مقدمة
تتنوع مسالك النفس البشرية بين رغبة في البوح وتدوين الذات، وبين صراعات الهوية والمشاعر المتقلبة، وصولاً إلى منهجية العمل والتعامل مع المعرفة. في هذه السطور، نعيش رحلة فكرية وشعورية عميقة، تبدأ من فن كتابة السير الذاتية وإشكالياتها، مروراً بغياهب النفس البشرية وعواطفها، وانتهاءً بقواعد النقد والعمل الجاد، لنرسم صورة بانورامية للإنسان في تقلبه بين الضعف والقوة، وبين الألم والأمل.
في أدب السيرة وإشكاليات الهوية
أخذت أتأمل .. لو رغبت في كتابة سيرة لحياتي فماذا سأكتب؟ ما الغرابة والروعة في حياتي؟ ما القضايا المدهشة التي تبهر القارئ؟ ما المغامرات العجيبة التي سأذكرها للقارئ كي لا يصيبه الملل؟ ما النموذج الذي سأصنعه من قصتي؟ حتى ولو كان قلمي ساحرا يأخذ بتلابيب القارئ فإنه سيعجز أن يقدم شيئًا فاتنا مالم تكن الحياة ذاتها فياضة بالأحداث والقصص المثيرة، لذا من كانت حياته عادية لا تختلف عن نمط حياة الناس فإنه يلجأ إلى الجمال الأدبي وحسن البيان ليكمل نقص الحياة. كل إنسان بذاته هو قصة تستحق القراءة، فلا يخلو المرء من أحداث قد لا يكتبها التاريخ ولكنها في نظره هي كل التاريخ، فلو قدر أن كل إنسان لديه الفصاحة والبيان ليدون قصة حياته لقرأنا عجبا، فحين يرسم الإنسان صورة حياته ويشهدنا معه مواقفه ويحيكها بقلم فاتن يحسن البيان وسرد الحكايات فإننا سنعيش نحن حياته وستكون تجاربه ومغامراته هي تجارب ومغامرات لنا. ليس شرطا من يكتب سيرة حياته أن يكون علما مشهورا، بل الإنسان البسيط جدا له أن يكتب قصته ويرويها للناس، ولكن الأمر الكبير من يستطع أن يقول الحقيقة وهو يروي سيرة ذاته، من يذكر الحسنات والرذائل، ولا أراه حسنا أن المرء يذكر رذائله وما ستره الله تعالى، ولكن لا يقول هذه سيرة حياتي، لا يجعل سيرة حياته نقية مثالية، بل عليه أن يقول مقتطفات من حياتي أو جوانب مشرقة من حياتي، فكتابة سيرة الحياة يشترط لها الصدق، وتحقق الصدق يكون فيها كشف للمعايب، وهذا أمر مذموم، لذا فكان الانتقاء من سيرة الذات هو الممكن. وممن كتب سيرة ذاته معترفا فيها بكل ما فيها من مثالب هو جان جاك روسو، والفيلسوف جيبون حين ترجم لنفسه، فقد اعترفا مما يستحي منه، ولكن كان أشد منهما في الاعتراف بنفينوتو تشيليني الفنان الإيطالي فقد كان يتحدث بكل جرأة ووقاحة عن مواطن لهوه وعبثه، فقد مزق ثوب الحياء وتحدث دون تحفظ، والقارئ يشعر بتقزز مع هذه الصراحة الفجة، لذلك كانت كتابة السيرة الذاتية من أشد ما يكون صعوبة.
حين تقرأ سيرة شخص فلا يكن همك فقط هو أحداث حياته، وكيف عاش دهره، ولكن ليكن همك أيضا معرفة طريقة تفكيره، ومعرفة ذلك تتأتى من خواطره النفسية وصوره العقلية وطريقة تحليله للقضايا، وهذا يتسنى عن طريق تفكيك لغته بمعرفة مفرداته، فاللغة كاشفة عما في الفكر، فأسلوبه في الاختيار والتركيب والصياغة والتصوير هي تبين فكره، ولهذا كان من غفلة القارئ أن تغيب عنه الصور البيانية للكاتب وأن يكتفي بما جرى من ظاهر اللفظ، فتذهب أحوال الصور والخواطر التي تكشف فكر الكاتب، فقراءة سيرة الشخص يجب أن يصاحبها تدقيق للخواطر والصور والتي هي تميز كاتب عن آخر.
