في فلسفة الشعور وأحوال القلوب
قالت لي بقسوة: قلبك قاسي .. أنت لا قلب لك .. ما أشدها من كلمة وما آلمه من جرح .. القلب الذي هو مكان الحب والرحمة والشفقة يكون قاسيا !! فماذا يفيد الإنسان بعد ذلك؟ القلب هو لب الإنسان و سره .. والقلب القاسي قلب شاذ لا يوجد إلا في الأجساد المتحجرة .. لو قالت: فكرك قاسي أو لا فكر لك .. لقبلت الأمر وهان الخطب .. فكثير من الناس لا فكر لهم وعاشوا حياة سعيدة .. بل الذين لا فكر لهم هم السعداء .. والتعساء من كان قلبه قاسيا أو لا قلب له .. عدت لقلبي أتلمسه وأتحسسه وأرى وقع الكلمة عليه .. فوجدته متوجعا متألما منكسرا .. حاولت أذهب عنه توجعه وأخفف من ألمه .. ولكن الجرح أعمق مما تصورت .. قد تمزق ألما .. فهو الذي كان يرحم ويحب ويعشق .. كان يطرب هياما ويرقص صبابة .. أحرقه الهوى وأشقاه الجوى .. ولو دنا منه الجمر لاحتقر الجمر حرارة ذاته .. والجمر يطفي لهيبه الماء وقلبي لا شيء يذهب حرارته ولوعته .. لو علمت حياة قلبي ورقته وولعه وولهه لما تجرأت وقالت قولتها المشينة .. ولاستغفرت شهرا .. وبكت دهرا .. قد قتلت قلبا كان يخفق بها ولها .. لقد اسكت نبضات قلب كان قد تفتت شغفا .. وقتل القلب جريمة ولكن لا عقاب لها .. ومن تجرأ وقتل قلبا فقد قتل الحياة برمتها .. بل الحياة قد تعود فيها روحها وتنبعث من جديد؛ ولكن القلب إذا قُتل فلا تعود له الحياة .. فحين يقتل يرحل من هذا العالم يصعب دما أبدا.
وددت أن لي قلبا لا يحتفل بالفوادح، ولا يبالي بالخطوب، فلو طار القلب مع كل حدث فما بقي لي من سكون وهدوء! فحوادث الزمان تسرق من القلب سعادته، ومن الفكر حدته ونباهته، وما تعبت النفوس إلا بتتبعها ما يسوء القلب ويكدر الخاطر.
ليست لحظات الحب هي أن تعيش الحب؛ وإنما حكاية الحب ولحظاته تجدها في قصيدة شاعر هائم، وفي كلمات كاتب مغرم، فيتسلل عشقه إليك لتكون مثله في هيامه وغرامه، فالحب معنى قبل أن يكون حسا، وحب المعاني لا تقل حرارتها واشتعالها عن حب الحس، غير أن حب المعاني لا تعقبه مرارة ولا تحسر، وحب الحس يخلف وراءه التحسر والندم، حب المعاني ارتقاء بالفكرة وخروج عن الغربة، وحب الحس يحملك للعزلة ويرهن فكرك لمعشوقك. وحياة الإنسان لا تخلو من حب للمعنى فهو زاده الذي يعينه على المسير، ولو خلى الإنسان عن حب المعنى لتكسر قلبه وحشة وتمزق فؤاده غربة وعاش مرارة الوجود وآلامه.
عن الحياة وصراعاتها وتغيراتها
طبيعة الحياة .. هو الصراع .. الصراع بجميع صوره وأشكاله .. حتى مع الذات يكون هناك صراع لا تقوى على دفعه .. فحين نجد الصراعات تتوالى فلا نصدم ونضطرب؛ فهذه هي الحياة .. فلا تنتظر يوما أن نرى الحياة سلما لا نزاع فيها .. يبقى السؤال: كيف ندير صراعاتنا؟ كيف نتغلب ونخرج دون خسائر ؟ التهيئة النفسية ضرورة للدخول في هذه النزاعات، والقلق والخوف والاضطراب عوامل تقهرك وأنت في طريقك للبقاء.
