لفتة
سُئل النصيب بن الرباح أبو محجن في مجلس، فقيل له : يا أبا محجن، أتطلب القريض أحيانا فيعسر عليك ؟ فقال : إي والله لربّما فعلت، فآمر براحلتي فيشدّ بها رحلي، ثم أسير في الشّعاب الخالية، وأقف في الرّباع المقوية، فيطربني ذلك ويفتح لي الشعر. واللّه إنيّ على ذلك ما قلت بيتا قطّ تستحي الفتاة الحييّة من إنشاده في ستر أبيها : . الأغاني : 284\1
كم أعجبني قوله : واللّه إنيّ على ذلك ما قلت بيتا قطّ تستحي الفتاة الحييّة من إنشاده في ستر أبيها. فالعفة في الغزل وتجنب فحش الكلام هو أدب وخلق رفيع. فالشعر المبتذل الذي يخدش الحياء لا أراه من الأدب بل هو من سقط الكلام .
قياس الزمان
يبقى الزمن لدى الإنسان شيء مقلق وقد أخذ منه حيزا كبيرا من الدراسة حتى قسموا الزمن إلى مللي ثانية، والميكرو ثانية (واحد على مليون من الثانية ) إلى النانو (واحد على بليون من الثانية ) البيكو والفمتو (واحد على مليون بليون ) حتى الأتو (واحد على بليون بليون من الثانية ) . . لقد وصول الإنسان لدرجة مذهلة في دراسة الزمن، فأين سيذهبون في تفكيك وقياس الزمن؟
الوحدة والإنسان
ما معنى الوحدة، تُرى هل الإنسان مخلوق اجتماعي؟ هل يقوى على العيش لوحده بعيدا عن ما حوله؟ إذا كان لا يقدر فلماذا نبحث عن شيء نعجز عن تحقيقه ؟ ما سر ذلك ؟ هل هذا نوع من التمزق نتيجة الألم، ألم الجماعة وألم الوحدة، وجمال الجماعة وجمال الوحدة، بينها يتمزق الإنسان، ويبقى في حالة ذهابا وإيابا لا تستقر ذاته.
عبارات قلقة محاولة وصف حالة شعورية لإنسان متذبذب بين الوحدة والاندماج، فتارة يرى الوحدة أنانية وتارة يراها شعلة تضيئ نورا، وهذه صورة الإنسان ما بعد الحداثة وما بعد اللامعنى، فلا يكاد يجد لشيء معنى ولا يعرف أين يجد ذاته، فالتناقض هو المكان الذي يعيش فيه هذا الإنسان المفكر، وربما يهوى في أعماق اليأس.
الوحدة جمال حين تكون لتحقيق الذات وعذاب حين يُجبر الإنسان للبحث عنها، الوحدة اختيار ذاتي لحاجة لا نعرف سببها وإنما شيء يجده المرء في نفسه فيندفع لذلك.. ولكن نحن نعيش لحظات قاسية لا اختيار لنا فيها .. اصبحنا نفتقد هذا الاختيار، نفتقد الاختيار لكل شيء حتى في وحدتنا، نحن نهرب هروبا للوحدة لأننا نريد البقاء نريد أن نبقي على بعض ما نملك، نهرب لا لنحقق ذواتنا وإنما لننفصل عن واقعنا، تلك مأساة أن لا تجد ذاتك في الواقع، مأساة أن تجد بعضا من ذاتك بعيدا عن واقعك …
الشخصيات المعاصرة
شخصيتان عربيتان معاصرتان لم تنلا حظهما بين القراء، وربما كان السبب هو ظاهريتهما: أبو تراب الظاهري، وابن عقيل الظاهري، ولهاتين الشخصيتين فوائد ودرر منثورة ومبثوثة في كتبهما، وقد بذل أبو تراب الظاهري قلمه في تصحيح الأغاليط اللغوية كما في كتابه “أوهام الكتاب” وهو تعقيبات على أرباب القلم المعاصرين فيما وقعوا فيه من أوهام في اللغة والتاريخ والسيرة، وهو مليء بالفرائد التي لا تمل منها عين الفكر. وعلى ضربه كتاب “لجام الأقلام” وإن كان غالب هذا الكتاب قد جعله في تقويم اللسان .
