثر بالأفعال أكثر من الأقوال .
وقد يكون من مساوي الحديث عن الذات ما يصاحب ذلك من إظهار الإيجابيات وتعظيمها، وإخطاء السلبيات وتصغيرها، والمستمع لا تتم له الفائدة إلا بتناول الصورة كاملة بنجاحاتها وإخفاقاتها، فهو يريد الإيجابيات ليحذو حذوها ويريد السلبيات لكي يأخذ حذره فلا يسقط فيها، فالشخص عندما يتحدث للآخرين عن نفسه يجب أن يكون صادقاً فهو ينقل تجربة لا يمكن أن يحقق لهذه التجربة الفائدة مالم تكون تجربة صادقة.