في ظلال القراءة وحصانة الثقافة
أحيانا القراءة تغير مزاجك للأحسن، تشعرك بارتياح نفسي، تحقق لك شيء من التوازن في الفهم والتصور، قد تكون علاجا لبعض ما لديك من اشكالات، القراءة هي حياة للعقل، ونمو للفكر، ولكن لا بد مع القراءة من ضريبة يدفعها القارئ وهي الاضطراب أحيانا والقلق، يقول أحد القراء الكبار، وائل حلاق: “وكنتُ كلما تقدمتُ في القراءة ازداد ذهني اضطرابًا، وكلما تقدمتُ في القراءة ازداد شعوري بأن ما كان يبدو أنه إجابات راسخة لمشكلات إنما هو في الواقع ألغاز ولدت مزيدًا من التساؤلات بدلًا من أن توجد حلولًا”.
الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – عندما قرأ كتاب ديل كارنيجي الشهير «دع القلق وابدأ الحياة»، فكتب كتاباً مفيداً جدًا اختار له عنوان (جدد حياتك) وهو عنوان أحد فصول كتاب كارنيجي، وفي مقدمته يقول: “لقد قرأت كتاب دع القلق وابدأ الحياة للعلامة (ديل كارنيجي) الذي عربه الأستاذ عبد المنعم الريادي، فعزمت فور انتهائي منه أن أرد الكتاب إلى أصوله الإسلامية !! لا لأن الكاتب الذكي نقل شيئًا عن ديننا؛ بل لأن الخالصات التي أثبتها بعد استقراء جيد لأقوال الفلاسفة ،والمربين، وأحوال الخاصة والعامة تتفق من وجوه لا حصر لها مع الآيات الثابتة في قرآننا، والأحاديث المأثورة عن نبينا صلى الله عليه وسلم. إن المؤلف لا يعرف الإسلام، ولو عرفه لنقل منه دلائل تشهد للحقائق التي قررها أضعاف ما نقل من أي مصدر آخر … وبذلك اتفق وحي التجربة ووحي السماء”.
ليس هناك أمة إلا وتخشى على ثقافتها من الانزياح والتغيير، حتى ولو بلغت من الحرية الفكرية مداها. فهذه أمريكا تخشى على ثقافتها من الاضمحلال، لذلك لا تدع للناس حرية القراءة، فقد ذكرت الكاتبة الإنجليزية فرانسيس ستونور في كتابها (من الذي دفع للزمار) عن توجيه وكالة المعلومات الأمريكية (USIA) -الموجودة في سبع دول آنذاك – بسحب ثلاثين ألف كتاب من مكتبة وزارة الخارجية الأمريكية التي يزورها سنويا ستة وثلاثون مليون إنسان، واستجابت الوزارة لذلك الطلب وتم بالفعل سحب آلاف المؤلفات لشخصيات وصفت بأنها مثيرة للجدل من الشيوعيين أو المتعاطفين معهم سواء أكانوا يحملون الجنسية الأمريكية أم جنسيات أخرى، فهنا نجد أن حرية التعبير تقف حين يكون في ذلك ضرر على ثقافة الأمة.
فلسفة الوجود وسؤال الفطرة
نجد أن القرآن الكريم يدعو دوما للتفكر والتدبر في آيات الله وفي الكون، فمن ذلك مثلا: “قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ”، ومنه: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. الآية” ومنه “وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ” والآيات كثيرة جدا، وحين يتفكر الإنسان فهذا يعني أنه سوف يتساءل، فالسؤال مفتاح للتدبر والتفكر، وغياب السؤال دلالة على الغفلة وعدم التأمل، والخوف من التساؤل هو ضد منهج القرآن الكريم، فالتساؤل الصادق الباحث عن المعرفة وعن الاكتشاف مطلب للبناء العلمي ومعرفة الحقيقة. التساؤل يجعل المرء في حالة وعي لمعنى الحياة وغايتها، وعن الوجود ومسيرته، وعن طريقته ومنهجه في الحياة، فهل هو يسير منسجما مع مسيرة الكون في طريق الحق أم أنه يسير دون وعي ودون غاية، فالسؤال ضرورة كي يخرج الإنسان من تيه الحياة المادية القاسية، الانغماس في الحياة يجعل المرء ينشغل بالجزئيات تاركا الكليات الكبرى، ولحظات التأمل توقظ المرء وتبصره وتذكره أن للحياة معنى خُلق من أجلها. ولعل من بؤس الإنسان المعاصر هو انشغاله بالمحسوسات المادية وغفلته عن المعاني الكلية، فغياب هذه الميزة الإنسانية وهي التفكر في المعاني وفي الآملات جعلت الإنسان يفقد أهم خصائصه الفكرية وأصبح همه لحظي وتفكيره مادي وغايته المتعة الآنية، فتجاهل الإنسان الأسئلة الفطرية كي لا تصرفه عن متعته اللحظية ويبقى في حالة شرود دون وخز الضمير، فالسؤال موقظ للنفس ومحرك للفكر والضمير. وهناك من ينفر من السؤال بزعم المحافظة على الإيمان، وهذا أمر في غاية العجب، فالقرآن يحث على التساؤل، ويدعو للنظر والسير الفكري في خلق الله تعالى كي يزداد إيمان المرء ويرتقي يقينه، فحين يتساءل الإنسان فهو يكتشف بديع خلق الله تعالى ويرى أن لهذا الخلق البديع الجميل المتناسق خالق عالم قادر فيخضع له ويقدره ويعظمه، فغاية التساؤل هو الخضوع لله تعالى، “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”. التأمل والتفكر الصادق يزيد الإنسان قربا من الله تعالى.
