::خاطرة (1)::
أي مجتمع لابد أن يمر بحالات من الازدهار والتقدم وحالات من الانهيار والتأخر، هذه سنة اجتماعية لا مفر منها، والناس في حال الازدهار هم أكثر تفاءلا وحماساً، وحينما يكونوا في حال الانهيار يغمرهم التشاؤم ويكسوهم بظلال كثيف يتسلل في جميع جوانب الحياة، فلا يرون إلا البؤس والخيبة المريرة تخيم بأجوائها على سائر طبقات المجتمع، ويسود القلق بين الناس ويغلب على حديثهم التذمر والخوف، وتظهر كثير من التساؤلات العنيفة على الألسنة وفي المقالات عن: الأسباب، مما يجعلهم يتجهون لمراجعة الأفكار السائدة، فيعاد دراسة الأفكار المحلية والعادات والتقاليد وتتجه بعض من الأنظار لقراءة الأفكار العالمية بحثا عن تجارب الأمم التي مرت بتلك الأزمات.
وهذه القراءات والمراجعات تولد في المجتمع تصادم في الأفكار والآراء، ولكن المجتمع في وضع لا يقبل ولا يحتمل التصادم فيجعل الأفكار تمر دون محاورتها أو مناقشتها إذ تعلو وتزداد درجة التسامح لدى الناس، فلا يريدون دفع الأزمة بأزمة أخرى.
وفي هذا الجو يبدأ هناك نهوض جديد للمجتمع، فهو يرى أن خروجه من حالة التدهور تكمن في تغيير كثير من منظوماته الفكرية والاجتماعية مما ينشأ لديه تحفزا وتطلعا تمنحه قوة دافعة نحو المغامرة، وهذه المغامرة لا بد من خوضها، عاجلا أو آجلا، وإلا لن يقدر على تجاوز أزماته، والمغامرات مسوقة بالقلق والخوف والارتياب، والذين يفشلون في المغامرات هم الذين يفقدون للروح المشتعلة التي ترى أن المغامرة أسلم من الوقوف.
لحظة البحث عن مخرج وتغيير الوضع يصاحبه اهتزازات عنيفة أشد عنفا من الأزمة ذاتها، فالتحرك لابد أن يحدث قلقا وإرباكا يكون فيه سقوطا لبعض وظهورا لبعض، ولكن في الأخير يكون فيه نجاة للجميع إن كان التحرك سليما.
::خاطرة (2)::
عجبت من ابن حزم رحمه الله وعقليته الفذه في التحرر من ربقة التقليد، إذ كان أول أمره مالكيا، بحكم النشأة، وما لبث أن ترك المذهب المالكي واعتنق المذهب الشافعي، فلم يجد فيه ما يحقق تطلعاته المنهجية، فتبنى المذهب الظاهري، فبعثه من مرقده، وشيده بيده، وجعل له بنيانا لا يزال قائما إلى هذه الساعة. كان يحارب التقليد محاربة شديدة وكان شجاعا في اعتناق وقول ما يراه صوابا. رحمه الله رحمة واسعة.
يظهر والله أعلم أن المذهب الظاهري حورب ولم يكن له الانتشار بسبب أنه يدعو إلى الاجتهاد ويرفض التقليد، وفي هذا دعوة لتحرر العقل وهذا أمر بغيض ومنبوذ …الخ
ومما قاله ابن حزم عن نفسه: “إني لا أبالي فيما أعتقده حقا بمخالفة من خالفته، ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض”.
شخصية فريدة، فلقد كان يعتد بهذا المنطلق لدرجة يعد هذا الأمر من أكبر فضائله.
للأسف ابن حزم لم يدرس كإنسان وكعالم وكفيلسوف وكفقيه ومحدث وكمغير اجتماعي، نبذناه لظاهريته فجهلناه، وآفة الجهل أن لا ندرك الفضائل ويسوء الظن.
ومن عجيب ما تقرأون لابن حزم انكاره الشديد للتقليد حتى أنه يجيز للعامي أن يجتهد، فتأمل ما يقول أنه: “لا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا، وعلى كل الاجتهاد حسب طاقته”. وإن “المجتهد المخطئ أفضل عند الله من المقلد المصيب”.
شيء عجاب، كيف يجعل للعقل قيمة.
وكأن ابن حزم قد ظن أنه سيأتي أناس لن ينصفوه، فيقول لهم بموضوعية عالية للغاية: “قبل كل شيء أريد أن تنظر في كلامي بعين سليمة من الإعراض ومن الاستحسان معا، وبنفس بريئة من النفار والسكون معا، لا كما ينظر المرء بما لم يسمعه قط، فيسبق إليه منه قبول يسهل عليه الباطل أو نفار يوعر عليه الحق. فمن هذين السمعين تاه أكثر الناس وفارقوا المحجة”.
::رثاء صديق::
حين رحل الرافعي عن الحياة، ظل صديقه وتلميذه محمود شاكر هائما حائرا يسير في أودية من الحزن، يبكي تارة، ويتألم تارة .. وكان ببث ما يجد في نفسه في كلمات ينثرها لحنا حزينا وشجوا محرقا… واقتبس بعضا مما ذكر، فيقول رحمه الله تعالى:
“… شدَّ ما اختلفتْ عليَّ أحداثُ الحياةِ من بعدِكَ أيها الحبيب! كنتُ أشكو إليكَ ما أُلاقي من ظمأ الروح الهائمة، وهي تطوف بحسراتها على ينابيع الحياة لا تنتهي ولا تستطع أن ترِدَ. . . كنتُ أبثُّك أحزاني وهي جالسةٌ توقِد النارَ على نفسي وتؤرَّثها بأفكارى القلقة التي لا تهدأ ولا تنقطع. . . كنتُ أشكو إليك آلامَ الشَّوْكِ الذي تنْبِتُهُ في قلبي الشُّكوكُ العاملةُ الناصبةُ التي جعلتْ همَّها تعذيبي بالحيرةِ والخوفِ والحرمان. . . والحقيقةِ المؤلمة أيضًا. . . كنتُ أجدُكَ حين ينبغي أن أَجدَك، لأقول لك ما يجبُ عليَّ أن أقول. . .
شدَّ ما اختلفتْ عليَّ أحداثُ الحياة من بعدك أيها الحبيب! وها أنذا أريدُ أن أجدَ بعدَكَ من أضعُ في يديه الرفيقتين هذه الجروحَ الداميةَ النابضةَ التي أسمِّيها قلبي. . . أريدُ أن أضعَ أفكارِي التائهة في بيداءِ الظنون المقفرة، بحيث تجدُ مَن يتولى أمر إرشادها إلى رَوْضة اليقين الناضرة. . . أريدُ أن أجدَ مَلْجئى المؤمن حينَ تطارِدُنى من الظن صعاليكُه الكافرة. . . . أُريدُ أن أعرفَ لذَّة الصداقة والحبِّ حين لا أجدُ من الحياة إلاَّ آلامَ صداقتي وحبِّي. . . . أُريدُ. . . . أُريدُ! . . . . أُريدُ مَنْ أقول له: ها أنذا بعَذَابِي وضَعْفي وخُضُوعي؛ فيقول: وها أنذا بصبري وقوَّتي وحبي لك. . . . أُريدُ من أقولُ له: هذه جروحي التي تَنْفُثُ الدَّمَ، لا ترْقأُ ولا تستريحُ ولا تبرأُ إلاَّ على وعي من دَمِها؛ فيقول لي: وهذا طِبِّى الذي يحسمُ هذا الدم لتستريحَ وتبرأَ من أَلم النزيف، يا بُنيَّ. . . .!
