إثبات الذات أو الأفكار لا يكون بالمجازفة وإنما يكون بالمنطق المستقيم والعقل الرزين، واكمال نقائص النفس وستر عجزها لا يكون بتحدي غير عقلاني، فالمسارعة لقبول التحدي الطائش هو نوع من نقصان العقل.
ونحن نرى من يجازف بحياته أو بصحته في أمور لا تستحق البتة، ولا أرجع هذا إلا لنقصان العقل، فمن كمال العقل أن ينظر الإنسان للعواقب، فإذا وجد أن المخاطرة عالية والمجازفة خطيرة والنتيجة ضحلة فلا يدخل في تحدي ولا يلج في هذه المخاطرة، فالسلامة مقدمة على الاندفاع القاتل.
وللأسف انقلبت المفاهيم لدى بعض الناس فيرى في التهور شجاعة، وكأن الإنسان ليس لديه عقل يحكم به القضايا ويحكم به النفس، فرمي النفس في المخاطر ليس من الشجاعة في شيء، فالشجاعة لا تعني التخلي عن العقل، الشجاعة صفة نبيلة لا تقود صاحبها إلى فعل الجنون والتهور، وبين الشجاعة والتهور خط رفيع وهو الحكمة التي من فقدها فقد السيطرة على مشاعره، ولم يقدر على ضبط نفسه.
وأنا لست ضد التحدي في حياة الإنسان؛ بل أراه مطلبا ضروريا، فبدون التحدي لا يمكن أن تحقق إنجازات رائعة، ولا يمكن أن تتغلب على مصاعب الحياة، فالتحدي يحث الإنسان ليحقق أهدافه وطموحاته، التحدي قرين للنجاح، ولا يمكن أن يعيش الإنسان دون تحدي، حتى أن أبسط الأمور تحتاج إلى نوع من التحدي حتى ولو كان يسيرا.
ولكن ما يؤلم أن يقتصر التحدي على القضايا الهامشية التي فيها ضرر على حياة الإنسان، فمثلا يتحدى شخص آخر بأن يقود سيارته على إطارين، أو يتحدى آخر أن يمشي على الجمر الخ، فأي معنى إيجابي في هذا التحدي! لا شيء، سوى الطيش.
وإذا كان للمرء أن يدخل في تحدي مع الآخرين فليكن في أمور إيجابية ترتقي بفكره وتعلو من إدراكه، فإثبات الوجود لا يكون بإلقاء النفس للتهلكة وإنما يكون برزانة عقل ورصانة فكر. والتحدي السلبي الذي لا تعّقُل فيه هو في الحقيقة تدمير لقدرات الإنسان في أشياء لا قيمة لها. وحين يكون التحدي هو استجداء إعجاب الآخرين فهنا يذهب جمال التحدي وثمرته.