يقرر الله تعالى في كتابه الكريم أنه لم يخلق الخلق عبثا، فيقول سبحانه: “وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون”. الله عز وجل ينزه نفسه عن اللعب والعبث والباطل، فخلقه وأمره ليس فيه عبث ولا لعب، وشرائعه ليست من باب العبث واللعب، تعالى الله عن ذلك، بل شرعه حق كله، فهو خلق الخلق لغاية، فخلقه وفعله عن حكمة بالغة، “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون” وهذا هو اعتقاد المؤمن أن خلق الله تعالى حق لا باطل فيه ولحكمة بالغة، بخلاف الكفار الذين يرون أن خلق الله تعالى باطلا، “وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا” فهذا ظنهم السيء في الله تعالى، تعالى الله عن ظن السوء، فليس في فعل الله تعالى سفها ولا عبثا. الله عز وجل يذكر في كتابه أنه خلق الخلق بالحق وهذا يدفعه للتفكر والتدبر “أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون” والمؤمن حين يستشعر أن خلق الله تعالى لحكمة ولغاية فإنه يأخذ أمر الله تعالى بجد لا هزل فيه، فيعتبر بخلق الله تعالى، ويقدر الله حق قدره، فحين يرى آيات الله تعالى تجده يقول كما قال الله تعالى: “ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار” فيعظم الله تعالى في نفسه، ويقوى تدبره لآيات الله تعالى، وهذا يقوده للخضوع والإنابة والانكسار لله تعالى، بخلاف من رأى أن خلق الله تعالى باطلا فلا تنفعهم هذه الآيات التي يرونها ويبقون في لعبهم ولهوهم و “في خوضهم يلعبون” وسينكرون شرائع الله تعالى لأن كل شيء عندهم لهو ولعب، “وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء”.
لعل من عبقرية ديكارت إثباته للوجود الإلهي من داخل الذات، فهو يقول إننا نجد في أنفسنا فكرة الكائن الكامل، فما مصدرها؟ والدليل الوجودي أقوى من الدليل الكوني والدليل الغائي، فغاية الدليل الكوني إثبات وجود مخترع خارج الكون، وغاية الدليل الغائي إثبات علة متناهية، فيوقف التسلسل، ولكن الدليل الوجودي هو تصور كائنا كاملا في ذاته يستعلي عن كافة الكائنات، فهو بفطرته يرفع وجه للسماء حين يستنجد بالله تعالى، فهو يرى بفطرته علو من تصوره بكماله، ويبقى السؤال: من الذي أوجد هذا التصور لدى الإنسان؟ ولعل السؤال يمتد قليلا، من الذي أوجد الفطرة لدى الإنسان؟ وما الفطرة؟ وهل الفطرة هي التصورات الأولية لدى الإنسان؟ كل هذه التصورات والفطرة لو جعلناهما شيئان مختلفان فهما دليلان على الوجود الإلهي، وهو من دليل الخلق الذي أشار الله إليه، وهو أكمل من قول: لكل حادث محدث، فهذا البرهان يبين فقط أن هناك محدث لكن لا يشترط فيه الكمال، فهو مخترع كالدليل الكوني، ولكن دليل الخلق يبين الكمال في الخالق، فمن خلقني هو أولى بالكمال المطلق.