(يا بُنَيَّ. . . .)، هذه طفولتي، أريد من يحنو عليّ بها حنو الأم على صغيرها الذي هو كل أشواقها الرقيقة من قلب نبيل رقيق. . . . (يا بُنَيَّ. . . .)، هذه طفولتي، أريد من يمسح بها أحزاني التي حيَّرت بصري لأعرف من بعد طريق رجولتي التي تريد أن تعمل وأن تسير وأن تصل إلى سر أشواقها البعيدة الجميلة. . . . (يا بُنَيَّ. . . .)، هذه طفولتي، أريد من يعرف أنى طفل وديع حين أؤوب من كدِّى وكدح…”
رحمهما الله كانا أديبان أريبان رحلا بأبدانهما وبقيت آثارهما تحكي مآثرهما..
::الفكر المعاصر::
عبارة “الفكر المعاصر” تشعر بأن هناك فكرا لم نعاصره، فإن هذه العبارة لم تتولد ويكثر استخدامها إلا إن هناك شعورا أن هناك فكرا بعيدا عنا زمانا ومكانا، وشعورنا بهذا الانقطاع جعلناه في عبارة “الفكر المعاصر” ، ولو كنا متصلين متواصلين مع فكرنا القديم لما جعلنا هناك عبارة انفصال وشعور بالبعد الزمني.
و”البعد الزمني” لوحده لا يعني دوما الانفصال، فالمسألة أعمق من مجرد بعدا زمنيا، فنحن لم نجد الشاطبي ومعاصريه ومن قبله يستخدمون عبارة الفكر المعاصر” مع بعدهم الزمني عن أسلافهم، وذلك لشعورهم بالوحدة الفكرية التي جعلت الزمن وحدة متصلة لا انقطاع فيها، بينما في هذا العصر نشعر بأن هناك بعدا فكريا قبل البعد الزمني لذلك صغنا هذا المفهوم في عبارة “الفكر المعاصر”.
ربما أن الأفكار المتوالدة في العصر كانت كبيرة ومتوالية، وكان للتواصل الغربي أثر في ذلك فالغرب مر بحقب زمنية مختلفة فكريا ومعرفيا مما جعلته في حالة انفصال مع تاريخه وشكل لديه بروز كثير من المفاهيم الجديدة والتي كان نشؤ هذا المفهوم إحدى نتيجة التواصل مع الغرب، ولكن يبقى لهذا المفهوم له ظلال من الغربة والاغتراب، والشعور بزمنين مختلفين معاصر وقديم.
::خاطرة(3)::
أكثر ما يقرأ للمتفق مع الفكر والرؤية، فقلما يقرأ لمختلف، وكأنهم بهذه القراءة أرادوا السلامة، وهم من الشيطان قذفه في عقول الكسالى، فالسلامة لا تأتي بالانزواء والانعزال؛ بل تأتي بالملاقاة والمواجهة، فترك معرفة الجديد والانصراف عن قراءة الغريب هو إتاحة للمختلف أن يتمدد وأن يبسط فكره يمنة ويسره.
الانزواء جعل كثيرا من القراء غير قادرين على اكتشاف دروبا من المعارف البشرية، فالعالم ينتقل في مسارات معرفية من طور لآخر وهم في غياب عما يجري حولهم، وما كان أفولهم عن نقص في مداركهم ولكن خشية على التغيير في أفكارهم وآراءهم، وحين خشوا المواجهة ذووا وذبلوا واصابهم الوهن فلا قدروا على الابداع وخف لديهم وهج الاتباع.
الفكر ابن عصره، فإن ترك قراءة انبثاقات عصره ومنتوجات زمنه وبقي بعيداً عن المقارعة والمواجهة والتحدي الذي “يعشقه الفكر”، ذبل الفكر وأصابه العجز والوهن، فالفكر لا يقوى ويشتد إلا في المواجهة، فالسلامة ليست في التنحي ولكن في لبس لأمة التحدي ومعرفة ما لدى المختلف، فالخشية الدائمة كأنها إشارة أن ما لدى المختلف أقوى مما لديك، وأنك على شفا جرف هار فأي فكرة أو مفهوم مغاير قادر على قذفك بعيدا عن قيمك ومعتقداتك، وهذا وهم مرده سوء ظن بنفسك وبما لديك من تصورات ومفاهيم.
صنف الفيلسوف نايجل واربورتون كتاب سارة باكويل 👆 “في المقهى الوجودي: الحرية، الوجود، وكوكتيلات المشمش مع جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوير، وألبرت كامو، ومارتن هايدغر، وموريس ميرليو بونتي وآخرين” بأنه من أفضل خمسة كتب تم انتاجها في الفلسفة في عام 2106.
وقد قالت مجلة نيويورك تايمز في مراجعتها للكتاب بأنه: “… يطرح كتابها أسئلة حول المناهج التي يفكر بها الناس حول أنفسهم وعلاقاتهم مع الآخرين. وهي تضع إجاباتها في شكل سردي للسير الذاتية، وبما أن موضوعها الأساسي هو أن الأفكار الكبيرة غير الشخصية التي تتبعها كثير من الفلسفة الحديثة هي أقل عمقا وتنويرا من الحقائق المتنوعة والمتضاربة التي وجدت في سير الحياة الشخصية. وتتضمن الحكايات في هذا الكتاب، وصفا واضحا لافتا للنظر لما يعتقده هؤلاء المفكرون وما قالوه في كتاباتهم وجدالاتهم في المقهى. في كثير من الأحيان تجد باكويل منزعجه بسبب غموض هايدجر ولكنها لم تقهر، وفي بعض صفحاتها الأكثر إثارة نجدها غاصت في روايات معقدة لتقدم فلسفات معقدة، حتى تلك التي رفضتها…. واحدة من العديد من المفاجآت المقنعة في كتاب باكيويل هو اقتراحها بأن نثريات هايدجر تشبه أحيانا جيرترود شتاين في غرابتها اللغوية المتعمدة، التشابه الذي يذهب أعمق من الأسلوب … وهناك موضوع ضمني في كتاب باكيويل هو مجموعة متنوعة من المناهج التي يمكن أن تكون الفلسفة الأكاديمية قد شُوهت بسبب علاقات القوة. وكانت بعض شخصياتها، ميرلاو بونتي، الذي كان في مأمن من الإغراءات التي جاءته من مكانة الأستاذية الأوروبية. وآخرون لهم قيمتهم مثل هوسرل وهيدغر … باكويل لديها مودة خاصة للفلاسفة الذين بقوا بعيدا عن الأكاديمية، وخاصة سارتر و بوفوار … كتاب سارة باكويل سيرة جذابة لمونتيغن والذي كان أيضا عرضا بارعا لكتابات مونتيغن. وكان كتابها ذو العنوان الجريء “كيفية العيش”، وكتابها هذا يستحق أن يقرأ كدراسة أخرى في نفس الموضوع “.
