سيكولوجية الجماهير وقوة المعتقد
الإمبراطورية الرومانية لم تستمر على قيد الحياة بواسطة القوة، وإنما بواسطة الإعجاب الديني الذي تلهمه للناس. سيكولوجية الجماهير ص ٩٤ …
أحدهم كان متوهما أنه مريض وعجزوا عن علاجه، فقال له الطبيب الماهر لقد اكتشفوا علاجا حديثا ينجح في علاجك خلال 24 ساعة، وبكل حماس أخذ المريض هذا العلاج وتناوله وخلال 24 ساعة شفي، لقد كان حبتين أسبرين. ـ والت ديزني ذهب إلى زوجته ومعه رسم كاريكاتيري لفأر صغير قائلا لها” نحن سنجني ثروة من وراء هذا الفأر” وكانت زوجته أول من قال له: “أتمنى ألا تكون قد قلت مثل هذا الكلام لأي شخص آخر”. ـ سُئل محمد علي كلاي عن الشيء الذي يمكنه أن يصنع بطلا عظيما وكان رده: “لكي تكون بطلا يجب أولا أن تعتقد أنك الأحسن، وإذا لم تكن الأحسن تظاهر وتصرف كأنك الأحسن”. ـ كان منهمكا في عمله، يعمل 12 ساعة يوميا دون أن يأخذ إجازة وكان يدخن بشراهة عالية، ويشرب كميات كبيرة من القهوة بشكل يومي، ومع ضغط العمل دون أخذ راحة سقط مغشي عليه، ذهبوا به إلى المستشفى وجدوا أن لديه جلطة في المخ، وبمعجزة شفي منها ولكن سببت له شللا، عندها أمره الطبيب بترك التدخين والقهوة، والآن ترك التدخين والقهوة لأنها في اعتقاده ستقتله، علينا تغيير الاعتقادات كي نغير سلوكنا.
منهجية التلقي وضوابط الوعي
لعل من النتائج السلبية في البحث في قوقل هو أخذ المعلومة بعيدة عن سياقها العلمي، فالباحث عن المعلومة يأخذ المعلومة دون معرفة باصطلاحات أهل الفن فقد يحمل الكلام على غير معناه، وهذه الطريقة في التلقي لو أصبحت منهجية لدى الشخص بحيث كل ما أراد معلومة ذهب يبحث في قوقل فإنه لن يتمكن من بناء منظومة معرفية متسقة قادرة على النقد والبناء، بل إنه سيقع ضحية للمعرفة المقتبسة التي قد تكون خاطئة أو ناقصة، ونحن نجد أن كثيرًا من النصوص لم تكتب للعامة؛ بل كُتبت لأهل الاختصاص، فحين تقع في يد العامي وهو غير مدرك لمعاني الألفاظ ودلالاتها فإنه قد يسيء الفهم للنص مما قد يجعله يؤوله أو يكذبه أو يرده أو يضعه في غير موضعه.
لا أقول أن تتبع المسائل الجدلية وإثارتها هو من باب التمكن العلمي ولا أقول أنه هو من الجهل، ولكن اسكت عن هذا التصنيف الذي فيه إعلاء أو إسقاط، ويتجه الأمر للتساؤل عن سبب إثارة القضايا الجدلية وجعلها محورا للنقاش الذي يثمر عنه الإرباك، فالخروج عن مسلمات الواقع “المستقر” وإثارة الناس في “استقرارهم” الفكري هو أقرب للتشويش والاضطراب وليس للبناء الفكري، “الاستقرار” الفكري والسلوكي مطلب ومنزع إنساني وحين ينزع بعض الناس في المخالفة الناتج عنها اضطراب وقلق فهو لا يحل لهم مشكلة؛ بل يتسبب في إنشاء مشكلة، وقد فقه علمائنا قديما هذا فقالو: يُفتى كل بلد حسب مذهب البلد. والعلة هو عدم إحداث تشويش للناس، فاستقرار الناس على أمر حتى ولو كان مرجوحا هو خير لهم من نزاعهم واضطرابهم بين راجح ومرجوح.
كتاب “المثقف والسلطة” لإدوارد سعيد، هذه التسمية هي تسمية من المترجم محمد عناني، فالكتاب في الأصل ليس أسمه هكذا، ولكن المترجم حين قرأ الكتاب وقرأ العنوان، وجد أن العنوان لا يتطابق مع مضمون الكتاب، فاختار له اسما يتطابق مع مضمون الكتاب، وقد قال المترجم: “وتغيير العنوان حق معترف به في الغرب من حقوق المترجم الذي يرمي إلى توصيل رسالة الكاتب بوضوح إلى قارئه، بل هو حق تفرضه الأمانة العلمية، فمن حق القارئ العربي أن يفهم ما يرمي إليه الكاتب ..”
