في رحاب التراث ومناهج العلماء
يرى ابن تيمية رحمه الله تعالى إن أول من خلط المنطق بأصول المسلمين هو أبو حامد الغزالي؛ ولكن نجد من العلماء من يخالف هذه الرؤية، ويرون إن ابن حزم هو من سبق لهذا الأمر، حيث يقول إحسان عباس في مقدمته لكتاب “التقريب لحد المنطق” :”ولم يكن ابن حزم منفردا في محاولته تقريب المنطق بالاستكثار من الأمثلة الشرعية ولكن لعله أول من فتح هذا الباب مثلما حاول ابن سينا استمداد الأمثلة من الطب ومن بعده جاء الغزالي فعاد يستمد الأمثلة من الفقه، فكتاب التقريب يثبت أن الغزالي مسبوق إلى هذه المحاولة”. وابن حزم يرى أن فائدة المنطق تعم سائر العلوم، فيقول أن منفعة علم المنطق ليست في علم واحد فقط؛ بل كل علم، ثم يأتي الغزالي بعده ويقرر هذا الأمر في مقدمة المستصفى حيث يقول عن المنطق هو “مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلا”. ويرى ابن حزم لو أمكن للمنطق “أن يهتف به في قوارع طرق المارة ويدعو إليه في شوارع السابلة”. ويذهب بعض المفكرين أن اهتمام ابن حزم بالمنطق هو من أجل رغبته في خدمة نظرياته الدينية، والله أعلم.
هناك من يكون لديه قدرة عالية في معرفة واقعه لدرجة أن يتنبى أو يستشرف مستقبل ما يكون بين يديه، ومن ذلك ما قاله الشيخ أحمد بن محمد بن مُري الحنبلي المتوفى سنة ٧٣٠هـ في رسالته إلى تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية يوصيهم بكتب الشيخ رحمه الله فقال: “فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعا وكرها، وأين غايات القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته، ووالله إن شاء الله: ليقيمنّ الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم”. وقد صدق وبر الله قسمه، فنحن نجد اليوم كتب ابن تيمية منتشرة متداولة بين الناس، وقد وجدت قبولا كبيرا، والناس يعكفون عليها في استكشاف معانيها واستخراج دررها.
قال محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى عن ابن القيم وشيخه ابن تيمية: “كان هو وشيخه أعلم أهل الأرض بالكتاب والسنة، وعندي أنه لا يستغنى أحد بطلب علم الدين عن الاطلاع على كتبهما”. وقد صدق رحمه الله تعالى، فمن أراد أن يبحر في علم الشريعة فلا يستغني عن كتب هذين الإمامين.
أحيانا نقرأ تعليق الشيخ الألباني رحمه الله تعالى على الحديث بقوله: “حسن صحيح”. فماذا يقصد الشيخ بهذا المصطلح؟ بيّن الشيخ مقصوده من هذا المصطلح في “صحيح سنن ابن ماجه” حيث قال: “وإذا قلت حسن صحيح جامعا بين الوصفين فإني أعني أن إسناده حسن لذاته صحيح لغيره”.
من المآخذ التي أخذت على الشاطبي رحمه الله تعالى قوله عن الله تعالى: “لو عذب أهل السماوات والأرض كان له ذلك بحق الملك”. (الموافقات 354/2) فجعل امتناع الظلم عن الله تعالى هو الملك أي التصرف في ملكه، فالله تعالى عند الشاطبي ليس بظالم لأنه يتصرف في ملكه. والصحيح أن امتناع الظلم عن الله تعالى هو تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم، فالله قادر على الظلم ولكنه منزه عن الظلم كما قال تعالى: “إن الله لا يظلم مثقال ذرة” وقوله: “وما ربك بظلام للعبيد” وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. فهذا النص يبين صراحة أن الله تعالى منع الظلم عن نفسه حتى في ملكه، فامتناع الظلم عن الله تعالى تنزيها لله تعالى وليس بسبب التصرف في الملك.