::خاطرة(4)::
أرى الحياة ألحانا ندونها كآبة وحزنا حينما نكون تعساء، وندونها ألحانا عذبة موسيقية حينما نكون سعداء، فليس للحياة خط لحني فريد نتغنى به دوماً؛ بل نوتات متنوعة الإيقاعات، نشكل انغامها لتهزنا بقدر ما تهزنا الحياة، فنكتب لحنا زلالا رقيقا أو لحنا كئيبا ثقيلا، لحنا يطربنا ويسعدنا أو يبكينا ويحزننا.
من بؤسنا أننا إذا كنا سعداء لا نشدو ولا نتغنى لأننا نرى الحياة لحنا عذباً مأنوساً، فنصمت لنسمع ما حولنا يغرد ألحانا رقيقة عذبة، نبقى صامتين نتطرب لهذه الأصوات الجميلة، نبقى ساكتين لا نشدو ألحاننا الجميلة فجمال الوجود يغنينا عن التغني.
وحين نكون تعساء ننحب بصوت شجي هائج مائج مختلطا مع صرخات ما حولنا التي امتلئت عويلاً وبكاء، فتعلو أصواتنا الكئيبة مع أصوات ما حولنا رثاء ونواحا، فلا نسمع للوجود صوتا يبهجنا ولا ترنيمات تنشينا؛ بل تأوهات وأنين يدوي مسامعنا. وأصوات البؤس تزيد في زمن تعاستنا فبمقدار علو انتحابنا وبكانا يبقى حزننا وألمنا، وتصبح التعاسة والنحيب جزءا من ذواتنا، حتى نظن أننا هكذا خلقنا تعساء.
أفكارنا هي التي تمزقنا وتشقينا، نرى البؤس في كل شيء، نراه في ذواتنا ونراه في كل ما يحيط بنا، حتى غدونا لا نتسلى إلا بشقاء أنفسنا وشقاء من حولنا، تلاشت من أذهاننا كلمات الأمل والفرح وبقي لدينا فائض من عبارات اليأس والقنوط نفيض بها على من يجالسنا. أصبحنا نرى من ألقى علينا حديث اليأس أنه حصيف الفكر سديد الرأي نصغي إليه بلهفة وتوق، فألحان الشقاء لها وقع جميل في أسماعنا، نصنع البؤس بأيدينا لنطحن أنفسنا ونسحقها ونبقى أسارى لليأس والقنوط، أصبحنا نتبادل حديث اليأس حتى يأسنا من بعضنا ويأست الدنيا منا ومن حديثنا.
إن كان الوجود قاتماً أفلا نضيء نوراً يبدد هذه العتمة التي تتراء لنا! أفلا نكون مصدراً للأمل في زمن اليأس! ألا نكون شعاعاً يبعث سنا يزيل ظلمات القنوط! ألا نشرق أسارير الاستبشار والغبطة لمن حولنا! كل ما أخافه أن نزيد العتمة سوادا وظلمة، فقتام الليل لا تجليه النفوس اليائسة. أدام الله لكم سعادتكم.
::خاطرة(5)::
حقيقة مرة:: كلما حاولت أن اقرأ فكرا ناضجا وطرحا مكتملا أجد ذلك لدى المؤلف الغربي…
فما سر ذلك!! .. ليس السر حتما في وفرة الكتب ولا في عقلية الكاتب … ولكن أرى بعضا من السر يكمن في طريقة التعلم؛ فالغربي منذ الصغر وهو يؤسس على البحث، فهو متمرس على البحث والكتابة.
ومن بعض السر أيضا هو الحرية التي يعيشها الغربي فلا يضره أن يقول ما يعتقده ولا يخشى من طرح أفكاره بأي أسلوب كان…
ولا ريب أن هناك أسرار أخرى جعلت الكاتب الغربي يبدع في كتاباته
::خاطرة(6)::
في طرحنا الثقافي والفكري يسود حديثنا الفكر الأوربي، قلما يكون هناك طرحا فكريا لا يتناول الفكر الأوربي .. متى نخرج من هيمنة الغرب في طرحنا ويكون لنا قضايانا المركزية التي نسعى لتحقيقها؟
قضايانا الفكرية كثيرة جدا .. وازعم أنها لا تنفك عن الأوربية ولكن ألا يمكن لنا أن نسل من أسر المركزية الأوروبية وننحاز لتاريخنا وما نتجه أهلونا في عصرنا الحاضر…
خاطرة لم تكتمل
::خاطرة(7)::
بعدما انهيت قراءة الكتاب الماتع “بين الثقافة والسياسة” لعبدالرحمن منيف عزمت أن أقرأ ما دبجت ذراع منيف، وأقوى العزوم والقرارات ما كان نابعا من الذات فالنفس تقدم دون تردد أو تلجلج، وكنت متشوف للمعرض لاقتني كتب منيف، وحين إبتدأ معرض الكتاب لملمت أشياء السفر ولم يك وزنها ثقيل راجيا أن أعود بالحِمل الثقيل، ولجت المعرض ويممت نحو محرك البحث فأنا لا أعلم أي دار تبيعه، اشتريت الخماسية “مدن الملح” ومعها مجموعة أخرى لمنيف لا تقل في عددها ولا في حجمها، وما أن اقتنيتها حتى هدأت نفسي وانصرم ما بها من تشوف، عدت لبيتي فرحا غبطا مسرورا، جعلت اقلب ما اشتريت لمنيف فوجدتها آلاف الورقات وهي كلها روايات، ونفسي لا تطيق أن تقرأ رواية واحدة إلا بعد منازعة وشدة، فكيف افعل؟ بعد طول تأمل وصلت لأنر يرضيني ويرضي منيف، وهو أن أقرأ كل يوم عشرين صفحة لا غير، فيكون بهذا لا أثقل على نفسي الأمر وتطول صحبتي لمنيف حتى اشبع نهمتي.
قرأت أول عشرين ورقة من رواية “التيه” وهي الرواية الأولى من مدن الملح، فأعجبني استهلاله بالرواية، وراق لي وصفه للأماكن والأشخاص، فهذا الأسلوب التصوري الكثيف يجعلك ترسم في مخيلتك القصة فتكون جزءا منها، فتشعر بآلام أهلها وأفراح أصحابها، حين وصلت للمقدار وكانت نفسي راغبة أن تبقى مع الكتاب ولكني لم أطاوعها، فالمشوار طويل، فإن ذهبت أطاوعها فاعلم أن النتيجة لا ظهرا ابقت وأرضا قطعت، توقفت راجيا الإتمام في الغد، إن أطال الله بنا العمر.
أحدث بهذا وأنا اعلم أن القراءة من الأسرار، والبوح نوع من الطيش إن لم يكن هناك قصد حسن، وما دفعني لكشف للبوح بهذا الأمر أن ألزم نفسي على المضي قدما، فلا أتضعضع ولا أتقهقر، فالنفس يقوى عزمها حين تعلم أن أمرها قد انكشف، فلو أبقيت الأمر سرا فاعلم من نفسي عجزها وكسلها، فما تلبث أن تترك ما عزمت عليه دون خشية الملامة من أحد، وما ترك منيف ليس علم شرعي مما يبتغي به القربة؛ بل هو أدب وفن فكاتمه كمعلنه… ودمتم سالمين.
::خاطرة (8) ::
نقد أي فكرة يعتمد بشكل أساسي على فهم الفكرة والقدرة على تحليلها وتفكيكها وإعادتها إلى أصولها إن أمكن..