قال الزعفراني رحمه الله تعالى، سمعت الشافعي رحمه الله تعالى عنه يقول: “من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم”.
فلسفة القراءة وعالم الكتابة
أشد ما اشتاق إليه هو تصفح مجلة فكرية أدبية ثقافية، أريد أن أقلب أوراق المجلة بين يدي، ألمس ورقها، وأشم حبرها، وانظر لصورها وكلماتها، فالمجلة ليست خطابا للفكر فقط ولكنها تبعث في نفس قرائها حياة تلاشت مع غزو الفضاء بثقافته الميتة التي لا روح فيها، اشتاق للمجلة كاشتياق الطفل للعبته، يمسكها حينا ويتركها حينا، ثم يعود إليها أكثر شوقا ورغبة. كم مرة حملتني أقدامي للمكتبات ولكني وجدتها خالية من المجلات وكأن قرأ المجلات قد رحلوا، فذهبت تلك الرفوف التي تحمل تلك الصحف، وليتهم ابقوا تلك الرفوف لتبقى معها ذكرياتنا الجميلة، ويبقى لنا شيء من الأمل بعودتها، فبقاء المنازل مؤذن بعودة ساكنيها. وما أشقى من يقرأ مجلة بصيغة pdf ! حاولت مرارا أن أتصفح المجلات خلال مواقعها فكانت محاولة بائسة لم أجد فيها روح المجلة، وجدت مقالا قد انسلخ من كل كساء يزينه حتى عاد سمجا مملا لا تستسيغ حروفه ولا كلماته، فمقال المجلة كُتب ليحيى بين الورق، تجمله رقم الصفحة، وصورة المقال، ولون الحروف، فأنت حين تمسك المجلة بأناملك تتدفق لذهنك صورا لا تجدها عبر النت، وتنشأ هناك علاقة فكرية بينك وبين المجلة حتى تشعر بها وتشعر بك.
الكلام والنطق واللغة واللفظ والإفصاح والإعراب والإبانة والحديث والإخبار والاستخبار والعرض والتمني والنهي والحض والدعاء والنداء والطلب كلها من واد واحد بالمشاكل والمماثلة.
قال الشاطبي في الموافقات: “ومن هنا لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد؛ حتى يكون ريان من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، فإنه إن كان هكذا؛ خيف عليه أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض”. وكأن هذه العبارة جواب لسؤال من يقرأ هذا الكتاب؟ فكان الجواب أن هذا الكتاب لا يناسب أي شخص؛ بل هو كتاب نخبوي لفئة معينة قد علا كعبها في علم الشريعة، وكم هو جميل أن يكون هناك تنبيه للقارئ عن مستوى الكتاب ودرجته، فكثير ما يقتني شخص كتابا لا يتناسب مع مستواه العلمي، فلا يفهم الكتاب أو يفهمه على غير مراد مؤلفه. والكتب ليست على مستوى واحد؛ بل هناك من الكتب لا يمكن فهمها إلا بعد قراءة كتب قبلها ومعرفة مقدمات وفهم المقاصد والمعاني لهذا الفن، لذا من يشتكي من صعوبة كتاب ما هو في الغالب بسبب عدم الإلمام بمقدمات الكتاب العلمية وعدم التأهيل العلمي المناسب للقارئ، فهي مسؤولية القارئ في اختيار الكتاب المناسب، فقبل انتقاء الكتاب لا بد من معرفة مضمونه وإمكانية فهمه وإلا يؤخر الكتاب حتى يتهيأ علميا لقراءة الكتاب.
كم أود أن ارتشف في هذه اللحظات الشاي وفي أحضاني كتاب يحدثني عن كل شيء .. عن العالم لماذا صغر؟ .. عن الناس لماذا ذابوا ورحلوا؟ .. يحدثني عن الموجود وغير الموجود .. يحدثني أحاديث السامر التي تحمل حينا معنى وأحيانا لا معنى لها .. فالكتاب إن لم يتحدث عن المجهول فهو لا كتاب .. الكتاب كالنفق لا تبصر ما فيه حتى تنتهي منه وتخرج منه .. فيبقى في ذهنك شيء من ذاك النفق .. قد تبقى العتمة .. أو يبقى النور الذي أبصرته قبل أن تخرج من النفق .. ولكن ما عسى الكتاب أن يقول إذا كان معزولا عن الوجود .. لن يقول شيئا سوى بقايا من كلمات يعيدها ليُبقي شيئا بين جوانحه .. الكتاب له قوله ولي أنا التأويل .. له زمنه ولي أنا تحديد ميلاده .. له بريقه ولي أنا إشعاله .. الكتاب لا يحيى إلا بمشاكستي ومخاصمتي ومنازعتي .. هو يقول وأنا أفسر .. هو يصمت وأنا أعلق .. فأنا روح الكتاب وحياته .. فمعنى حروفه بيدي .. هو أوراق منثورة وأنا حبره ومداده .. ولكني بدون أوراقه سيجف حبري وتختفي منازعتي ويصمت فكري.