نبه الزركشي رحمه الله على أمر ذي بال في شأن وجود الأدلة الظنية في الشريعة، واعتبر ذلك قصدًا لله تعالى في التوسيع على المكلفين، فقال: “اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين، لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع عليه ..” فتنوع الأدلة من قطعي وظني هو لرفع العَنت والحرج على المكلفين، ولتكون الشريعة قادرة على شمول كافة المستجدات والوقائع في كل زمان ومكان.
آداب الخلاف ومنهجية الطلب
قال الشاطبي في “الاعتصام” : “عبيد الله بن الحسن العنبري كان من ثقة أهل الحديث، ومن كبار العلماء العارفين بالسنة ; إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكي عنه من أنه كان يقول (بأن كل مجتهد من أهل الأديان مصيب)، حتى كفره القاضي أبو بكر وغيره. قال الشاطبي: فإن ثبت عنه ما قيل فيه; فهو على جهة الزلة من العالم، وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق; لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل عنه إنما اتبع ظواهر الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه، ولم يتبع عقله، ولا صادم الشرع بنظره، فهو أقرب من مخالفة الهوى، ومن ذلك الطريق ـ والله أعلم ـ وُفِّقَ إلى الرجوع إلى الحق.
خلافك مع شيخك لا يفسر أنه ازدراء وتعالى على الشيخ؛ وإنما يفسر أن العلم أعلى من القيمة الشخصية، فالمرء يختلف مع معلمه مع بقاء الحب والتقدير ولكنه يرى حق العلم وصونه مقدم على حق المشيخة وصونها. لذلك نحن نرى منذ فجر الإسلام أن العلماء يخالفون معلميهم ولم يعتبره أحد خروجا عن الأدب، بل يرون ذلك من وجوب العلم، فمن وجوب العلم أن يقول المرء ما يعتقده حتى ولو خالف مذهبه وخالف قول شيخه. والمرء حين يبحث ويدقق في المسائل فستميل نفسه لقول لم يختاره شيخه، وهذا أمر طبعي لا إنكار عليه، فالاختلاف هو نتيجة طبيعية للبحث، ولكن حين يقف المرء عن البحث والتدقيق فغالبا لن يختلف مع شيخه وسيقف على اختيارات شيخه. فلا تتبرم حين تجد الاختلاف قائما ولكن تبرم حين تجد التوافق الدائم فهذا دلالة على ترك البحث العلمي جانبا.
طالب العلم إذا كان في بحثه وقراءته دائما يتجه للموافق له في الرأي والفكر فهو لن يملك رأيا مستقلا ولن يتمكن من معرفة الصواب، فالصواب سيكون عنده هو ما كان عليه شيخي. لابد لطالب العلم أن يخرج في قراءته عن قرارات شيخه ويطلع على الأقوال الأخرى، فهو حين يقرأ لغير شيخه فهو أيضا يقرأ لعلماء آخرين قد يكونوا أرسخ قدما في العلم من شيخه، فتنوع المصادر مطلب أساسي لطالب العلم وإلا لبقي منغلقا على قول شيخه، وهذه مأساة. ولعل ما يمنع طلاب العلم من تعدد المصادر في التلقي هو العجز والكسل، ثم يبررون عجزهم وكسلهم بأن الحق مع شيخي وأن الخلاف شر الخ ويذكر عدة مسوغات مردها كلها العجز والكسل. قراءة كتب الخلاف هي مرحلة لابد أن يمر عليها طالب العلم ويعيشها ويستقر فيها، فالشيخ هو مقدمة ليجعل طالب العلم يتمكن من الخوض في كتب الخلاف بأصول شرعية ومقدمات علمية تمكنه من تحرير المسائل تحريرا علميا دقيقا.
أحيانا تجد أن الخلاف الفقهي يكون أشد من الخلاف الأصولي، فيتحول الخلاف الفرعي، والذي أراه ضرورة بشرية، إلى صدام ونزاع؛ بل أحيانا إلى عداء. جعل الناس على قول واحد أمر متعذر، وعدم قبول اختلاف الناس هو جهل بالطبيعة البشرية، فالله خلق الناس مختلفين، وأراد هذا الاختلاف، والأمة تعددت أقوالها في الفروع وهي مذاهب قائمة لا يمكن أن تزال، فالاختلاف في الأمة أمر واقع ولا يمكن جعل الأمة على قول واحد. علينا أن لا ننكر هذا الاختلاف فهو واقع، ولكن علينا أن نحسن التعامل معه وأن يكون سببا للثراء المعرفي وليس سببا للفرقة والتناحر.