نقد الأفكار دون المقدرة على تحليلها هو نقد هش لا يمكن أن يكون نقدا مقنعا فضلا أن يكون نقدا موضوعيا..
كثيرا ما نتجنب تحليل الأفكار ونتجه سريعا للنقد، وهذا النقد غالبه مبني على انطباع ذاتي قاصر، ويكون صورة هذا النقد الخالي من تحليل الأفكار على هيئة امتعاظ وتبرم وحالة شعورية انفعالية لأنه يعتم على المقد العاطفي، فالنقد الخالي من التحليل هو نقد عاطفي يتعامل بصورة عامة غير قادر على تفكيك الجزئيات.
::خاطرة (9) ::
ما معنى الوحدة، تُرى هل الإنسان مخلوق اجتماعي؟ هل يقوى على العيش لوحده بعيدا عن ما حوله؟ إذا كان لا يقدر فلماذا نبحث عن شيء نعجز عن تحقيقه؟ ما سر ذلك؟ هل هذا نوع من التمزق نتيجة الألم، ألم الجماعة وألم الوحدة، وجمال الجماعة وجمال الوحدة، بينها يتمزق الإنسان، ويبقى في حالة ذهابا وإيابا لا تستقر ذاته ..
عبارات قلقة محاولة وصف حالة شعورية لإنسان متذبذب بين الوحدة والاندماج، فتارة يرى الوحدة أنانية وتارة يراها شعلة تضيئ نورا، وهذه صورة الإنسان ما بعد الحداثة وما بعد اللامعنى، فلا يكاد يجد لشيء معنى ولا يعرف أين يجد ذاته، فالتناقض هو المكان الذي يعيش فيه هذا الإنسان المفكر، وربما يهوى في أعماق اليأس.
الوحدة جمال حين تكون لتحقيق الذات وعذاب حين يُجبر الإنسان للبحث عنها، الوحدة اختيار ذاتي لحاجة لا نعرف سببها وإنما شيء يجده المرء في نفسه فيندفع لذلك.. ولكن نحن نعيش لحظات قاسية لا اختيار لنا فيها .. اصبحنا نفتقد هذا الاختيار، نفتقد الاختيار لكل شيء حتى في وحدتنا، نحن نهرب هروبا للوحدة لأننا نريد البقاء نريد أن نبقي على بعض ما نملك، نهرب لا لنحقق ذواتنا وإنما لننفصل عن واقعنا، تلك مأساة أن لا تجد ذاتك في الواقع، مأساة أن تجد بعضا من ذاتك بعيدا عن واقعك…
مما أعجبني ::
يمكن للإنسان أن يهرب من الحاضر التعس في اتجاهين: إلى الماضي أو الحاضر، فماذا سيختار؟ إن ذلك يعتمد على الشخصية والإيمان، وما يسمى الانسحاب الوقور من الواقع، ممكن أن يكون جبناً صارخاً، أو استسلاماً أما الواقع، أو خداعاً ذاتياً باكياً. من الصعب معرفة فيم يتعلق الأمر بكل حادث على حده.
::خاطرة (10) ::
قبل أن أذهب لمعرض الكتاب كنت زورت في نفسي “لن اشتري كتابا عاديا” .. وليس هناك وضوحا في درجة العادية هذه، ولكن أريد اقتناء كتبا تستحق مسافة السفر التي قطعتها، وحين أصبحت بين أروقة المعرض نسيت ما حدثت به نفسي فأخذت تثيرني عنواين الكتب، فاحمل مجموعة متناثرة ثم اطلب كرسيا واجلس اتصفح سريعاما جمعت من كتب وإذا بي اختار كتابا وأعيد آخرا، وهكذا فلم أعد اثق في صدق العناوين وتطابقها مع الكتاب، فليس العنوان دليلا على الكتاب، بل لا تعرف الكتاب من عنوانه وإنما من قراءة نتفا متفرقة من مضمونة.
في معرض الكتاب تأتي وفي ذهنك بعضا من الكتاب، ولكن حين ترى الكتب يتلاشى ما في الذهن وتبقى العين هي التي تبحث عن الكتب المثيرة أو الهامة وهي التي تقرر، فإن كنت تملك حاسة بصرية مرهفة فهذا يفيدك في التقاط ما يخفى على كثير، وجميل أن تحاول مشاهدة الكتب كلها باللون الأبيض والأسود كي لا يفتنك زخرفة كتاب وحسن منظر غلافه، فهناك تفنن في تزيين أغلفة الكتب، فبعضهم قد يتخذ رساما ماهرا يرسم لوحة جميلة يضعها على غلاف الكتاب كي تجذب الناظر للكتاب فلا يتمالك نفسه إلا وتتهاوى أمام هذه الصورة الفاتنة فتجذبه قبل أن ينجذب لعنوان الكتاب ومضمونه.
وقد يكون من حسن يومك في المعرض أنك لا تشتري مباشرة ما تشاهده ويعجبك؛ فإن ملكت ذاتك فأنت قد بلغت من الحكمة والعقل الشيء الكبير، فالعقول في المعرض تخطف ويصيبها هيجان في الشراء، ولا يكاد تؤوب لرشدها ويعود عقلها إلا حين ترجع قافلة لبيتها وتبعد عن مناظر الكتب وتنفرد بما اشترته وملكته فيصيبها من الذهول والانكسار مما اشترته، فأين كان العقل؟
::خاطرة (11) ::
للتو وصلت لمطار جده .. قاصدا معرض الكتاب .. وما أجملَ الجو هنا، ولكن لم تعد جده عروسا فقد هرمت وشاخت، وكل ما فيها قد هرم. وكأني أرى المدن خلاف الإنسان إذ يصيبها البلى أولا في قلبها وتبقى أطرافها تنمو وتتزين حتى يلحقها ما أصاب مركزها، عندها تقف تنتظر موتها، ويأتيها منيتها من تزاحم الناس فتعجز عن التنفس لتراكم البشر وتكدسهم، وتحتار فيهم، فهي عاجزة عن إحياء ذاتها فكيف تحيي غيرها، وما بقاءها حية إلا على إرثها وتاريخها فتستقبل الناس وكأنها لا زالت في ريعان شبابها متناسية ما أصابها من توالي السنون على جنباتها، ولو أنها أبدت للناس عن صورتها الحقيقية وقالت لهم: دعوني وشأني فأنا لست لكم، وإنما أنا لزمان مضى… ولكان هيهات فتكبرها وعجرفتها تجعلها تقول هلم إلي..
أبا عبدالرحمن أسعد الله أوقاتك وأقات الأحبة في هذا القروب .. كنت أظن الموضوع قد طوي .. فكنا نتفكه ونستملح الحديث ليس إلا .. والأمر أهون مما نراه ..
واختلاف وجهات النظر أمر صحي وطبيعي .. والأمر الذي ليس طبيعي وخطير هو أن ننكر الاختلاف، ونسعى أن نكون نسخ مكررة في الرؤية والفكر ..
ولا ريب أنني اختلف معك في أن التقنية ضد الإنسان وأن كيندل ضد الإنسانية .. ولابد أن تتسع صدورنا للمخالفة فهذه سنة الله تعالى ..