الكاتب أحيانا لا تميل نفسه للكتابة، يرى الورق والقلم بين يديه ولكن يجد شيئا من التمنع أن يمسك قلمه وينثر أفكاره، في هذه اللحظة ليس القلم والورق ما يحتاجه؛ بل أشد ما يحتاج هو الشعور والرغبة للكتابة، فمزاج الكاتب هو المحرك الذي يهمزه ويحثه أو يكبته ويسكته، ولهذا الكاتب حين يكتب وهو مجبرا لنفسه كارها لرغباته تجد أن كلماته خاملة ذابلة لا يجد القارئ لحروفه حرارة تلهب أفكاره. الكتابة ليست عبارات ترصف وكلمات تبنى، بل هي انسكاب روح وتدفق مشاعر، هي أحاسيس يخيل للقارئ أنها أحاسيسه، يقرأ القارئ فيرى أنه في نزهة واسترخاء لا تفارقه المتعة. وإن كتب الكاتب وهو خالي الحس فإن كلماته تكون على القارئ هما مثقلا لا يقرأها إلا بتكلف، فهو لا يكاد يصل لمبتغى الكاتب فالترهل في حروف الكاتب وعباراته تجعلها متصلبة في مكانها، تتنافر الأفكار حتى لا تعرف وجهتها ولا مسارها. لعل هناك من يريد أن يكتب وينثر شيئا من أفكاره ولكنه يفاجأ أن أفكاره تختلط في ذهنه، ويعجز أن يجعلها كلمات منسابة تظهر على الورق، يجد أن كل ما في ذهنه يختفي تدريجيا، يقف القلم قلقا محتارا كيف يبدأ وبماذا يبدأ، كأنه في قارب لا مجداف له ولا يستطيع يقود قاربه، ولا يرى ضفاف النهر ليتجه نحوه، يفقد طاقته وتركيزه فيلقي قلمه ويترك مراده، إنها لحظة قاسية أن تترك ما تريد، ولو وقف المرء هادئا، تاركا عقله حرا لا يمارس عليه أي رقابة لتفجرت الأفكار في ذهنه ولوجد بابا تخرج هذه الأفكار منه متدفقة يدعو بعضها بعضا.
في فهم الذات والعلاقات الإنسانية
قال مصطفى صادق الرافعي: ” ورب كلمة من الرجل للمرأة لا يكون فيها شيء، ويكون الرجلُ كله فيها ذاهبا إلى قلبها متجسسا إلى خيالها؛ وكم من أم ترى ابنتها راجعةً إلى الدار وتحسُّ بالغريزة النسوية أن مع ابنتها خيالا من الجنس الآخر !.
في لحظة ندم يكشف المرء عن مكنونات نفسه رغبة في التخلص مما يختلج في نفسه من هم وكدر وضيق، فيظن أن البوح سيجلي شيئا من ذلك، ولكن بعد أن يثرثر من غير شعور ويذهب عنه لوعة الندم، وحرقة اللحظة، وتهدأ نفسه، ويعود لطبيعته، يصاب بندم آخر قد يكون أشد مرارة من قبل، يندم على ثرثرته ويعاتب نفسه على إفشاء ما كان يكتمه، وإبداء ما كان يطويه حتى عن مخيلته، وهذه مأساة الإنسان أنه لا يبقى على حال واحدة، فتارة تتعاظم لديه نفسه، فيجد فيها من الصلابة والشدة ما يجعله يتعالى عن كل شيء حتى عن أفكاره، فيسيطر على فكره ويحكم رأيه، فلا تغلبه نزوات البوح والإبانة، وتارة تخور قواه ويصيبه الوهن ويشعر بالعوز والحاجة، فتسيطر عليه الأفكار ولا يشعر أنها ملكه، فتخرج منه دون وعي منه، فيجهر عما كان يكتمه، ويفصح عما ستره وأخفاه، فلا تكاد تضمر نفسه شيئا إلا وأعلنه. وليت شعري أيهما الحق والصواب، أن يكون الإنسان صلدا لا يخرج شيئا، شحيحا في كلماته وعباراته، أم يكون لينا رطبا لا يمسك شيئا من أفكاره، جزلا في أقواله وأحاديثه، وأرى أن هذا أمر لا يمكن أن يكون فيه الاعتدال، فاللسان بين الإفراط والتفريط فإما أن يتراخى ويطلق لسانه للعنان، أو يضن بكلامه فلا يقول إلا حشوا ولغوا. وفي كلا الأمرين يظل الإنسان في حالة ندم ملازم له، ندم أن قال وندم أن سكت، فقلما تجد من يحسن القول فلا يقول خطلاً، وقلما تجد من يمسك عن حكمة وتعقل، وما جعل اللسان مورد للهلاك إلا لهذيانه وحشوه وهراء، ولعل أول مورد للهلاك هو هذا الندم الذي يصاحبه حين يقول ركاكة أو يسكت عن قول كان يجمل أن يقوله.
