من أدق الكلمات التي يمكن أن توصف بها هذا العصر، هو عصر السرعة، فكل ما فيه يسير بسرعة، وكأن السرعة أصبحت قيمة بذاتها، استعجال في كل شيء، في الأكل والشرب والكلام حتى الفكرة يجب أن تأتي سريعًا وتناقش على عجل وتنفذ دون ترو.
وكثيرًا ما يكون مع السرعة الخلل والارباك، وخصوصا إذا لم يكن هناك محطات توقف ولحظات تمهل للمراجعة، فإن السرعة غير الموجهة تقضي على الإتقان، وتكون ثمرة العمل ناقصة غير مكتملة.
والسرعة في بعض الأمور مطلوبة ولكن بشرط ألا تحدث فراغات في العمل، فلا يصح من أجل تحقيق السرعة أن يتجاوز المرء عن الأخطاء ويتغاضى عن الإهمال، فالسرعة مهارة يجب أن يصاحبها الدقة والاتقان والإجادة. ومن أراد أن يحقق السرعة مع الإنجاز المتقن فيجب أن يكون لديه قدرة عالية في إدارة الوقت، مع إيجاد الكفاءات العالية في العمل.
وإن كانت السرعة مطلوبة في بعض الأمور ولكن لا يجب أن تتغلغل في كل شيء في حياتنا، بل هناك قضايا يتطلب فيها التريث والتأني، كالحكم على الأشخاص، فهذا الأمر يتطلب فيه المعرفة والتي لا تأتي إلا بالتأني، ولكن في هذا الزمن تجد الشخص يحكم على آخر من مجرد النظر، ربما خلال ثلاثين ثانية أصدر حكمه، فيغيب عنه مبدأ التثبت والتأمل في الحكم الذي أصدره.
وللأسف أيضًا أن السرعة قد تغلغلت معنا في عبادتنا، والتي ينبغي أن تؤدى بطمأنينة وخشوع، فيقرأ الشخص القرآن بسرعة غريبة، فلا يكاد يفهم شيئا، فأهم ما لديه أن ينهي ما قرره، وقد قال الله تعالى: “ورتل القرآن ترتيلا”، فنهى عن العجلة.
الإنسان يجد صعوبة في التريث والصبر فهذه تخالف طبيعته التي خُلق عليها، فطبيعة الإنسان أنه خُلق عجولا، فهو دائمًا في حالة تطلع للمستقبل، مستعجلا في إنضاج الثمار قبل أوانها. وهذا التطلع المستمر للمستقبل، والاستعجال الدائم قد يولد له قلقا واضطرابا، لا يجد معه راحة ولا سكينة.
ويمكن للمرء أن يتخلص من قلق السرعة وهمها بالتخطيط الدقيق، والتخطيط هو إعطاء كل عمل حظه من الوقت الكافي، فحين تخطط لأعمالك فلا يمكن للسرعة أن تطحنك، فأنت تجد أن كل لحظة مشغولة بأمر.