عن النفس: مكاشفتها، قلقها، وجهادها
الشيء الذي يخافه بعض من الناس ويهربون منه هو المكاشفة الذاتية، فالمكاشفة الذاتية ثقيلة جدا على النفس، فالمكاشفة الجادة تكشف للمرء عيوبه ومواطن الضعف لديه وهذا لا يريده ضعيف الشخصية، فهو دائما يغض الطرف عن أخطائه وعثراته، دائمًا في حالة تبرير لأفعاله وأقواله، كي يبقى متصالحا مع ذاته، الهروب من المكاشفة الذاتية يخفف عن النفس عبء المسؤولية، فمن كاشف ذاته اكتشف أنه يتحمل المسؤولية في كثير من القضايا وهذا لا يريده بعض الناس. المكاشفة الذاتية هي بناء للنفس وتقويم للذات وتطوير للأفكار، فالرتابة التي تعشش على كثير من الناس هو بسبب فقدان القدرة على معرفة ماذا يريد وكيف يحقق ما يريد، ومعرفة ما يريد الإنسان لا تأتي إلا بالحديث مع الذات، فيذهب في حديثه في أعماق ذاته باحثا عن محبوباته وعن رغباته وقدراته، ويرى مقدار تحقق ما يريد في واقعه، وهنا تبرز النفس اللوامة المصححة لمسيرة ذاته والمقوّمة لسلوكه وأفكاره. حين تكون لوحدك فلا تذهب تحاسب الناس وتنظر كيف تعاملوا معك، ولكن اذهب لنفسك وحاسبها وانظر كيف تعاملت هي مع الآخرين، لا تكن في حالة تزكية دائمة لنفسك، وإنما تعامل معها بعدل دون تبخيس ولا تقديس، عندها ستجد أنك ترتقي في سلم الكمال الإنساني، وسيذهب عنك شيء من التعالي الذاتي الذي يحدث حين يغفل المرء عن ذاته.
قال ابن القيم في كتاب الفوائد ص 110: ” كتبُوا إِلَى عمر بن الْخطاب يسألونه عَن هَذِه المسالة أَيّمَا أفضل رجل لم تخطر لَهُ الشَّهَوَات وَلم تمر بِبَالِهِ أَو رجل نازعته إِلَيْهَا نَفسه فَتَركهَا لله فَكتب عمر أَن الَّذِي تشْتَهي نَفسه الْمعاصِي وَيَتْرُكهَا لله عز وَجل من الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مغفرة وَأجر عَظِيم وَهَكَذَا من عرف الْبدع والشرك وَالْبَاطِل وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذّر مِنْهَا وَدفعهَا عَن نَفسه وَلم يَدعهَا تخدش وَجه إيمَانه وَلَا تورثه شُبْهَة وَلَا شكا بل يزْدَاد بمعرفتها بَصِيرَة فِي الْحق ومحبة لَهُ وَكَرَاهَة لَهَا ونفرة عَنْهَا أفضل مِمَّن لَا تخطر بِبَالِهِ وَلَا تمر بِقَلْبِه فَإِنَّهُ كلما مرت بِقَلْبِه وتصورت لَهُ ازْدَادَ محبَّة للحق وَمَعْرِفَة بِقَدرِهِ وسرورا بِهِ فيقوى إيمَانه بِهِ كَمَا أَن صَاحب خواطر الشَّهَوَات والمعاصي كلما مرت بِهِ فَرغب عَنْهَا إِلَى ضدها ازْدَادَ محبَّة لضدها ورغبة فِيهِ وطلبا لَهُ وحرصا عَلَيْهِ فَمَا ابتلى الله سُبْحَانَهُ عَبده الْمُؤمن بمحبة الشَّهَوَات والمعاصي وميل نَفسه إِلَيْهَا إِلَّا ليسوقه بهَا إِلَى محبَّة مَا هُوَ أفضل مِنْهَا وَخير لَهُ وأنفع وأدوم وليجاهد نَفسه على تَركهَا لَهُ سُبْحَانَهُ”.