وأما ابن عقيل الظاهري فمع اشتغاله باللغة فهو قد تميز بقراءته للفكر الإنساني وبرع وأبدع في هذا حتى قال عن نفسه في أهم حقول المعرفة: “حرصت على تحقيق نظرية المعرفة (الابستمولوجيا ) ولا أنكر أن لي ريادة في هذا الباب، وصححت ومحّصت طرق الاستدلال والجدل”. وقد أعتنى كثيرا بمناقشة فلسفة ديكارت كي يتوصل بها إلى إثبات وجود الله تعالى. وله كتب عديدة ومن أجلها كتاب “لن تلحد” وقد أسماه بهذا الاسم تفاؤلا وثقة باستجابة العقول المنصفة لموجبات الضرورات الفكرية، والكتاب ناقش بتفصيل نظرية المعرفة التي يرتكز عليها الإلحاد فنقض القاعدة التي يقوم الفكري الإلحادي عليها. وله تباريح التباريح، وشيء من التباريح التي لا تمل العين من مطالعة ما كتب هذا العلم الفذ .
إهداءات الكتب
من أغوانا وأغرانا حين نكتب كتابا أن نسطر على مقدمته “إهداء إلى .. “
نهديه لمن نحب .. أو حتى من نكره ..
هل يروق للناس أن تهديهم كتابا؟
في زمن رحيل الكتاب من يقبل أن يبقى مع الكتاب؟
في زمن المادة من يقبل بالهدايا المعنوية؟
في زمن ثرثرة الإعلام من يقبل بكتاب أبكم لا صوت له؟
ولا زال الناس يهدون ما ألفوا وكتبوا ولم يسألوا أنفسهم مرة: هل يبتهج الناس بهدايانا؟ لا نسأل أنفسنا.. وإذا سألنا فإننا
سنجيب ما يرضينا . . فقط
الإنسان والمجتمع
مسكين هذا الإنسان . . فقدره أن يعيش مع الناس . . لا يستطيع أن يعيش لوحده . . والناس هم الذين يضحكونه . .
وهم الذين يبكونه . . ولا يطيق عنهم بعدا . .
إن عاش لوحده مزقته الغربة وسحقته الوحدة وأهلكته الوحشة ..
وإن عاش مع الناس فقد ذاته وأصبح أسيرا في قيود لا يطيقها . .
سيبقى الأنين أنيس هذا المسكين . . فكل ما حوله يتوجع عويلاً وبكاء . .
الصراع على الهوية
في بعض زوايا العالم الإسلامي لم يعد الاهتمام الأولي المحافظة على القيم والمبادئ الشرعية؛ بل تجاوز الأمر شدته حتى صار الاهتمام: هو البقاء على هذه الحياة والمحافظة على الوجود الإنساني، فالخوف لم يعد على القيم والمفاهيم بل على الإنسان ذاته، فهي تعيش صراع وجود واستئصال للهوية والذات .
إن أشد ما يكون على الناس من شدة وبلاء حين يكون الصراع صراع على الهوية، فهو صراع اجتثاث واستبدال وتهجير، صراع الهوية هدفه أن لا يبقي للإنسان وجودا، فهو يسعى للقضاء على فكر ومعتقد المخالف عن طريق القضاء على ذاته ووجوده، وطبيعة هذا الصراع أنه صراع إجرامي لا يلتزم بأخلاق أو معاهدات فهو يرى أنه ليس لمخالفه الحق في الحياة أصلاً.
وللأسف أن هذا الصراع البائس لا يستثني أحدا، فهو يسعى بكل ما أوتي من قوة أن يقضي على كل من خالفه سواء كان صغيرا أو كبيرا، رجلا أو امرأة، فهدفه الأولي الإبادة التامة، لا يريد أن يبقى للهوية المخالفة له أي وجود أو أثر، فيقتل ويهجر ويسحق كل من يقاوم أو من لا يقاوم .