يقولون: اختلاف الرأي لا يفسد الود. معناها جميل، لكن تحقيقها في الواقع صعب، يحتاج الأمر لتدريب وتوطين النفس على تقبل الخلاف في الرأي، وما نشاهده أحيانا من صدام وصراع في المناقشات هو بسبب عدم تربية النفس على قبول قول الآخرين، وأن لهم الحق أن يخالفوننا في الرأي. حين تقول رأيك، فلا تتوقع الموافقة من الجميع، فرأيك نتيجة تجربة ذاتية ومعرفة معينة، والناس يتفاوتون في خبراتهم ومعارفهم وعليه ينتج اختلاف في الآراء، لذا فمن الجميل أن يتسع صدرك للخلاف وأن لا تجهد نفسك في تغيير آراء الناس بالجدل المرير الذي قد يفسد الود.
فلسفة الكتابة والقراءة والتساؤل
القارئ السيء هو من يحبس نفسه في مجموعة كتب لا يغادرها .. وأسوأ من ذلك أن لا يدري أنه أسير هذه المعرفة البسيطة، وكأن المعرفة اقتصرت في هذه الكتب البسيطة. وقد نجد من يقرأ كتابا عشرين مرة أو خمسين مرة .. وهناك من يشرح كتابا عشرات المرات .. وأعتقد أن هذا يورث لديه انغلاقا للفكر بسبب اقتصاره لبعض من الكتب. العلم أوسع من أن تحصره في كتب قليلة، ومكوث المرء في كتاب سنوات عديدة إن لم يكن ضياعا للوقت فهو استسلام للفكر، وقد يصاحبه أيضا عجز عن تقديم إضافة علمية أخرى، والعمر قصير فمن المحزن أن يمكث المرء سنوات في كتاب لا يتجاوزه.
في هذا الزمن المادي قد تفتر الهمم وتضعف العزيمة؛ لذا كان لا بد من صحبة “فكرية” تبقي همتك عالية، فالصحبة الفكرية تمدك بالفكرة وتدعوك للحوار والنقاش العلمي الذي يجعلك تستمر في البحث والتحقيق. المرء لوحده يقف ويسكن ويشعر بالاكتفاء، ولكن الصحبة الفكرية لا تجعلك تقف؛ بل تدفعك وتحفزك وتثير في نفسك شغف المعرفة، فمناقشاتهم المستفيضة تجعلك في حالة توقد للمعرفة.
إذا أوتيت القدرة على التساؤل الدائم .. التساؤل الذكي .. فقد رزقت خيرا كثيرا. غياب السؤال دلالة على عدم الإثارة الذهنية وعلى السكون العقلي، فطبيعة العقل أن يكون في حالة حركة تظهر في شكل تساؤلات تحفز الذهن للبحث والاستقراء، فضرورة للباحث المحب للمعرفة أن يبقى السؤال دوما حيا حاضرا في ذهنه.