دعنا نتحدث عن حبيبنا كيندل، هل وجوده ضد الإنسان.. هذا لا أفهمه، وعجزت أن أفهمه .. فهو مجرد وسيلة أعيد “وسيلة” لتقريب المعرفة للناس، فحياة الناس أصبحت قاسية، فالناس في عمل دائم وأوقاتهم ليست بأيديهم، ويحتاجون أن يقرأوا .. فكان كيندل “وسيلة” تساعد الناس أن يقرأو حيثما كانوا، هذا كل ما في الأمر، وأين صورة الابتذال في هذا؟ وهذا شيء آخر لا استطيع أن أفهمه .. فما الضير من توفر الكتاب بصورة إلكترونية ويختلف عن شكله الورقي!! .. فكلها وسائل “الورق” وسيلة و “كيندل” وسيلة، كما أن الجوال بين أيدينا وسيلة للمعرفة وللتواصل.. فلا نجعل الورق غاية .. فالقصد هو حصول المعرفة من ورق أو خصف أو حجر أو قماش .. حيثما كتبت المعرفة نبحث عنها ونتناولها ونقرأها.
كيندل ليس مبتذلا للمعرفة، بل هو يساعد على نشر المعرفة على قطاع عريض من الناس .. فالشباب اليوم لهم تعلق بالتقنية، ويقرأون من الجوال أكثر مما يقرأون من الكتاب، فحين توفر لهم وسيلة شبيهة بالجوال فإن هذا دافع ومحفز لهم أن يقرأوا وأن يثقفوا. فهو ناشر للمعرفة بصورة رائعة.
وتجربتي أقنعتني بما لا شك فيه أن كيندل وسيلة رائعة للقراءة، فخلال أسبوع فقط قرأة من خلاله كتابين، فهل هذا ضد الإنسانية؟ أليس هذا تيسير لهم أن يقرأو حيثما كانوا؟ وأن يحملوا معهم مئات الكتب فلا يصيبهم السأم والملل من تصفح كتاب واحد؟
وأنا لا أعلم ما علاقة السلف بموضع كيندل!! وإقحام السلف هنا أمر غريب… والسلف لو توفر لهم كيندل لأقتنوه ولم يحاربوه، فلا أتوقع أن الغزالي ينفر من الكيندل ويصد عنه بل ستجده بين أنامله تحت شجر الزيتون يقرأ هادئا البال مطمئنا على توفر هذه النعمة العظيمة بين يديه. فالسلف لا ينفرون من الجديد لجدته، بل يرون إن كان فيه مصلحة أخذوا به.
ومن أراد أن يحفظ عن طريق كيندل فلا حرج، وهو جائز شرعا، فله أن يحمل الألفية ويحفظها من خلال كيندل، وربما تكون أثبت في ذهنه لو حفظها من خلال الورق. ولا أعلم ما علاقة الحفاظ والفقهاء بكيندل.. لا أعلم ما هذا الربط .. كيندل وسيلة للمعرفة ما علاقته بالحفظ أو عدمه؟ كيندل حديث عهد فأين الحفاظ من قبل كيندل وأين الفقهاء .. الإشكالية ليست في كيندل الإشكالية في أشياء أخرى لا أريد التطرق إليها لأن الموضوع سيطول وسنخرج عن حديثنا.
والكمبيوترات مصيبة .. هذا القول عجيب .. وغريب :: أن يكون الكمبيوتر مصيبة شيء لا أفهمه .. أشياء كثيرة لم أفهمها .. فقد عجز عقلي إن يدرك أنه مصيبة بشرية .. بل أراه فتحا على الإنسانية.. كان بابا للتواصل مع أنحاء العالم، كان طريقا للإنتاج .. ولنا أن تتخيل .. كيف حال الناس بدون كمبيوتر في هذا العصر العجيب؟ نعم، ممكن أن نقول أن هناك سلبيات للكمبيوتر ولكن أن نغفل وننسى إيجابياته فهذا أمر عجاب.
المطبعة من نعم الله على البشرية، فها نحن نقرأ كتب الشرق والغرب، ونتعلم في المدارس، ونقرأ الصحف، وما كان ذلك يحدث لولا فضل الله بهذه المطابع، وما كان سنسافر لمعرض الكتاب، وسنبقى نكتب بأيدينا وننسخ وسيحرم ملايين الناس من قراءة الكتب.
وكي لا أطول:: تبقى وجهات نظر لا يضر فيها الخلاف البتة، فمن أراد أن يقرأ كتاب “الاستقامة” لابن تيمية على شكل ورقي أو إلكتروني فالمعلومة واحدة .. والهدف واحد .. فلا نجعل الورق غاية بذاته .. ولا نجعل كل مخترع حديث مصيبة على البشرية ..
وختاما:: أظل احترم وجهة نظرك، فلك كل الحرية والحق أن تقول كيندل والكمبيوتر والمطبعة مصائب صنعتها البشرية، ولك أن ترفض استخدامها، ولك أن تعلن عن رأيك وتدافع عنه ولك أن ترفض فكرتي وتحاربها ولا تتقبلها، فهذا حق مشروع لك .. وأنا أحاول جاهدا أن أتفهم وجهة نظرك .. ولي الحق أيضا أن لا اتقبلها وأرفضها .. فهذا حق مشروع لي أن أرفض فكرتك وأدافع عن فكرتي .. وجميل جدا هذا الاختلاف .. فهو ثراء معرفي .. وهو دلالة على الحرية الفكرية التي لا ننعم بها .. وهو دلالة على الاستقلالية .. فلا تتبع فكري ولا اتبع فكرك .. وهذه هي قيمة الإنسان .. أن يسعى لتحرير عقله ويفكر بذاته ..
حديثي عن كيندل سابقا كان من باب المسامرة والمفاكهة .. ولذلك لن أخوض مرة أخرى في هذا الموضوع .. فهو سيهتلك طاقتنا في أمر غاية البساطة لا يفترض فيه التنازع .. علينا أن نبحث عن موضوع آخر .. نتسامر حوله .. نختلف ونتناقش من جديد في موضوع آخر … ودمتم
::خاطرة (12) ::
يعني ما كتبت أنني سهو عما يدور حولي .. وإنني لا أبالي .. كلا؛ فأنا أتوجع في كل لحظة ويكاد الوجع يمزقني .. يعصرني الألم وتضيق نفسي كثيرا .. وتسود الحياة في ناظري .. وأبقى حزينا هائما تائها حيرانا .. ومما يزيد همي وحيرتي هو أنني عاجز لا أقدر على شيء ..
أخذت أهرب عن واقعي ليس تخلي عن مسؤوليتي .. ولكن لأن مسؤوليتي سُلبت .. أهرب من الواقع لأن أفكاري تشققت وتفرقت .. أهرب من الواقع ودوما أفشل في هروبي .. فكثيرا ما يعاودني الخوف والهم .. وتجذبني الكلمات المبثوثة من حولي .. فأعود لألمي وعجزي وحيرتي ..
قراءة الجزئيات ومتابعة الأحداث اليومية تدمر الوعي .. تصيب الفكر بعاهة وبلاهة .. فالجزيئات مبعثرة متناقضة مشوشة مفبركة تصيب قارئها بحيرة وأحيانا بلوثة من الغباء .. الوعي مطلب ولكن هل هو في دائرة الحدث اللحظي واليومي؟ لا يمكن بحال، الوعي عمل فكري دؤوب لا يتحصل إلا بالتنقيب عن أصول القضايا .. ثم عن أي وعي نتحدث.. الوعي الفلسفي أم الديني أم السياسي أم الاقتصادي أم الاجتماعي ..