المقاهي المطاعم الشوارع الأبنية .. كلها تحكي لنا أننا نتغير .. الجمادات هي انعكاس لحالة الإنسان، والإنسان ينظر إلى هذه الجمادات المتحولة بخيبة وخوف أو استبشار ورضي .. مع هذه الجمادات سيكثر الوقوف على الأطلال وستنسكب الدموع على أحاديث الماضي .. ستكثر الأسئلة ويكثر الصمت .. وستسكن التعاسة في القلوب المنكسرة .. وسترحل تلك القلوب الضعيفة لتعيش في محراب الماضي .. ولن يبق في هذا الواقع إلا القلوب القوية، فالحنين للماضي لن يمنعهم من العيش في الحاضر، فهم لا يعرفون الذبول ولا ترهقهم السنون، يبحرون مع الأمواج وضدها، فهم يعلمون أنهم يوما سيصلون للشاطئ سالمين.
بعض الناس يكون تأثيرهم عليك سلبا، وهم بفكرهم وتصرفاتهم يمهدون لك الطريق لكي تتنحى جانبا وتبلور لك أفكارا تنسجم مع أسئلتك التي يثيرها لك هؤلاء الناس، فالإنسان هو نتاج أسئلة وهواجس تثار حوله لتكون له رؤية فكرية معينة. وللبقاء في دائرة السلامة بعيدا عن الاضطرابات الفكرية يتعين أن يكون للمرء قاعدة فكرية صلبة مبنية على قيم صحيحة يصعب اختراقها وتمزيقها، فالتشوهات الفكرية هي بسبب ضعف القاعدة العلمية والفكرية وقابليتها للتأثر بما تتلقاه. لذا ليس المهم تغيير الآخرين بقدر ما يكون المحافظة على بنائك الفكري بصورة صحيحة.
لكل شيء في هذه الحياة محور ومركز تدور حوله الأشياء، حتى في القضايا المعنوية، فمثلا الدين الإسلامي محوره التوحيد، ومعرفة المحور والمركز ضروري لأن كل الأشياء حوله تعمل على الحفاظ عليه، بل يمكن التضحية بمن حوله من أجل البقاء على المركز. وهنا أذهب جانبا.. ما المركز في حياتك؟ ما المحور الذي تعمل على المحافظة عليه وصيانته وجعل كل شيء يعمل في خدمة هذا المركز؟ سؤال مركزي، يجعل المرء يعيد قراءة منهجه وأفكاره، فحين يجهل المرء المحور الذي يشكل حياته فعليه أن يدرك أنه يعيش مع الهوامش، وأنه قد يصون الهوامش في مقابل ضياع المركز.
في أدب الصحبة وأواصر الأخوة
تجد في القروبات الأخوية بعض من التحفظات، فقلما تجد من اطرح التكلف جانبا وأخذ يتحدث يمنة ويسرة لا يحجزه شيئا، فغالب القرويات يغيب فيها حديث الصحب، فلا تجري بينهم منادمات، بل من يعيش فيها يخالجه شعور أن بينهم خصومة؛ فلا أحد يدخل السرور في قلب الآخر، فلا ترى لكلمات اللطف وعبارات المحبة مكانا، بل تجد أجمل ما يحسنونه هي عبارات التعزية يتسابقون في نسخها وإعادة تداولها وكأن القروي وضع لتسلية المصاب وليس للحديث عن الأحوال، ولو جعلوا شيئا من أحاديثهم عن أحلامهم وآمالهم وعن أشواقهم ورغباتهم وحنينهم لأصبحت القرويات بأحاديثها أرق من نسيم السحر، وألطف من زهر المروج، ولا عجب أن يفارق المرء القرب فلا تجد لمفارقته وخروجه سؤالا، وسر ذلك أنها غابت العواطف ومشاعر الإخاء في أحاديثهم.
الصداقة يصيبها شيء من الفتور حين تبتعد الأنفس عن بعضها، فحياة الصداقة في كثرة المقابلة، وزيادة التواصل، وكم خمدت جذوة صداقة وانطفأت حرارتها بسبب الجفاء وبرود التواصل، وكم ألفت النفوس المتنافرة بكثرة المقابلة، فالصداقة مع البعد تذوب كما يذوب الثلج في الماء، وهي تحيا بحسن الصحبة، وجميل المعاشرة، وأناقة المفاكهة والممازحة، فالصديق إن لم يكن هو قطب الرحى فهو رفيق الدرب وحقه الملاطفة وطيب المخللة، وفي هذا الزمن، المرء في حاجة لرفيق درب يؤانسه ويذهب عنه وحشة الطريق، ومن رام صديقا لا عيب فيه فقد طلب محالا، فتحنن لصديقك فلعله يكون رفيقك في دار نعيمك.