حين اقرأ لكاتب أو فيلسوف وأجد غموضا وتعقيدا في كتابته؛ فاعلم أنه غير “فاهم” أو غير متمكن مما يقول، فمن لوازم فقه المسائل هو القدرة على تقديمها للقارئ بلغة يسرة يستطيع القارئ أن يدرك معانيها، وقد يتعلل البعض أن صعوبة الكتابة وتعقيدها هو بسبب صعوبة الموضوع وتعقيده، وحاجة الموضوع لمقدمات ضرورية ليدرك المعنى، والحقيقة هذا التعليل غير صحيح، فالكاتب مطلوب منه البيان والتوضيح حتى لأعقد الأمور وأصعبها، فإذا كانت يستخدم مصطلحات خاصة به فعليه أن يبين معناها كي يستطيع القارئ فهم كلامه، وتصل رسالته دون لبس للقارئ. والذي أراه أن هذا الغموض سببه غموض المعنى لدى الكاتب أو عدم قدرته على إيجاد لغة صحيحة تحمل المعنى الذي يريد، فالكاتب حين لا يحرر المعنى تماما في ذهنه؛ فلن يكون قادرا على مخاطبة القارئ بلغة سلسلة شيقة تحمل المعنى كاملا دون عناء للقارئ، ونحن نجد أن القرآن الكريم تناول أعقد القضايا وأصعبها بلغة جميلة يسرة يستطيع يفهمها كل شخص، فالعمق ليس في التعقيد وإنما في القدرة على توصيل الفكرة بوضوح دون لبس الذين يستخدمون لغة غامضة معقدة هم يهدفون إلى جعل القارئ في حيرة، فالغموض يصيب القارئ بالملل ويجعله يهجر الكتاب وكاتبه، ولذا نحن نجد أصحاب الكتابات الفلسفية الغامضة لا نجد لكتبهم رواجا كبيرا إلا لدى فئة بسيطة جدا وذلك بسبب الملل الذي تسببه كتبهم للقراء، فغموضهم نفّر الناس منهم، وغالبا ما تجد القارئ يتساءل: هل الكاتب نفسه يفهم ما يقول؟ وقد تساءل هذا السؤال جيمس جينز في كتابه “الفيزياء والفلسفة” حين تحدث عن كانت فقال: “قد يكون هنالك مبرر للتساؤل عما إذا كان “كانت” نفسه قد فهم أفكاره”! الكتابة هي نقل الفكرة من صاحبها إلى الآخرين، ومن شرط النقل هو الوضوح وعدم الغموض، وتعمد الغموض ووضع الطلاسم لا يجعل الفكرة تصل للقارئ، وعندها ينقطع التواصل بين الكاتب والقارئ، فيتوقف القارئ عن القراءة بسبب أن ما يقرأه هي ألغاز لا تُفهم، وكون القارئ لا يفهم كلام الفيلسوف فليس هذا يدل على عيب في القارئ أو نقص في قدراته الفكرية؛ بل يتجه العيب للفيلسوف نفسه الذي عجز أن يصل الفكرة للقراء، فالجمود هو في الكاتب وليس في القارئ؛ وخصوصا إذا اشتهر الأمر أن كتابات هذا الفيلسوف غامضة لا يفهمها أحد، فإن هذا يعني أن الكاتب بحاجة لتعلم فن التأليف والكتابة، فإجماع الناس على غموضه وتعقيده يعني أنه عاجز عن فهم الفكرة التي يتحدث عنها، فالناس ليس أغبياء لا يفهمون ما يقال لهم. ومما يستغرب له أن يعتقد بعض القراء أن الغموض دلالة على العمق والتمكن، وأنا استغرب حقيقة لهذا الفهم للغموض، فلماذا لا تعكس المسألة ويقال: أن الغموض دلالة على ضبابية الأفكار وعدم وضوحها لدى الكاتب، إذ لو كانت واضحة لديه لتمكن من توضيحها لغيره وبيانها أحسن بيان، فالحقيقة لا يصح النظر للغموض بأنه علو كعب قائلها؛ بل العكس صحيح، الغموض يعني عدم تمكن الكاتب من إيجاد اللغة الصحيحة في توصيل الفكرة للآخرين، فهو عيب في الكاتب وليس في القارئ.