إدوارد سعيد .. هذا الاسم كان يسبب معاناة لحامله، كان يصيبه الضيق أحيانا من اسمه، فاسم انجليزي بجوار اسم عربي قح سبب له الحرج، وأشعره الاسم بأنه كائن عديم الشخصية، ويزداد حرجه ويضيق صدره من ردود الأفعال المتشككة والمدمرة لشخصيته؛ يتساءلون: ادوارد؟ سعيد؟ وزاده اضطرابا لغته التي يحملها فلا يعرف هل لغته هي الانجليزية أم العربية! كان يحمل لغتين، ولا أعلم أي لغة يستخدمها حين يكون جادا، وما اللغة التي يستخدمها للتعبير عن مشاعره وعواطفه؟ وما اللغة التي يستعملها حين غضبه وانفعاله؟ وهل هذا يؤثر على هويته فيكون حائرا لا يدري لمن ينتمي؟ ربما، ولكن تبقى تجربة مثيرة وغنية بالصراعات الداخلية. هذه الثنائية تجعل المرء أمام خيار الاختيار، وأمام سؤال: من أنا؟ فالمرء لا يقوى أن يعيش بهويتين متساويتين فلا بد من تغليب أحد الهوايات على الأخرى كي يستقر فكريا، وهنا تتوارد عليه الأسئلة كي يختار الخيار المناسب له، وكأني أتخيله وهو كأنه أمام صورة ممزقة مبعثرة يحاول جمع أجزاءها وإعادة تركيبها لتعطي الصورة الكاملة بوضوح. في حالة الاختيار يجب التحرر من اختيار والديه، ويكون له القرار، فهو الذي سيرسم بيده مسير حياته، واتخاذ القرار هي لحظات فيها كثير من التوتر والتردد والخوف، ولكن لا مفر من اتخاذ القرار والاختيار، هي لحظة تتقاذفه فيها الشكوك والأماني، لحظة يجب عليه الذهاب عميقا داخل قلبه وفكره ليرى أين هما، وقد يعود متعثر الخطى فلا يكتشف حقيقة ما يريد، ولكن مع هذا الغموض عليه أن يختار. وأظنها لحظة قاسية في حياته، هكذا يبدو لي.
لعل من أفضل من تكلم عن ابن حزم هو سالم يفوت في كتابه “ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس” فهو تطرق للقضايا الكلامية والفلسفية وقضية التأسيس الأصولي لدى ابن حزم، وتكلم عن زمن ابن حزم وحياته، ولكن الأمر المستغرب هو إغفاله قضية المرأة لدى ابن حزم، فابن حزم كان عاشقا كما في كتابه “طوق الحمامة” وله من الأبيات الشعرية الرقيقة جدا التي لا تجري إلا على ألسنة المحبين، فهو فقيه محب، وتجاهل هذه القضية في سيرة ابن حزم تجعل الدراسة قاصرة، فابن حزم ألف كتابا في هذا الشأن فيجب أن يدرس هذا الكتاب ويظهر رأي ابن حزم عن الحب بل عن المرأة. ودراسة المرأة في حياة ابن حزم تظهر أهميته أن ابن حزم ابن الأندلس،فهو يصور نظر أهل المغرب للمرأة، وهل كان متأثرا بالجو المحيط به، مع أن ابن حزم أشار في كتابه طوق الحمامة أنه لم يكتب في الحب إلا بسبب طلب صديق له، ولولا طلبه ما تكلف الكتابة فيه. فهل يكون الكتاب من ضمن أدب الرسائل؟ ثم يتساءل المرء: لماذا صديقه طلب منه أن يكتب في هذا الموضوع؟ ماذا التمس منه؟ ولماذا استجاب ابن حزم لهذا الطلب دون تردد؟ ولو تأملنا في كتاب طوق الحمامة لابن حزم لوجدنا فيه بوح جرئ وإعلان صريح عن عواطفه الجياشة، وذكر تجربة الحب التي عاشها وبقي أثرها ممتد معه فترة من حياته حتى مكث أشهرا لا يغير ملابسه ودمعه لا يقف، ولكن بعد أن سرد في كتابه الحب وأنواعه ختم كتابه بقبح المعصية وفضل التعفف، وهذه لفتة جميلة من كاتب أصولي يجيد فن الكتابة. كتابته عن الحب هي كانت استعادة لمشاعره وانفعالاته التي قد انفصل عنها ولكنها لا زالت باقية في ذاكرته.
