فقه النفس وتطوير الذات
الأخطاء لا مفر منها وقلما يسلم منها أحد، ولكن ما يعاب هو تجاهل الخطأ، وإعادة تكراره دون تصحيح، ولو استثمر الإنسان أخطائه الذاتية، ولم يكرر الوقوع فيها لنقل نقلة نوعية في تحقيق ما يصبوا إليه.
لا بأس أن تخطئ، فهذا أمر طبيعي، ولكن أن تبرر لخطئك وتجعله أمرا لا حرج فيه، فهذا نقص وخلل في الفكر والتصور، فالذي يبرر دائما لأخطئه فهو يعفي نفسه عن المسؤولية والتقصير، ويعطي لنفسه مسوغا زائفا ليخرج من اللوم الذاتي، كلنا نخطئ ولكن نكراننا للخطأ وتجاهلنا له لا يعفينا من المسؤولية ولن يمنحنا الفرصة للتصحيح. الاعتراف بالخطأ ليس عيبا ولا نقصا؛ بل هو بداية التصحيح والانتقال للصواب، وهو دلالة على الثقة الذاتية والبعد عن الغرور الكاذب.
ثمة لكل شخص أفكار تستحوذ عليه وتكون بارزة في حديثه، يطرب حين يكون الحديث حول تلك الأفكار، يحب أن يتحرك في هذا المجال، فهو يجد فيها شغفه، والمبدع هو من يعرف كيف يرتاد الأماكن التي يحبها وكيف يتجول فيها، ومعرفة شغفك وحبك لا تكون بطريقة آلية تلقائية؛ بل لا بد من بذل شيء من الجهد الذكي في استكشاف ذلك داخل نفسك. ورحلة الاستكشاف هي رحلة حرجة فقد يتيه فيها المرء مع كثرة مراداته فلا يصل لشغفه الحقيقي، لذا كان شرطا في رحلة الاستكشاف أن لا تستعجل في الاختيار، ولا تتجاوز الأماكن سريعا؛ فالعجلة مشتتة تمنع عن تحقيق شغف الذات. وفي هذه الرحلة لا يشترط أن تتعلم كيف يفكر المبدعون لاكتشاف شغفهم؛ ولكن يشترط أن تكون صادقا بدرجة عالية جدا مع ذاتك، وبين الصدق والوهم خيط رفيع لا تتمكن من اكتشافه إلا بإجالة النظر كثيرا في شغفك.
معظمنا يبقى دائما في حالة انتظار للأوقات الأجمل، وللفرصة الأكمل، وللمبلغ المناسب للبدء. نحن نعيش فيما يسميه بريان تريسي “جزيرة يومًا ما”. نردد دائما: يومًا ما سأبدأ عملي الخاص بي، يوما ما سأكون قادرا الخ. الحقيقة التي يجب أن نعلمها أنه لتحقيق النجاح، يجب أن يكون لدينا فهم واضح تمامًا لما نريده ولدينا رغبة ملحة، لنكن يقظين في اغتنام الفرصة. لا تنتظر الفرص غير العادية، اغتنم الأشياء البسيطة واجعلها رائعة.
لا أحب أن أعيد بصري للوراء، فأخشى أن التفت للوراء أن تنسكب دمعة تحسر أو تظهر زفرة تندم، أجد أن اللحظة التي أعيشها الآن هي الأولى بالتفكير والاستغراق، فما الزمن سوى اللحظات التي نصنع فيها أحلامنا وأمنياتنا.. فالزمن ينقضي وتبقى أحلامنا ترافقنا حتى صارت هي الزمان في ماضيه ومستقبله.
منهجية القراءة والتفكير الناقد
لعلك إن قرأت في كتابك ألا تقرأه وأنت كاسف البال، مضطرب النفس، كأنك نادم على حملك للكتاب، أو كأن الكتاب قد أسبغ الحزن على محياك، فيكون الكتاب عليك بلية ومصيبة، اقرأه وأنت منشرح الصدر، خالي البال، راضي النفس، فالكتاب لن يحدثك حديثا تفهمه وأنت واجم كسيف، فلن يقبل عليك الكتاب بكليته إلا وأنت قد أقبلت عليه جذِلا مسرورا، فتصيب منه بحظ وافر. الكتاب صحاب وصديق قلما تجد في الأصدقاء من هو أقرب منه إليك، فهو لن يعقك يوما ما، ولن تخشى أن يجرحك لحظة واحدة، حياتك معه لا تعرف العبث، لا يعاتبك فتسترضيه، ولا يهجرك فتستدعيه، هو بين يديك يمنحك كل ما لديه، يخاطب أغلى ما لديك، يخاطب فكرك لترتقي؛ بل يحمل فكرك ليرحل به لأماكن لم ترها عينك، فتلتقط صورا تبقى في ذاكرتك لتخلق لك معاني ليس لك بها علما من قبل، فما أجمله من صاحب، فلا تكن له مهاجر.