تأملات في النفس والواقع المعاصر
الحنين للماضي أمر فطري، ولكن هذا الحنين يعاب حين يجعل الإنسان رهينا وسجينا في الماضي ولا يلتفت لما هو راهن. والأشخاص الذين يمكثون في الماضي هم الذين يجلبون مشاكل الماضي للحاضر، فيحضرون قضايا الماضي ليجعلونها قضايا لنا، فدائما تجدهم يذكرون الأحداث والأشخاص الماضية وكأنها حاضرة اليوم وتصنع الحدث. مشكلتنا ليست مع ماضينا وإنما مع انفصالنا عن حاضرنا، فنحن أبناء هذا الزمن، لنا مشاكلنا وقضايانا التي تتطلب جهدا كبيرا للعمل عليها، والهروب للماضي هو تنصل عن المسؤولية الآنية وهو أيضا خلق مشاكل أخرى تزيدنا تعباً وإرهاقا. ومن البديهيات أنه لا يمكن أن ننفصل عن ماضينا، فهو يشكل هويتنا، ولكن علينا أن نكون أكثر وعيا في معرفة ما القضايا التي نجلبها من الماضي، وما الأمور التي يجب أن تُدفن في الماضي وتنسى، فهذا الوعي بهذه القضية أمر ضروري في صناعة حاضر قادر على المنافسة وتجاوز الصراعات الماضية.
ما كنت أظن أن هذا الفيروس الصيني سيحل في جسدي، وكنت أقول لنفسي: وما يريد بجسدي المكدود! فستصيبه قارعة قبل أن يحل بجسدي، كنت أظن أن زفرات صدري ستجعله يرحل بعيدا عني، ولكن خاب ظني فقد وجدت هذا الفيروس يستعذب الألم، ويستطيب المعاناة، وقد وهمت حين ظننت أن تنقله بين الأجساد قد يصيبه بالملل والإعياء؛ ولكنه لا زال يستخف بتلك الأجساد التي يزورها، ويتخذها موضعا للاسترخاء. اليوم أعيش تجربة جديدة، كنت أقرأ أرقام المصابين واستثني نفسي، ولكن لعل ليس هناك اليوم مستثنى، فهذا الفيروس لا تزيده الأيام إلا تغلغلا وانتشارا، ولست أدري هل يزداد قوة بتمدده وانتشاره! فهذا الفيروس حين يدخل الجسد يجعل منه مصدرا للوباء، فلا يكتفي بألمه ووجعه ولكنه يستوطن الجسد لينطلق لجسد آخر، فيتخذ من أجسامنا طاقة تبقيه حيا منتعشا. والأمر المؤلم، ما أن يحل بك الفايروس حتى يقولوا لك: لا تخالط أحدا، فتبقى وحيدا مع ألمك، تئن لوحدك، فلا أحد يسمع زفرات صدرك ولا أنين روحك، فالوحدة هي ألم بذاتها، فتتصاعد الزفرات ملتهبة ولست تدري هل هي من الوحدة والوحشة أم من الفيروس الذي استطاب المكان. والله المستعان.
حين اقرأ الإنسان في الفكر الحديث أجده موجودا ولكن بصور متنوعة ومشتته، فجمال الإنسان لم يعد ينظر إليه في الجمال المعنوي بل لم يعد يهتم ما بداخل الإنسان بقدر ما يهتم بخارجه أو بالأصح بشكله، الإنسان ذلك الكائن القيمي أصبح كائنا نسبيا يصنع قيمة وفق ما يراه ويريده. وصف الإنسان لا أجده أمرا سهلا بسيطا؛ بل أصبح أمرا معقدا غامضا وزئبقيا، فلا تفهم ما معنى الإنسان لأن الإنسان لم يعد له شكلا صلبا بل شكلا سائلا يتشكل حسب البيئة والفكر التي ينتمي لها، فتارة يكون الإنسان هو الجوهر وتارة يكون هو الشيء الشاذ الذي يجب أن لا يتلفت إليه. ولك أن تتساءل: هل الإنسان سلعة؟ هل هو أداة استهلاك؟ أقول: هذا أقرب وصف للإنسان العصري، فلك أن تجعله قطعة معدنية ثمينة نفيسة ولك أن تجعله قطعة معدنية زهيدة لا قيمة لها. ولكنه في الأخير هو قطعة معدنية. لست أحب التشاؤم ولا انتقاء النظرة السوداوية واتخاذها منطلقا للتصور، ولكن حين يغيب معنى الإنسان ويذوب في معاني الحياة هناك تفقد الحياة جمالها شكلا وذاتا، ولعل أكبر صراع يواجه الإنسان اليوم هو البقاء على إنسانيته، هو الحفاظ على هويته كموضوع مستقل يجب أن يكون محورا وليس هامشا.