المصير .. هو ما يزعج الذهن، فحين يكون المصير مظلما يكون القلق، ويتضاءل هذا القلق حين تتسرب أشعة تضيء هذا المصير، وعتمة المصير ونوره يصنعها الرائي، فهو يصنعها من اللحظات التعيسة التي يعيشها، فيجعل أثرها يمتد للمستقبل، فلا يرى هناك إلا التعاسة، فشؤم اللحظة يخيم على المستقبل برمته، وهذه من مزالق الفكر التي يقع فيها كثير من الناس، أن يجعل لحظة البؤس تمتد في الزمن القادم. وللخروج من هذا المأزق يكون بالتفاؤل والأمل المشرق واقتصار الظلمة على اللحظة الراهنة، فالنور أقوى من الظلام، فشمعة صغيرة تبدد ظلمات شاسعة، والتفاؤل ليست كلمات تقال؛ بل هو إحساس يولده المرء في نفسه، هو شعور يتخطى اللحظة القاسية بظلامها وبؤسها إلى زمن يراه بعين عقله كله نور وخير، المتفائل لا ينكسر من الداخل، المتفائل وهو في الظلام لا يقف ساكنا بل يبحث عن منافذ الضوء ليبدد هذه الظلمة، فالمتفائل ليس شخصا سلبيا؛ فهو لا يستسلم للحظات المعانة التي تمر به، بل يراها من طبيعة الحياة، فالحياة لا تكون على وتيرة واحدة، فهي أمواج تعلو وتنخفض، لذلك المتفائل لا يعيش الخوف من المصير كما يعيشه كثير من الناس، لأنه يدرك أن مع كل ظلمة هناك نور خلفها.
ثوابت العقيدة ومواقف الرجال
كان لتأليف كتاب “الصارم المسلول على ساب الرسول” لابن تيمية قصة ذكرها ابن كثير رحمه الله، وقد تضمنت سعي شيخ الإسلام في قتل من شتم الرسول الله عليه الصلاة والسلام ، وهو يبين الجانب العملي لهذه المسألة ، قال ابن كثير : “واقعة عساف النصراني : كان هذا الرجل من أهل السويداء، قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي، أمير آل علي ، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية ، والشيخ زين الدين الفارقي شیخ دار الحديث ، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي، نائب السلطنة ، فكلماه في أمره ، فأجابهما إلى ذلك ، وأرسل ليحضره ، فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس ، فرأى الناس عسافا حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه فقال ذلك الرجل البدوي : هو خير منكم – يعني النصراني – فرجمهما الناس بالحجارة ، وأصابت عافا ، ووقعت خبطة قوية . فأرسل النائب فطلب الشيخين : ابن تيمية والفارقي ، فضربهما بين يديه ، ورسم عليهما في العذراويه ، وقدم النصراني فأسلم ، وعقد مجلس بسببه ، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة ، فحقن دمه ، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما ، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز ، فاتفق قتله قريبا من مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام ، قتله ابن أخيه هناك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية في هذه الواقعة كتاب الصارم المسلول على ساب الرسول”.
لماذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى مكث أكثر من سنتين يعذب ويجلد ولم يرضخ ولم يغير قوله في مسألة خلق القرآن، وجعل يقول: القرآن كلام الله ليس مخلوقا؟ هذا يدل أن الأمر خطير، وليست قضية اجتهادية يغير فيها رأيه، فالقرآن كلام الله تعالى حقا، فمن زعم أنه مخلوق فهذا يقتضي أن الله تعالى معطلا عن الكلام، فسلبوا صفة الكلام من الله تعالى، ويقتضي تكذيبا للقرآن ذاته، فالله لم يقل أن القرآن مخلوق؛ بل قال هو “كلام الله” فمن جعله مخلوقا فهو مكذب للقرآن، ومن زعم أنه مخلوقا فهو معطل للرسالات، مبطل لها، إذ في ذلك نفي تكلم الله تعالى بالوحي، “وكلم الله موسى تكليما” فمن قال أنه مخلوق فهو ينفي كلام الله تعالى لموسى وهذا تكذيب للقرآن وتعطيل للشرائع وتنقيص لله تعالى بأنه عاجز عن الكلام، وأن المخلوق أقدر على البيان من الله تعالى، تعالى الله عما يقول الظالمون. فكان القول بخلق القرآن من أشد البدع الضالة، ورحم الله الإمام عبد الله بن إدريس حين قال: من قال القرآن مخلوق فقد أمات من الله شيئًا.
من بعد المصطفى عليه الصلاة والسلام لا عصمة لأحد، فلا قدسية لقول مجتهد، فما كان محل للاجتهاد فهو اجتهاد ورأي، معرض للصواب والخطأ، وفي باب الاجتهاد كل يؤخذ من قوله ويرد، لذلك كان من القواعد المقررة: لا إنكار في مسائل الخلاف، فليس اجتهاد عالم أولى من اجتهاد غيره. فيبقى الحوار حول القضايا الاجتهادية مفتوحا كي تسدد الوجهة ويُقترب من الصواب، ومن امتنع عن الحوار في القضايا الاجتهادية بحجة صوابي رأيه، فهذا أخطأ ومال للتعصب المذموم حيث جعل رأيه وفهمه ثابتا مقدسا لا يقبل النزاع والجدل.