كل شخص تحادثه وتجالسه وراءه شيء لا تراه عيناك، قد تنبسط لك ملامحه وأفكاره سابحة في عالم آخر، فكل إنسان فيه سر يخفيه ويبديه، فهو كشجرة قد تكاثرت أغصانها، تارة تسقط شيئا من أوراقها وتارة تمسكها، كل إنسان رواية نسجتها الحياة، وأنت إحدى أحداثها، وفصول تلك الرواية لا تنتهي، فما أن ينتهي من فصل إلا ويتجدد له فصل آخر، فهو حكايات متوالية لا انقطاع فيها. وكم تعجز أفكارنا وتقف حائرة مرتابة حين تريد أن تفهم هذا الإنسان الذي يتموج بين العواطف والفكر وبين الوعي وغيابه. أحاديثنا هي لاكتشاف بعضنا، ومع إدراكنا أن الكلمات لن تبدي لنا شيئا كثيرا ولكنها هي أقوى ما نملكه كي نعرف هذا الإنسان، فحسن الكلمة وجمالها تشجع الروح أن تقترب، فهي تفتح نوافذ القلب ليدخل ذاك الإنسان كي نقدر على معرفته والأنس به، وما كان العاشقان أشد تعلقا ببعضهما إلا أن كليهما قد فتح قلبيهما لبعضهما فولج كل قلب في قلب الآخر، فتعارفا حتى اتحدا خفق قلبيهما، فاستحالت نفسا واحدة لا ينكر بعضهما بعضا.
ما أصعب أن تقول لنفسك: “قد كسرتِ”. هل هناك أقسى من هذا! ما أمر أن تجعل من يقظتك أحلاما .. وأن يختفي النور الذي ينبعث من أعماقك ..فأي سراج سيضيء لك عتمة الطريق! العالم يبدو غريبا في كل شيء .. كل شيء يحيط بك أصبح غريبا لا تعرفه .. هل نحن نصنع الغرابة في داخلنا فنرى الأشياء غريبة أم العالم هو الذي يصنع الغرابة فهو متبدل في كل لحظة حتى لم يعد يعرف شيئا ثابتا ولا مستقرا؟ .. لا أدري. الغربة أن لا تفهم نفسك ..ولا تعرف لغة ذاتك ..تجد أفكارك ترتعش فليس هناك لغة تسكنها وتحملها.. تشعر أن هناك ضبابا يغمرك من كل ناحية .. تحلم أن يعلو هذا الضباب ليكون غيمة تسقي روحك العطشى ..ولكنه أصبح رفيق الدرب فلا يستأنس إلا بك ..فكيف ترجو أن ينقشع! ليس بدا من أن نمسك الضباب بأيدينا، فلعله يستحيل لقطرات نشعر معها بالسكينة، السكينة التي لم يعد يعرف إلا اسمها، فالوحشة ترفرف بأجنحتها كأسراب القطا يدعو بعضها بعضا، تتعالى حين يأتي الضباب وتهوي علينا حين ينجلي. علينا أن نخطو للأمام فمع المسير ينجلي شيء من الضباب، ومع السكون تتحجر أفئدتنا وأفكارنا وخواطرنا وتصبح لغتنا هزيلة ركيكة لا نفهمها ولا تفهمنا، فالسكون أخو الضباب لا يجعلك ترى شيئا.