من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .. ما معنى الاهتمام هنا؟ هل المراد هو القلق؟ هل المراد هو المتابعة اليومية؟ وما مساحة الاهتمام؟ هل الاهتمام في كل لحظة أم أمر عارض؟ وكيف يكون الناس.. كيف يكون اهتمام الفقير واهتمام المريض واهتمام الأمير .. هل الاهتمام له علاقة بطبيعة الإنسان وكينونته؟ بمعنى: هل من اهتم ومرض وقلق هل يستمر في اهتمامه؟ وهل من اهتم ولم يقلق يستمر في اهتمامه؟ ما درجة الاهتمام المطلوبة؟ وهل الاهتمام أمر نفسي فحسب أم هو فعل يتحقق في الواقع؟
المسلم أخو المسلم .. يشد بعضه بعضا .. كيف يكون هذا في هذا العصر؟ كيف يكون هذا في واقع الدولة الحديثة؟ كيف .. كيف .. يا الله .. سؤال صعب للغاية .. ولكن كعادتنا، نحن دائما نجيب على الأسئلة الصعبة الإشكالية بأجوبة بسيطة سهلة .. ولذلك نبقى دائما واقعين في مشاكلنا لأننا لا نحس التعمق في الأجوبة.. لا نحسن فهم السؤال وعمقه وأبعاده .. كيف يشد بعضه بعضا في هذا الزمن؟ صعب .. ومن جواب فهو يسير في فلك العموميات التي هي تبسيط للقضايا وقتل للحقائق ..
يجب أن أقف .. فأخشى أن اتحدث كثيرا .. فيكون في حديثي سقطات .. يضحك منها قوم ويسخر منها آخرون .. ولكني سأبث أشجاني وأحزاني في دفاتري فقط .. وهنا أبث أفراحي وأعلن قوتي .. هنا أسطر إرادتي وأدون ما يسعدني ويطربني ويثيرني .. وعيي هو في تحقيق سعادتي .. وليست سعادتي في قراءة كل حدث ومتابعة كل فعل .. فأنا أثق في ربي وهو يتولانا ويتولاهم .. وللبيت رب يحميه ..
::خاطرة (13) ::
أليس في الواقع أخبارا أخرى جميلة …
نريد أخبارا إيجابية .. سئمت نفوسنا من الأخبار السلبية .. ولو نعلم ما تأثير تلك الأخبار السلبية على نفوسنا ما تداولنها بيننا .. لقد غابت الابتسامة عن وجوهينا .. وأصبحنا قلقين حائرين .. وكم أعجب من الناس كيف يتسابقون في نشر الأخبار التعيسة ويظنون أنهم يزفون عروسا .. وما علموا أنهم يحملون نعوشا بائسة يقذفونها في وجهنا ثم يولون الأدبار وقد تركونا تعساء ..
ولست أعلم ماذا يرجو محدثي بهذا الخبر التعيس عندما يخبرني بمصائب العالم التي لا نهاية لها .. ماذا يتوقع مني أن أكون!! سأكون تعيسا بائيسا لا أرى في الوجود إلا الشر .. سأكون حاقدا كارها لكل شيء.. سأنهار واتحطم وسأبقى خامدا منهارا ..
الخبر التعيس لا يحيي الأمم ولا يقوي الرجال .. الخبر التعيس يجرنا للوراء ويدفعنا نحو القنوط واليأس ..
ولك أن تتخيل :: لمدة أسبوع لا تسمع إلا أخبارا جميلة سارة .. كيف ستكون نفسيتك؟
لنرفق بأنفسنا ولنسعدها بأجمل الأقوال وأحسن الأحداث فقد سمعنا كثيرا كثيرا حتى مرضنا ولم نفعل شيئا .. عذابنا لا ينفع غيرنا .. بل ينفعهم أن تكون نفوسنا حية سليمة .. ولا يعني قولي تجنب معرفة الواقع .. ما قصدته هو عدم قصر الواقع على الأخبار التعيسة .. نريد أن ننقب عن الخبر الحسن وننشره كما نشرنا الخبر ..
ولست أقصدك يا شيخ عامر .. ولكن اقصد هذه الظاهرة الواتسية التي يسودها الخوف والقلق فلا تعرف إلا نشر ما أساء وضر وتسكت عما أحسن وسر ..
الطرح هنا يرتكز على عرض السلبيات بشكل مستمر …
ما أثر التركيز على القضايا السليية في النفوس؟
عندما تعرض القضايا السلبية بصورة متكررة وبشكل دوري ويومي هل هذا يساهم في الوعي أم يعمل على تحطيم النفوس وايصابتها باليأس والقنوط؟
لماذا يتم غياب صور الخير والايجابيات وعدم ذكرها .. هل المراد من ذلك تحطيمنا؟
ما الفرق بين التطبيل وبين التكسير؟
أعلنها لكم بصوت مدوي وقوي .. أنا استسلمت وأصابني اليأس لأن في كل لحظة تأتيني ضربة، لقد حققتم الهدف … وتحطمت نفسي وأصابني الخور وبدأت أشعر أنه لا خير في هذا الزمن …
سأنكفي على ذاتي … واعتضد ببيتي والسلام
يقول الأصوليون: “العقل مناط التكليف”. هذا مفهوم.
ثم يعودون ويقولون: ومن شروط التكليف: العقل والبلوغ … الخ
كان العقل مناطا للتكليف ثم صار من شروط التكليف!!!
كيف نجمع بين هذا؟
::خاطرة (14) ::
قيل قديما:: الناس أعداء لما جهلوا…
كنت اجهل قيمة الكيندل ولكنني لم انصب له كثير عداء، فقد كنت متسامحا ومتقبلا للمتغيرات الجديدة، وأرى أن بني آدم يرتقي في أدواته جمالا وحسنا، وكنت مترددا بين اقتناء كيندل أو تجاهله، وأخذت نفسي تنازعني حتى تجاسرت واشتريته وأنا مغمض عيني عن تعليقات الرافضين له.
وجائني كيندل الأسبوع الماضي وما كنت أظنه بهذا الرونق والانسيابية .. وما أن مسكته بين يدي وقلبته حتى تاقت نفسي للقراءة من خلاله فأضفت إليه بعضا من الكتب وأخذت أقرأ من خلاله، فأخذ لبي وملك زمام فكري، عندها لملمت أشيائي وأخذته في جيبي كي انفرد وكان وفي طياته ما يقرب من ٨٠ كتابا، وخرجت به بعيدا عن أعين وبعيدا عن اشغالي.