النفس البشرية: طبائعها وتقلباتها
يقولون في تعريف الماء: ليس له طعم ولا لون ولا رائحة .. لا أعلم هل هذه صفات جميلة أن يكون الشيء لا طعم له ولا لون ولا رائحة؟ قد تكون هذه الصفات ملائمة للماء، ولكن لو كان الإنسان كذلك لا صفات له تميزه، ليس له نكهة خاصة به، فهل سيكون له جمالا وتأثيرا؟ لا أظن، فجمال الإنسان ليس في عدم وجود الصفات ولكن بوجود الصفات الجميلة.والعجب أن غياب صفات الماء جعلته يبقى في كل إناء لا يتغير، لو وضعته في كوب ذهب كما لو وضعته في كوب خزف، فلا تغيره الأشياء، وهذا شيء حسن في الماء، فلو الإنسان يكتسب هذه الصفة من الماء فلا تغيره الأشياء، لارتقى درجة في الكمال الإنساني، ولكن هل يشترط في ترقي الإنسان أن يكون عديم الصفات لا لون له ولا طعم؟ لو اشترطنا هذا لفقد الإنسان إنسانيته وأصبح شبيه بالجمادات، ولكن كمال الإنسان هو في وجود طعمه ولونه مع بقاء هويته دون تغير لجوهرها، فحين تكون الهوية مرتبطة بالمظهر فحينها يفقد الإنسان طعمه ولونه ورائحته.
أحيانا ينتابني شيء من التشاؤم الداخلي، تشاؤمًا أحاول أخفيه عن ذاتي، ولكنه ما بين الفينة والأخرى يظهر على السطح فيلوح أمامي ليحجب عني شيئًا من الأمل. لا أعلم ما سبب هذا التشاؤم وما دافعه، ولا اعلم سر ظهوره واختفائه، ولكن ما يكسبني الحبور هو أن الجانب المشرق لدي أكبر من هذا الزائر الثقيل. أخذت أتساءل: هل من الطبيعي أن الإنسان يعتريه التشاؤم حينا أم لا بد أن يكون دائمًا في حالة تفاؤل؟ أجد أن النفس شبيهة بأمواج البحر، لا استقرار لها، فحينا تصعد وحينا تهبط، فتغير المشاعر أمر ملازم للإنسان، ولكن المهم أن يبقى شعور الرضا والاستقرار عميقا في داخله كي لا تنهكه المشاعر السلبية الطارئة، الاستقرار العميق الداخلي هو مأوى للإنسان يفي إليه هربا من المنغصات. لذا كان من أجمل ما يسعى إليه الإنسان هو بناء ذاتا مستقرة من الداخل، كي ينبعث في نفسه شعور من المتعة والهناء، ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار الداخلي إلا بالوعي الذاتي، وعي يجعلك تحس بذاتك وبمشاعرك وبرؤيتك لذاتك ورؤيتك للحياة، وكلما ازداد الوعي الذاتي كان سبيلا للاستقرار الداخلي، وهذا الاستقرار يكوّن مخزونا من الحيوية لا ينضب، فلا ينكسر أمام منغصات الحياة العابرة، فشعوره الداخلي يدفع ما يمر عليه من مكدرات.
أحيانا نفهم الحياة بمعنى خاطئ.. نظن الحياة يجب أن تبقى مستقرة على المتعة والهناء! وهذا تصور بعيد، فالحياة مزيج من الصراعات، تتشكل من المعاناة والمتعة، والتحدي والتجربة، والإخفاق والنجاح، الحياة ليس لها صورة ثابتة تقف عندها؛ بل هي في حالة تقلب دائم؛ فمن ظن أن طبيعة الحياة الاستقرار والثبات فقد أبعد النجعة وأخطأ في نظرته. ولعل من بعض جمال الحياة هو تقلبها وعدم استقرارها، فالإنسان بطبعه الملالة والسأم، فلو استقرت الحياة لديه على صورة واحدة لسئم الحياة وتبلدت لديه الصور وتحجرت عنده المعاني، فتقلب الحياة يفتح نافذة الأماني والأحلام والتطلع التي هي سر الجمال فيرى للحياة صورة أخرى مشرقة، يجد معنى مختلفا يسعى إليه؛ فتزدهر ربيع الحياة في فكره، وينبض قلبه بهجة وسرورا فيسير في هذه الحياة دون انكسار.