نجد أحيانا أنه ينفتح لذهننا نوافذ من الأفكار المبدعة ما لا نجده لو مكثنا نتأمل قصدا، بل قد نشعر أحيانا مع تأملنا أن فكرنا كصحراء خالية من كل شيء إلا الرمال، فلا تعلم ما سر هذا الجفاف وما سر تلك الخصوبة! إشراقة الفكر ممكن أن تستمر متدفقة حين يكون هناك شعور بهذا الفكر، فتناسي الفكر وتجاهل قدراته، يضعف إدراكاته، ويسكت نغماته، وتغيب إشراقاته. وحين يجهد الفكر للبحث عن البعيد والخفي فإنه يسلك مسالك وعرة قاسية قد تحول بينه وبين إدراك ما يريد، فالفكر يمنح قدراته حين يتلطف به ويتدرج معه في الصعود، فالقفزات ترهقه وتسقطه وتوهنه ويصيبه تشوش لا يقوى معه على العطاء فضلا عن الإبداع توقف عن إجهاد فكرك وأمهله قليلا، أمهله ولا تغفل عنه، أمهله حتى يشتاق هو للإبداع، فمع التريث والهدوء يعود لتمدده وتزداد رغبته في العطاء بدون توطئة من التأمل.
يخشى أن يجرفه التيار ويلقيه في مكان يجهله .. هرب للوحدة ضانا أنه سينجو ولن يدنو منه شيء .. اكتشف أن وحدته ضعف .. وأن ثمار شجرته تتساقط تباعا .. أصبح كأسا فارغة وخشي أن يمتلئ بشيء لا يهواه .. يرى الآخرين يسكبون ما يشاؤون في كؤوس غيرهم ولا أحد يمانع ولا أحد يرتوي .. ترك وحدته وعاد ليجالس أترابه .. فازداد شعوره بالوحدة .. توهم أن القرب يقويه ولكنه أوهنه .. تمنى في لحظة ضعفه أن يمزق قلوب الناس وعقولهم ليعرف مكنوناتهم وطريقة تفكيرهم .. يريد الاقتراب ولكن يخشى الذوبان .. ويجد في البعد الكآبة .. ونفسه تكره القنوط ويراه شيئا من الجنون .. أشد ما يسعى له هو راحة قلبه وسلامة روحه .. ولكن كيف يجتمع التوتر والراحة؟ كيف تسكن النفس وكل ما يحيط بها يشوش عليها ويزعجها .. لا يريد أن تكون نفسه مثقلة بالألم والسخط .. ولا يريدها تكون خالية من الهمة والنشاط .. لم يعد يبحث عن المساحات الفارغة ليسير فيها؛ لأنه لم تعد هناك مساحات فارغة .. حتى السبل المألوفة لديه لم تعد مألوفة .. دومًا تسكنه الدهشة والجهالة والغربة ولكنه يدافع نفسه ليبقى يسير تحت ضوء الشمس .. فلن يخرج من متاهاته إلا بالمضي في مسيره في ضوء يرى فيه الاتجاهات .. فربما أزمته ليست في الذي يجرفه ولكن في توقفه وهلعه.
أشد النزاع أن تنازع نفسك وتخاصمها، فخصام الذات يدوم لأنك لا تقدر أن تنفك عن ذاتك وتنتزع عن نفسك وتذهب بعيدا، ولك أن تقول: النفس حين تقترب مع نفس أخرى حتى يمتزجا فإن خصامهما مرير ومؤلم فهو لا يقدر أن ينتزع نفسه ويذهب بعيدا، والنفوس البعيدة حين خصامها لا يؤلم النفس فهي منفصلة عن الذات بعيدة عن الروح. على القلوب الممتزجة أن تتعلم كيف تتماسك أكثر وكيف تتخلص من نزاعها وجدالها، رفيق الروح يخاصم برفق ويجادل بحنو ويلوم بلطف، فكلمات القلوب لا يذهب معناها إلى العقل فقط؛ بل تسري إلى روح رفيقها، والعقل لا يؤول شيئا بل الروح هي التي تؤول الكلمات، وتفسر نغمات الأحرف فتخرج بمعنى غير معنى اللغة، فهي تذهب إلى روح الكلمات وليس معناها، فالتلطف بين القلوب الممتزجة حياة لها. القلوب الممتزجة وجهتها واحدة، فحين تتمرد لا تعرف الرحيل، فهي تتمرد وتبقى ساكنة، تغضب ولكن غضبها يختفي كوميض البرق، يختفي حين يظهر، فحين يلوح الغضب ينساب شيء من العطف والشفقة والمحبة فتسكن النفس وتخف شدة غضبها. القلوب الممتزجة لا تعرف التكلف، تكون بسيطة في كل شيء، وهذه البساطة هو سر جمالها وارتياحها، لا تتكلف في تعبيراتها وفي صمتها، وهذا ما لا تدركه القلوب المتباعدة ولا تقوى عليه، فلتبقى البساطة والسماحة لتبقى القلوب في امتزاجها وتألفها.