انفردت به وحيدا وأخذت راحتيي تقلبه برفق فوجدته ألين مما خلته، فما أن أضع طرف أصبعي عليه فتنمشف لي صفحة أخرى من صفحات الكتاب بحروف متلألأة وضية تراها من جميع الجوانب وكأن كل حرف يقول لناظره ها أنذا أقرأني وأحفظني فأنا طوع لفكرك ورأيك، والأسطر كانت تتزخرف بحسن ترتيبها وجمال تنسيقها فخروجها من عالم الورق إلى عالم كيندل جعلها أشد نصاعة وأكثر بهاء، فكانت تعطي للمعاني جمالا أخاذا وكأنها هي المعاني بذاتها، وكم كنت أشفق على الحروف والأسطر حين ألمسها بأصبعي، فاعلم حزنها حين تتوارى عن ناظري وترحل وما كان يخفف حزنها أنها ابقت لها أثرا في فكري، وما أن تبدوا صفحة جديدة إلا وترى كأنك نفسك أمام عروسا قد تزينت بكمال وجمال زينتها لتفتن ناظرها، وتزيد في افتتان ناظرها أنها تلين له وتعطيه من معانيها ما لا تجده في الأورق، فكل كلمة تقول في كذا وفي كذا، يهبون معانيهم للمتأمل ليكسبوا وده وليبقوا تحت تأمله، وكنت آخذ هذه المعاني سريعا وألمها في ذاكرتي وأذهب لصفحة أخرى دون شعور بثقل أو تعب، وكيف لي أن اتعب أو تثقل نفسي وأنا بين يدي هذا المنظر الخلاب.
ومما زاد كيندل جمالا وسحرا أنه يبقى حيا بين يديك أياما، فلا يهلك وأنت تقرأه فطاقته هي وجوده بين أصابعك هي قراءتك، اذهب به بعيدا واختلي به ولا تخشى عليه من الهلاك فلن يغمض عينيه إلا بعد أن تغمض عينيك ويرهقك الإعياء والتعب، عندها سيلقي نفسه بجوارك فينشط وتجدد طاقته وقت سكونك وهدوءك.
حديث الناس عن كيندل لا تكاد تسمع له همسا، وما أظن ذلك إلا غيرة من الأوراق والأقلام، فيتناسى القلم كيندل فلا يكتب عنه حرفا، وتتلاشى وتختفي الأوراق حين يذكر اسم كيندل في صفحاتها، قاتل الله الغيرة فما أنصفت إذ ملكت وحكمت ولكنها هلكت وأبادت.
::خاطرة (15) ::
شخصيتان عربيتان معاصرتان لم تنل حضهما بين القراء، وربما كان السبب هو ظاهريتهما: أبو تراب الظاهري، وابن عقيل الظاهري، ولهاتين الشخصيتين فوائد ودرر منثورة ومبثوثة في كتبهما، وقد بذل أبو تراب الظاهري قلمه في تصحيح الأغاليط اللغوية كما في كتابه “أوهام الكتاب” وهو تعقيبات على أرباب القلم المعاصرين فيما وقعوا فيه من أوهام في اللغة والتاريخ والسيرة، وهو مليء بالفرائد التي لا تمل منها عين الفكر. وعلى ضربه كتاب “لجام الأقلام” وإن كان غالب هذا الكتاب قد جعله في تقويم اللسان.
وأما ابن عقيل الظاهري فمع اشتغاله باللغة فهو قد تميز بقراءته للفكر الإنساني وبرع وأبدع في هذا حتى قال عن نفسه في أهم حقول المعرفة: “حرصت على تحقيق نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) ولا أنكر أن لي ريادة في هذا الباب، وصححت ومحصت طرق الاستدلال والجدل”. وقد أعتنى كثيرا بمناقشة فلسفة ديكارت كي يتوصل بها إلى إثبات وجود الله تعالى. وله كتب عديدة ومن أجلها كتاب “لن تلحد” وقد أسماه بهذا الاسم تفاؤلا وثقة باستجابة العقول المنصفة لموجبات الضرورات الفكرية، والكتاب ناقش بتفصيل نظرية المعرفة التي يرتكز عليها الإلحاد فنقض القاعدة التي يقوم الفكري الإلحادي عليها. وله تباريح التباريح، وشيء من التباريح التي لا تمل العين من مطالعة ما كتب هذا العلم الفذ.
يقول الرافعي في رسائله ص ٤٦: “لا تحفل كثيرا بأقوال المتأخرين وكتابتهم ومحاوراتهم فيما يختص بالأدب العربي وتاريخه لأنهم جميعا ضعاف لم يدرسوه ولم يفكروا فيه”.
فنصيحة في هذا الباب ركز على المتقدمين مع عدم هجران للمحدثين، فهناك أقلام، وإن كانت قليلة، لا تقل عن الأقدمين إلا بالزمن.
::خاطرة (16) ::
عن أي مسؤولية نتحدث؟
المسؤولية تتحدد وفق الحرية، فكلما اتسعت الحرية اتسعت المسؤولية والعكس.
فكيف أكون مسؤولا عن أشياء لا علاقة لي بها!؟ لا يمكن ..
لا نجلد ذواتنا كثيرا، فنحن لا نصع قرارات وإنما تملى علينا، نحن نشعر بالحرج حين نتحمل قرارات لم نشكلها ولم يك لنا فيها دورا.
مسؤوليتنا تكمن في حدود طاقتي وقدراتي، ولا أعلم كم حدود طاقتي التي يتاح لي ولكنها حتما لا تتجاوز خرم الأبرة، الشريعة حملتني فقط مسؤولية ذاتية وليس مسؤولية عامة مفتوحة لا حدود لها، فتأخر الراتب ليس مسؤوليتي ولن يسألني ربي لماذا فتحت السينماء، أو تلاشت النعم، وأنا حين احمل نفسي هذه المسؤولية ساتحطم وانكسر واشقى، والله لا يريدنا أن نشقى.
الله قال لنوح عن ولده “إنه ليس من أهلك” وأرى أنها قد تعني الاية كذلك لا تتحمل افعال الآخرين، فلهم وزرهم حتى ولو كان أقرب الناس لك.
الخطاب الذي يخرجنا من هذه الضايقة لا يتوجه لي وإنما يتوجه لمن له القرار، فالإنصاف مطلب، ولكن لا أظن هذا ممكن، إذا فلنسكت عن عتاب الذات ولومها، ونلزم النفس أن تؤدي الذي عليها وكفى.
وقد جمعت رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة في كتاب “الشعلة الزرقاء” الدي دام بينهما التواصل لمدة ٢٠ سنة ..
والكتاب يظهر الفن الرفيع من أدب الرسالة الدي اختفى في الآونة الأخيرة مع ظهور التقنية.
كنت أتأمل بين رسائل غسان كنفاني لغادة، ورسائل جبران لمي، فوجدت أن رسائل غسان مليئة بالعاطفة والعشق وأن حروفه كلها شوق وهيمان فهي رسائل عاشق..
بينما رسائل هي رسائل روح لروح وليست جسد لجسد، هي أيضا مليئة بالشوق ولكن شوق عقلي وفكري فهي رسائل أديب..
ما أحسن كتاب “المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر” لابن الأثير.
لا يشبع الأديب من مطالعته فهو يرسم للكاتب طرائق الكتابة وفنونها، وابن الأثير في كتابه هذا يحسر اللثام عن مقدرته الأدبية واللغوية في بيان جماليات الكتابة. وللأسف هذا الكتاب لم ينل حظه من الشهرة وهو أولى أن يضع في صدارة الكتاب لمن أراد أن يتعلم فنون الكتابة ومهاراتها.
مما قرأت في سيرة أديب العرب مصطفى الرافعي أنه كان يحب “مي” وكانت تحمل له حبا، وقد ذكر الرافعي رحمه الله أنه استشار السيدة الكريمة زوجته في حبه “لمي” حتى لا يمس بهذا الحب أمانة الزوجية الوثيقة.
::خاطرة (17) ::
حزن يقطع قلبي .. أكاد أذوب أسى ..