“لم أر منك خيرا قط”. كم هي موجعة ومؤلمة هذه الكلمة، كل الماضي بتضحياته وأفراحه وابتهاجاته يذهب في لحظة، يختزل في عبارة: لم أر منك خيرا قط هذا الإنكار مؤلم، فأقسى ما يكون على النفس هو الجحود، ولكن هل هذا الإنكار حقيقي؟ هل هو نابع من القلب؟ ربما، وربما لا، ربما أنه ردة فعل للحظة قاسية حكمت فيه على الحاضر والماضي، لحظة موجعة لم تستطع أن تسيطر على مشاعرها ولا على كلاماتها فقالت هذه العبارة القاسية، عبارة تريد بها الانتصار لذاتها والتغلب على الشعور السلبي الذي تعيشه في هذه اللحظة، ولكن حين يذهب هذا الشعور السيء وتعود لطبيعتها، فإنها ستتنكر لتلك الكلمات وتلقي بدلا منها كلمات الحب والثناء. حين تسمع مثل هذه العبارة الموجعة، وتسمع هذا التنكر، فلا تضطرب وتنفعل وتثور؛ بل انتظر حتى تذهب هذه اللحظة القاسية وتهدأ النفوس وتعود السكينة للأرواح الهائجة، ثم بعدها تحدث واستمع بقلبك قبل أذنك، ستجد قولا قد يكون جميلا يذهب ما سمعت آنفا. ولو تريث الناس حين انفعالاتهم واضطرابهم ولم يتخذوا قرارا وهم في حالة هيجان، لبقيت كثير من العلاقات في حالة سكون ووئام.
تحدوني الذكريات إلى منازل أحبتي، فأقف عند بابهم ساعة لا أستطيع الولوج في دارهم، فالمحب حين يدنو من أحبته تأخذه الحيرة والدهشة، فيقف ساعة لعل الدهشة تذهب والحيرة تنكشف، والذكريات حين يطول عهدها تسكن الغربة في النفس فلا يشعر أنه من أهل هذه المنازل التي عاد لها بحنينه وأشواقه، وهذا أشد ما يكون في الذكريات أنها تقطع الوصل بمن تحب، فلا يجد ذلك الأنس والشوق، فيرحل طالبا منازل غيرهم، وقد تمزق شيء في نفسه، وخبت انشراح قلبه، فتبدي العين شيئا من هذا، فتنسكب عبرة مليئة بالحزن والأسى، لتعود تلك الذكريات كأنها شبح يملأ النفس خوفا ورعبا.
في منهجية العمل والفكر والنقد
فيه مقولة يرددها الدعاة وهي: علينا أن نعمل والنتائج بيد الله تعالى. والحقيقة في أمور الدنيا وأمور الدعوة يجب أن نلتفت للنتائج وندرسها ونعرف سبب الإخفاق، فالعمل لا بد أن يكون صحيحا، فيجب دراسة الأثر والنتيجة، فإذا لم تتحقق النتيجة المرجوة فيجب النظر في العمل ومعرفة سبب الإخفاق. لا يكفي في العمل الدعوي والتربوي صلاح النية؛ بل لا بد للعامل أن يكون مالكا للقدرة العلمية التي يحتاجها في عمله، سالكا الطرق العلمية الصحيحة في تحقيق أفضل النتائج، فعبارة: نعمل والنتائج بيد الله تعالى، يجب أن تقترن بأن يكون العمل محققا لشروط النجاح، ففي غزوة أحد عملوا الصحابة واجتهدوا ولكن عاتبهم الله تعالى، وجعل النتيجة التي نالوها هي بسبب خلل في العمل، قل هو من عند أنفسكم. وللأسف لا زلنا لا ندرك أهمية الخطوة الأولى وهي: شروط العمل الصحيح، المتمثلة في القوة والأمانة، القوة بصورتها الشاملة: قوة علمية وفكرية وعملية، والأمانة بصورتها الشاملة: أمانة في العطاء والبذل، فسر فشل النتائج يتمثل في الفشل في البدايات، لذلك علينا أن ندرس دائما النتائج ونحللها ونعرف نسبة النجاح والإخفاق ثم نعود وندرس الأسباب، فالالتفات للنتائج والمحاسبة أمر ضروري وأساسي لمن أراد أن الفلاح.