بين يدي الخالق: عبودية ومصير
حين يقرأ المرء قوله تعالى: “وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا” يشعر برهبة الموقف يوم القيامة، فالمسألة لوحدك أمام الله تعالى ليس بالأمر الهين، فسيأتي العبد خاضعا لله تعالى، ليس معه أهله ولا أصحابه ولا أي شيء، هو يأتي الله تعالى وقد سلب منه ماله وولده، وذهب كل ما كان يدعوه للطغيان كما قال الله تعالى: “ونرثه ما يقول ويأتينا فردا” يأتي الله تعالى فردا خاليا من كل شيء، لا يتبعه لا قليل ولا كثير، فكثرة المال والولد في الدنيا قد تجعل المرء يطغى، ويظن أنه سيكون له هذا الأمر من المال والولد في الآخرة، كما قال الذي كفر بأيات الله، قال الله تعالى: “أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا” فظن أن ماله وولده سينجيانه من عذاب الله تعالى، فكان البيان أن الأتيان يوم القيامة فردا، ولن ينجي الإنسان يوم القيامة بعد رحمة الله تعالى وفضله إلا عمله الصالح. والمرء لسذاجة تفكيره، وجهله بسنن الله تعالى يظن حين يعطيه الله تعالى في الدنيا أن هذا دلالة على صلاحه وتقواه، وما علم أنه قد يكون استدراجا ففي الحديث: “إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج” فالمرء لجهله حين يرى كثرة المال والولد لديه يظن أن هذه تمنعه أو أنه ما أؤتيها إلا لخير فيه، وقد حدثنا الله تعالى عن صاحب الجنة وقد أعجبه كثرة ماله وولده “وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ، ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا” فهو ظن بما أن لديه هذا الخير؛ فإن حصلت القيامة فإن المنقلب أحسن، وسيكون أسعد، فقد آتاه الله تعالى في الدنيا فسيأتيه في الآخرة، وهذا ظن الكافرين حين يأتيهم الخير في الدنيا “ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى” فالإنسان قد يغتر بالنعمة ويظن أنه لن يعذب “وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين” فظنوا أن هذه النعمة دلالة على رضا الله تعالى عنهم؛ فلو لم يرض عنهم ما رزقهم الأموال والأولاد، فجهلوا أن العبد يأتي يوم القيامة فردا، خاليا من كل شيء، فالمرء يستعد لهذا الموقف بأن لا يطغى في الدنيا، ولا يستكبر، ويعلم أن مصيره الموت ثم ملاقاة الله تعالى فردا. نسأل الله تعالى حسن المنقلب وحسن الختام.
قال مجاهد عند قوله تعالى:”وقوموا لله قانتين”، قال: من القنوت الخشوع، وخفض الجناح من رهبة الله. وكان الفقهاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدهم إلى الصلاة، لم يلتفت، ولم يقلب الحصى، ولم يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا حتى ينصرف.
من لطائف التفسير حول “الحمد لله” ما ذكره البقاعي في “نظم الدرر” حيث قال: “وكان الحمد يكون بالمنع والإعدام، كما يكون بالإعطاء والإنعام … “الحمد” أي الإحاطة بأوصاف الكمال إعداماً وإيجاداً “لله” أي وحده”. ص 16 ج 3.
اغتراب الروح في الحياة المعاصرة
أخذ يحدثني عن عائلته التي لا يكاد يجتمع بهم جميعا إلا في النادر، يحدثني عن غيابهم وحضورهم، فالحياة العصرية لا تتيح لهم فرصة الالتقاء الطويل، ولو حدث والتقوا فسرعان ما يفترقوا، كل فرد في الأسرة دائما مشغول ولديه أعمال لا تنتهي، فكل يوم جديد؛ يأتي معه لكل فرد رزمة أعمال، وإذا لم يكن هناك عملا خلقوا لهم عملا وشغلا يقضون فيه يومهم. وأخذ يحدثني عن العزلة وصعوبة التواصل الحقيقي، فالدخول لعالم الشخص أمرا معقدا وصعباً، لا يدري حين يبكي أحدهم لما يبكي، وإذا ضحك لما يضحك، العلاقة الأسرية صارت علاقة سطحية غاب فيها العمق، يتفاجأ بمعلومات عن أسرته يسمعها من الآخرين، يقول: إذا التقينا وجها لوجه، لا اشعر أن افكارنا تلتقي معنا، ويتساءل: هل هذا أمر طبيعي.