آفاق المعرفة وتراث الفكر
كنت أتحدث مع صاحبي وهو مهتم بالفقه كثيرا، فقال لي: سأكتب رواية أعالج فيها بعض من القضايا. فقلت: جميل ورائع.. وسألته دون وعي: كم رواية قد قرأت؟ قال: لا أحب الروايات وقراءتي لها نادرة جدا. قلت: حين تنتهي من الصفحة الأولى من الرواية دعني اقرأها لنرى هل نضعها في باب المياه أم باب النجاسة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في “مفتاح دار السعادة” عن تأليفه كلاما جميلا يستحق القراءة : ” وإن ما أودع من المعاني والنفائس رهن عند متأمله ومطالِعه، له غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وله ثمرته ومنفعته، ولصاحبه كدره ومشقته مع تعرضه لمطاعن الطاعنين، ولاعتراض المناقشين. وهذه بضاعته المزجاة، وعقله المكدود، يعرض على عقول العالمين، وإلقاؤه نفسه وعرضه بين مخالب الحاسدين، وأنياب البغاة المعتدين. فلك أيها القارئ صفوه، ولمؤلفه كدره، وهو الذي تجشم غراسه وتعبه، ولك ثمره، وها هو قد استهدف لسهام الراشقين، واستعذر إلى الله من الزلل، والخطأ، ثم إلى عباده المؤمنين. اللهم إعياذا ممن قصر في العلم والدين باعه، وطالت في الجهل وأذى عبادك ذراعه، فهو لجهله يرى الإحسان إساءة، والسنة بدعة، والعرف نكرا، ولظلمه يجزي بالحسنة سيئة كاملة، وبالسيئة الواحدة عشرا، قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته، أو حالف هواه . وعياذا بك ممن جعل الملامة بضاعة، والعذل نصيحة، فهو دائماً يبدي في الملامة، ويعيد ويكرر على الفحل فلا يفيد ولا يستفيد. بل عياذاً بك من عدو في صورة ناصح، وولي في مسلاخ بعير كاشح، يجعل عداوته وأذاه حذرا وإشفاقا، وتنفيره إسعافاً وإرفاقاً، وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تفتح، والميزان يخف ولا يرجح، فما أحرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قبله جزءاً من الالتفات ، ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الأحياء بين الأموات. وما أحسن ما قال القائل :
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ** وأجـسـامـهـم قـبـل الـقـبـور قـبـور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم ** وليس لهم حتى الـنـشـور نـشـور”.
مما قال غوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي عن العرب، قال: «إن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن ما ترك العربُ المغلوبين أحرارا في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعضُ الأقوام النصرانية الإسلامَ، واتخذوا العربية لغة لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل. » وقال أيضا: «ولم ينتشر القرآن، إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا، كالترك والمغول.»
لبديع لفظها وقوة معناها، اقتبس كلاما جميلا للباحثة الدكتورة فريدة زمرد من من مقدمة كتابها “مفهوم التأويل في القرآن الكريم”، إذ تقول: “للإبحار في “كلمات الله ” التي لا تنفد ولا تتبدل لذة وخطر : فمنشأ اللذة الافتقار الطبيعي، والحاجة الإرادية، إلى استمداد بعض الكمال من كمالها، والتطلع إلى بعض الجمال من جمالها. فهي، في درر المعاني، الكنز الذي يفنى، وهي، في حلل المباني، الكساء الذي لا يبلى. فمن زاولها اعتصم، ومن زايلها انقصم. ومصدر الخطر الإبحار في لحجها مع قلة في الزاد، أو قسوة في القلب وغشاوة على البصر، أو بلادة في الحس والفكر. إن قلما يلقى بـه باحثا في بحر كلمات الله – وهو بهذه الحال- لهو كمن يلقى به في اليم مكتوفا، لا لوح ينقذه، ولا جبل يعصمه، ولا عاصم اليوم من أمر الله، في البحث العلمي، إلا من رحم”.
ختاماً، تبقى هذه الكلمات إشارات على طريق الوعي والفهم، تدعونا لإعادة النظر في تعاملنا مع قلوبنا، وفي إدارة علاقاتنا، وفي بناء منظومتنا الفكرية. إنها دعوة للتوازن بين رقة الشعور وصلابة الموقف، وبين الانفتاح على المعرفة والتمسك بالثوابت، ليكون المرء في هذه الحياة ذا أثر طيب، وقلب حي، وعقل مستنير.