إن تقرأ لتستمتع فأنت أدركت إحدى المعاني الحقيقية للمتعة، والمتعة الهادفة هي ساحة الذهن وهي رحلة العقل في عالم المعرفة، أن تصبح القراءة هي متعتك فقد أضفت للمتع الحسية التي يشترك فيها الخلق متع معنوية التي لا يدركها كل أحد، فالحواس مع متعة الفكر تهدأ وتسكن وتطمئن؛ بينما الفكر مع متعة الحواس يظل في حركة وهدهدة لا يسكنها صوت البلابل، ولا خرير الماء، ولا جمال الغروب.
متعة القراءة أنها لا تحصرك في مكان ولا في لحظة زمنية؛ بل ترحل بك في أماكن قد طويت وبليت، وأماكن لم يرفع عنها اللثام بعد، فعبق المكان هو خيالك، ومنظره هو طيف أفكارك، فأنت الذي تصنع المكان وتكسوه من الجمال والحسن ما يذهب عنك ضيق اللحظة وبؤسها، تصنع وجوداً ذهنياً متجاوزاً الوجود الحسي، وذاك الوجود الذهني جعل للقراءة جمالها وبهجتها وبهاءها.
ومن قال لك ناصحا لا تقرأ للاستمتاع وإنما للتفهم والتعلم؛ فهو قد مضى بعيداً واستل من القراءة أجمل ما فيها، ليجعل من القراءة حالة شعورية كئيبة ثقيلة سمجة، فتكون صفحات الورق أثقل من رضوى، ويكون لمداد حروفها اشتعالاً يكاد يحرق عين قارئها من بغضها ومقتها، وما ذلك إلا أنه رأى أن العلم والفهم مفارق للمتعة، وما علم إنه إذا غابت المتعة قل الفهم وضجرت النفس وأصابها الملل والسأم، فلا تعلمت ولا فهمت، فسر الفهم وديمومة القراءة هو في الاستمتاع بالقراءة.
ولا يمكن للمرء أن يكون قارئًا محترفًا وهو يرى القراءة ثقيلة سمجة، فشرط ديمومة القراءة هو الرغبة، والرغبة إن لم يصاحبها متعة فإنها تذبل مع جري الزمان، فتذهب الرغبة في القراءة. ولعلك واجد أن كل شخص يرغب في القراءة ولكنه لا يقرأ، متصورا أن القراءة كابوسا مرهقا، فسبب هجران الكتاب والنأي عن القراءة هو التصور الخاطئ عن القراءة، بأنه لا متعة فيها.
ومما يفقد متعة القراءة أن الإنسان يختار كتابا لا يهواه أو لا يتناسب مع مستواه الفكري، فالكتاب لن يكون له متعة حتى يكون بينك وبينه انسجام وتوافق، فالكتاب هو رفيق درب فاختار ما تراه ينسجم مع قدراتك كي تجد المتعة المرجوة.