أهرب بين كتبي .. أدفني رأسي بين دفاتري ..
تعبت عيناي .. وتعب فكري ..
إلى متى أظل هارباً؟ .. إلى متى أبقى سجين أوراقي؟ ..
ما عادت الكلمة تنسيني .. ولا عادت أوراقي تخفيني ..
البؤس يطوقني.. والأسى يساورني ..
شكواي تؤلمني .. صمتي يؤرقني ..
أمتي .. يا جرح غائر بين جوانحي ..
أمتي .. يا ألم ساكن في أحشائي ..
أمتي .. لن أبكيك وإن اشتد حزني ..
أمتي .. أنت سر الحياة ..
أمتي .. لن أبكيك فستعودين يوما ..
أتألم ولكن لن أيئس .. أحزن ولكن لن أقنط ..
فلابد يوماً أن تعود الحياة للحياة ..
لابد يوماً أن تشرق شمسك .. فأنت سر الحياة..
::خاطرة (18) ::
سؤال الذات عن التقصير سؤال ضروري، فلابد أن نعرف السبب، عفوا أقصد الأسباب، فهي أسباب كثيرة قد لا نقوى على معرفة إلا جزء يسير منها، فمحاولة اكتشاف الأسباب ضرورة أخرى ملحة، فلا يصح في الأذهان أن نضع السؤال ثم نقف عن محاولة وضع الإجابة لإشكالاتنا الفكرية.
أخذت أعيد أقرأ ما ذكرت من أمثلة لاكتشف العامل المشترك بينهم، فوجدتني سأرجع بكفي حنين، فالقضية ليست مقصورة بتاريخ معين أو هيئة محددة، بل لو عدنا للحقوب الزمنية الماضية لرأيت عجبا، فهذا ابن حزم قد طلب العلم على كبر وقد سجن مرات ونفي وواجه من الصعوبات القاسية ومع ذلك ترجم وألف المجلدات، ويزيد المرء ذهولا هو أنهم لا يملكون ما نملك من جمال الأقلام ونعومة الأوراق ووفرة المراجع ومع ذلك لا نملك القدرة على كتابة وريقات قليلة، فالسر إذا ليس في المراجع أو الأقلام وإنما في شيء آخر.
وكنت أقرأ في سيرة عبدالرحمن منيف والذي يصنف أنه أفضل روائي عربي على الإطلاق، وللأسف لا تجد أحدا من شباب الصحوة قد قرأ له شيئا فضلا أن سمع عنه، في سيرته أنه بدأ التأليف وعمره 43 سنة، فلم يبدأ مبكرا؛ بل بدأ متأخرا ومع ذلك قدم روائيات لا يمكن أن يمحوها التاريخ، فكتب خماسيته “مدن الملح” وهي أكثر من 2000 صفحة تحتوي على أكثر من 200 شخصية، وبسببها سحبت منه الجنسية السعودية، وقدم ثلاثيته “أرض السواد” تكلم فيها عن العراق بصورة رواية رائعة، وله مؤلفات أخرى كثر ومن ذلك الشرق الأوسط الذي تكلم فيه عن التعذيب في السجون، وكتابه الرائع “بين الثقافة والسياسة” وهذا الكتاب أرى أنه من واجبات المثقف أن يقرأه، فهو فكك الواقع الترابطي بين المثقف والسياسي ليكشف لك الواقع كيف يسير.
وهناك في الحقل الإسلامي من أبدع وكتب كعمر حسنين عبده، فهو ليس مفكراً إسلاميا بل قلما أدبيا من المستوى الرفيع، وقد جمع ما كتب في عشر مجلدات كبار أجدها من أجود ما كتب في تناول الفكر الإسلامي في صورته الواقعية، وللأسف الأمثلة في الحقل الإسلامي في مجال الفكر قليلة جدا،.
ولقلة هذه الطبقة يتحتم علينا أن ننتساءل دوما حتى نظفر بأجوبة تجعلنا نسير في ركب هؤلاء القلة أو نبين المسلك لغيرنا، ومما قفز لذهني للتو أننا نفتقد عامل الإثارة، فقد كتبت يا أبا عبدالرحمن نتيجة إثارة وسؤال، فلو لم أسأل، فهل سنقرأ التحفة الرائعة التي سطرتها؟ بالطبع:لا، إذا نحن نفتقد لعامل الإثارة الذاتية التي تحركنا من الداخل، والتي تولد فينا الأسئلة، والتي تجعلنا في حالة حركة لا تتوقف عن حالة معينة، ولا يشتر في تولد الإثارة وجود بيئة صحية؛ فنحن نرى كثير ممن أبدعوا كانوا يعيشون في بيئات غير صحية فمثلا ديستوفيسكي عاش حياة مريرة، مع أب قاس للغاية، ومع مرض، ثم إلأقي في السجون بين الثلوج وحكم عليه بالإعدام، وعذب .. ومع ذلك انتج أدباً لا يقاس، وكتب فناً قصصيا روائيا من أروع ما كتبت البشرية، فالبيئة ليست شرطا للإثارة وإنما السر يكمن في الذات، فالسر يكمن داخل الإنسان، وليس من خارجه، ولا أعني بذلك أنه ليس للخارج تأثيرا وإنما اتكلم عن القوة الكبرى المؤثرة، وهي الذات.
اعلم أنه لا يمكن في الواتس تناول هذا الموضوع الكبير، ولكن لا أقل من إثارة التساؤلات التي تجعلنا نعيد قراءة ذواتنا مرة أخرى، نحن بحاجة ملحة أن نعيد طريقة حياتنا ونعيد قراءة أفكارنا ونعيد اكتشاف حقيقة من نحن، فربما يكمن السر أننا لا زلنا نجهل طبيعتنا، وأننا لم نصنع ذواتنا بل هناك من صنعنا وشكلنا، فنحن بحاجة ماسة لإعلدة بناء ذواتنا بفكرنا ورغبتنا، نعيد بناءنا الفكري والتصوري حول كثير من القضايا، فلعلنا نظفر بشخصيات أخرى كامنة في ذواتنا هي أكثر إبداعاً وأكثر جمالاً ورونقا.
::خاطرة (19) ::
اذكر كان هناك تساؤلا من الشيخ علي رفع الله قدره عن القراءة الحرة، وقد أجبت على تساؤله في الأعلى.
ومزيدا من الايضاح، أرى أن القارئ كالوعاء ولكنه لا يمتلئ، وهو في حالة غليان وتوقد، حين ينتهي من كتاب يتلف لآخر، وهو باحث عن الإجابات التي تتولد نتيجة قراءته وتأمله، ولا ترضى ذاته بالأجوبة الجاهزة السهلة.
ونحن منذ الصغر ونحن نؤسس لذواتنا ونحد قراءتنا ونمنع عقولنا من الخروج من القيود التي حدت لنا، أفلم يأن الوقت أن نتجاوز هذه القيود والسقوف التي حددت مساراتنا الفكرية؟ وخصوصا أننا قد تأصلنا كثيرا حتى أصبحنا لا ندري ما جدوى التأصيل إن لم أخوض مفاوز المعرفة فاكشف عن مستورها وانقب عن مدفونها.
القراءة الحرة لا تعني بحال الخروج على الثوابت وإنما تعني أن أمنح لعقلي الحرية في البحث والاستكشاف والحكم.