هناك فرق بين أن تمسك بأناملك قلما أو تمسك كتابا، فالقلم يلهمك بشيء ما، لا تعرفه حتى تدعه يجري على الورق، والكتاب يشعرك كأنك على عتبة سلم، تقدم خطوة لتصعد وقد لا تلحقها الأخرى عجزا وكسلا، فتشعر معه بشيء من الجهد، ولست هنا أريد أن اعمل مقارنة بينهما؛ فهما شيئان لا ينفصلان ولا تصح بينهما المقارنة، فالقلم غذاءه من الكتاب، والكتاب متنفسه القلم، فعلاقتهما علاقة تكوين وبناء. ولكن ما علاقتنا نحن بهما، هل هي علاقة حب/كراهية؟ يفترض أن تكون علاقة حب ومودة، فمن كرهما فقد كره الجمال؛ بل لا يعرف ما معنى الجمال ومكامنه، ولعل من بؤس هذا الزمان أنهم اشتغلوا بالتقنية عن الكتاب والقلم، فغدوا لا يجدون لعللهم دواء، وقد كان الملهم ابن تيمية إذا مرض استشفى بمطالعة كتب أهل العلم، فالكتاب يمنحك قوة تدافع بها عن إسقامك فتعود قويا صلب العود، والقلم يخرجك من دائرة الاستهلاك الذي هو ميزة هذا العصر.
حين يبدع كاتب ما في إنتاج نص فلا يكون هم الناقد كيف يكتشف معايب النص ويعرف خطأ الكاتب؛ بل ليكن همه كيف يحفر في النص ليظهر جمالياته ومحاسنه، فالناقد هو من يثمر النص ويزيده حسنا بعد فهمه واستيعابه. للأسف هناك بعض النقاد همه كيف يكسر الجرة فوق رأس الكاتب، فتجده يسعى لتقويل النص ما يقل وتأويله بعيدا كي يثلم النص ويشوهه، والحقيقة هذا ليس نقدا؛ بل هذه دودة تبحث عن العفن لتعيش، ولو ارتقى الناقد لوازن النظرة ولوجد في النص مساهمة تستحق المشاركة الإيجابية الصادقة. ولا يعني من قولي عدم بيان الخطأ في النص، فالقارئ له الحق في ممارسة قراءته وبيان اشكالات النص وأخطاءه؛ ولكن لا يكن هذا هدف أولي من القراءة، بل الهدف الأولي هو بناء تواصل مع النص تواصلا إيجابيا والبحث عن إبداعات النص، فالناقد حين يبحث عن جمال النص سيجد، وحين يغض طرفه فلن يرى شيئا.
وقفة مع الروح
أحيانا ونحن نركض في هذه الحياة نحتاج أن نتوقف لوهلة لنسترد فيها أنفاسنا، فالسير المستمر دون توقف متعب، فلا بد من محطات يستريح فيها المرء قليلا ثم ينطلق في مسيره وقد استرد شيئًا من قوته وطاقته. رمضان فرصة لنا أن نقف قليلا ونعيد فيه ترتيب حياتنا، نعيد فيه قراءة ذواتنا، فربما لو توقفنا قليلا وتأملنا في تصوراتنا وأفكارنا وسلوكنا لغيرنا كثيرا من أخطائنا، فبعض من الظلمة والكآبة والخواء النفسي والسلبية سببه عدم التأمل في الذات ومعرفة حقيقة تصوراتها وأفكارها. رمضان فرصة أن تقف مع قلبك لترى ما مصدر غذائه الحقيقي؟ لترى من أين يستقي المعرفة؟ فأحيانا نغفل عن قلبنا ونتركه يذهب بعيدا عنا، فيتعب ونتعب، فرمضان فرصة أن تعود قلوبنا لتستقي الخير والنور والمعرفة من كتاب الله تعالى، فيكون القرآن العظيم مصدر الإلهام فتنقشع كثير من الأوهام التي تضطرب معها حياة الإنسان.