العالم اليوم بل منذ فترة ليست بالقصيرة يعيش حالة العدمية والتي اتخذها بعض العرب موضة في هذا العصر فرأوا أنه ليس للحياة معنى، فالحياة لديهم عبث، والوجود وهم زائف. والعرب اليوم تظهر فيه تلك الصورة العبثية، فنجد هناك أفكارا وتصورات عديدة غالبها أفكارا انعكاسية للفكر الغربي الذي يعيش في صراع فكري بحثا عن هويته. حين يغيب معنى الحياة عن الذات تفقد معه الهوية والقيم وكل شيء، فكل شيء يكون لا معنى له، ويسير الإنسان حينها بغير هدى ودون غاية، وهنا يكون الألم والعذاب، ففقدان الغاية من الوجود والسير دون اتجاه ضياع للروح والسقوط في العدمية القاتلة للنفس. ففقدان معنى الحياة هو فقدان لمعنى الذات.
لقد حل الأرق ضيفا دائما في حياتي، فأمسى يزورني دون رغبة مني ودون حياء منه، ومن كثرة تردده عليّ ظن الدار داره والأهل أهله، فيدخل داري ليسامرني ويصاحبني في همسي ونفسي، وما أثقل الزائر حين يزورك ويطول مكثه عندك، فلا يراعي حرمة بيت ولا يبالي بأهل الدار، ومن كثرة تردد هذا الزائر لداري أصبحت أرى شبحه في كل زاوية، فإن غاب يوما فلا يغيب طيفه وصورته، فيغيب فتأتي كوابيسه وبواعثه لتبقى تسامرني فهو لا يرحل إلا وقد ضمن من يخلفه. وها أنا ذا أبحث عن نديم جديد يزيح الأرق عني، واصطحبه رفيقا لي، ولكن هل سيفسح الأرق المجال لأحد، هل سيترك مرافقتي وصحبتي، فكثرة المصاحبة أنشأت ألفة لديه، فهو يظنني صاحبه ونديمه، ومن آداب الصحبة وأعرافها ألا يتركني لأحد، ومن بؤس الإنسان أن يُجبر على مرافقة من لا تهواه النفس، فلا تجد سويعة للأنس ولا لحظة للانبساط والفرح إلا وتقصر هذه اللحظات بتذكر هذا الرفيق الثقيل. أيها الأرق .. هلا رحلت عني فقد أصابني منك القلق أيها الأرق .. هلا تركتني أغفو ساعة فقد جفت الحدقة
أشعر أن لدينا ألما داخليا قد يكون شبيها بألم الفراغ الروحي، فالفراغات تتعب الإنسان، ولعل من إحدى الفراغات المؤلمة هي “فراغ تحقيق الذات”، فقد نحقق أشياء جميلة في حياتنا لكنها تظل قاصرة عن ملء ما نشعر به من فراغ، ففراغ تحقيق الذات قلما يكتشفه الشخص، فهو يشعر بألم ولا يعرف سببه ولا كيف التخلص منه. هنا، علينا أن نتعمق كثيرا في دواخلنا، أن نبحث عن حقيقة مراداتنا، أن نقف مع أنفسنا في رحلة استكشاف ذاتية كي نطفئ لهيب هذا الألم الذي يجري فينا، ورحلة الاستكشاف رحلة مرهقة طويلة قد لا يخرج الإنسان منها بشيء إذا كان لا يحسن قراءة أحاسيسه ومشاعره وأفكاره. البحث في الذات ليس أمرا ثانويا أو هامشيا؛ بل هو ضرورة وجودية كي يعرف الإنسان ذاته، فيعرف كمالها ونقصها، ويعرف ما تريد ومالا تريد، ولعله أن وصل لمعرفة ذاته استطاع أن يحقق ذاته، فتحقيق الذات يكون بعد المعرفة، ومعرفة الذات يتحقق بمراقبتها وملاحظة أحوالها دون تزكية للنفس ولا تبرير لأفعالها، ودون إجحاف وإسقاط لها، فمنظار المكتشف يجب أن يكون منصفا دقيقا كي ينال مراده.