ولجهالة الإنسان واستكباره يظن أنه حين يقتل فئة ويشرد أخرى أنه انتصر في معركته وقضى على خصمه، وهذا تصور زائف وفهم سطحي لطبيعة الصراع والتدافع، فصراع الهوية لا انتصار فيه، ولا يقضي على الهوية أبداً؛ بل يزيدها قوة وتماسكا ويحيي فيها روح المقاومة والتحدي، فالهويات لا يمكن القضاء عليها بالقوة العسكرية، فهتلر أحرق اليهود وأبادهم وظن أنه انتصر في معركته مع اليهود، فما لبث أن عاد اليهود أكثر تنظيما وأشد تمكينا، فالهويات حين تواجه عسكريا فإنها تسعى للمقاومة، وما تلبث أن تتجاوز محنتها ثم تعود أكثر قوة وأشد تمكينا .
نحن نعلم أن الصراع بين الحق والباطل صراع دائم، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن ما يحزن المرء أن العالم يشاهد بأم عينه قتل الأطفال وإبادة النساء وإهلاك الرجال ولا يكترث لذلك الأمر، ولي أن أتباعد قليلا لأقول إن الإنسانية مات ضميرها وانعدم إحساسها وتحجر قلبها حتى لم تعد تبالي بإزهاق أرواح الأبرياء، وهذا اللوم يقع على الحضارة الغربية البائسة التي صنعت معاناة البشرية، فهي حضارة عنصرية، حضارة نفعية، حضارة لا معنى للإنسان فيها، فهي بعد أن أعلنت موت الإله أعلنت بعده موت الإنسان، فليس للإنسان قيمة؛ بل هو سلعة كبقية السلع، إن كانت ترجو منه منفعة حافظت عليه وإن لم ترجو منه منفعة فهلاكه أولى من حياته، فإعلانها لحقوق الإنسان يقصد به الإنسان الغربي فهي متمركزة حول ذاتها لا ترى أحدا يستحق البقاء إلا ذاتها. حضارة مادية يعيش الإنسان في ظلها في معاناة وتعاسة، وخوف وقلق، وما نراه من معاناة البشرية في أصقاع الأرض هو نتيجة هذه الحضارة البائسة التي ترى أن البقاء للأصلح وأنها هي الأصلح. إن الإنسانية بحاجة ماسة لصناعة حضارة قائمة على قيم سماوية تحترم الحياة وتعيد للإنسان قيمته ووجوده، فقد سئمت البشرية من هذه الحضارة التي مزقت الإنسان وجعلته يعيش دون غاية ولا هدف سوى السعي للسيطرة والتعالي .
القراءة المعاصرة
هناك من يركز كل قراءاته، تأصيلاً وتفريعاً، على كتب الماضين والأوائل، فلا يكاد يقرأ كتابا معاصرا، وكأنه لا ينتمي لهذا الزمن ولا يعيش في هذا العصر، وهذه سلبية كبيرة وآفة خطيرة، لأن القصد من القراءة أن يعيش الإنسان حياته وواقعه بطريقة صحيحة، فالهروب للماضي قراءةً هو هروب عن الواقع وعن جدليات الحياة التي يعيشها .
وهؤلاء الذين انكبوا على كتب التراث دون الالتفات إلى كتب الحاضر تجدهم يعيشون في صراعات لا وجود لها في الواقع أو أصبحت صراعات هامشية، وللأسف أنه قد يجلب صراعات الماضي للحاضر ليعيشها ويتمثلها، فيخلق أزمة معرفية قد اندثرت، ويصرف ذاته عن أزمات معرفية ملتهبة هي أولى بالنقاش وأولى بالبحث عن حلول لها .
الكتب المعاصرة لا يمكن الاستغناء عنها لمن يريد التغيير ويريد التوجيه، فالكتب المعاصرة تشكل ثقافة العصر وتحدياته التي ربما لم يسبق أن تناولتها كتب التراث، فقراءة الكتاب المعاصر ليس من باب الترف الفكري؛ بل ضرورة حياتية ليكون الفرد عنصرا حيا وليس عنصرا ميتاً لا يفقه من واقعه إلا ما أشار إليه الأقدمون .