أحيانا الاستغراق في القراءة يمنع الفكر من الإنتاج الإبداعي، ففي حالة القراءة يكون الذهن في حالة تلقي معلومات وغاية ما يمكن للعقل أن يقدمه هو النقد، والنقد ليست حالة إبداعية مستقلة؛ بل هي تستند في نقدها على ما تجد من مكتوب، فالنقد حالة اعتمادية على الآخر وليست حالة استقلالية. لذا من المهم بين الفينة والأخرى أن يترك القارئ الكتاب بعيدا حتى يتسنى له أن يعيد قراءة ذاته ويتأمل في كل ما يثيره، ولك أن تشبه القراءة بالغذاء، فلو مكثت تأكل طول اليوم دون أن تعطي جسمك فرصة للهضم والراحة لأصبح الأكل مضرا ولا قيمة له، فالقارئ من الأكمل لفكره أن يمكث لحظات يجادل واقعه وأفكاره بعيدا عن القراءة، فالتأمل يشكل له أسئلة، وهذه الأسئلة تدفعه للقراءة والبحث، فيكون للقراءة ثمرة أكبر حين تكون عن حاجة.
كثيرا ما تكون دراستنا أو نتائج قراءتنا تتجه نحو نتيجة مقررة سلفا، أو بعبارة أدق: لا نتجاوز نتائج الدراسات السابقة، فنحن نقرأ والنتيجة مقررة سلفا في أذهاننا، ولعل ذلك يعود بسبب الخوف من مصادمة من حولنا أو حتى الخوف من مصادمة أفكارنا التي نحملها، وبالتالي فإن قراءتنا لا تقدم شيئا جديدا لأنها تتعمد أن تكون النتيجة غير مخالفة للطرح السائد. طبعا هذه القراءة غير ناضجة ومخادعة للذات وفيها تعصب مسبق لأقوال سابقة، والذي يمارس هذه الطريقة لا يرى أنه متعصب أو منحاز لقراءة معينة فهو يتجه لهذه الطريقة أحيانا دون وعي.
الوعي المجتمعي والتحولات الثقافية
الاحتكاك بالأمم الأخرى من تبعاته انتقال بعض الأفكار والتصورات الخاطئة للمجتمع، لذلك ما قد يُرى من أمراض في الاجتماع بعضا منها هو من إفرازات الاحتكاك بالحضارات الأخرى. وفي هذا العصر، لا يمكن لأمة أن تعيش في معزل عن الأمم الأخرى، لذا كان لابد من معرفة أمراض الحضارات الأخرى كي يتولد لدى أفراد المجتمع وعيا يكونون فيه قادرين على التمييز بين الغث والسمين، فقدرة المجتمع في الحفاظ على هويته وتميزه يكون بوعيه بذاته وبالآخر.
جميل أن تكون لديك القدرة حيث تؤثر الصمت فيها على الجهر بآرائك، فأحيانا الصمت يكون أكثر معنى من الجدل الذي ينحدر بصاحبه إلى الخصومة، فحين ترتفع الأصوات، ويتكرر الكلام، وتعاد العبارات فلزوم الصمت هو الطريقة المثلى، الذهاب للصمت هو رسالة تحمل في طياتها معنى: دعنا نتوقف عن المهاترات، دعنا نحفظ الود بيننا وإن اختلفنا.
اليوم نشهد تغيرا في دور الأشخاص، فأصبح المؤثر هو المثقف الصغير الذي يحسن طرح القضايا بلغة عصرية بعيدة عن التكلف، ويغوص في قضايا العصر دون خوف أو تردد، وأصبح المثقف القديم أكثر تواضعا وهو في طريق التهميش والاحتضار، فهو ليس قادرًا على قراءة عصره، يتعامل مع قضايا اليوم بقراءة قديمة لم ينالها التحديث. كان يفترض للمثقف القديم أن يطور من أدواته الثقافية، وينوع في قراءاته؛ كي يكون بمستوى التطور المجتمعي ولكنه انكفأ على ذاته مما جعل حركة المجتمع تتجاوزه وتستبدله، فاليوم نرى أن النظريات والأفكار المستجدة تتجاوز فكر المثقف القديم، ولم يعد في إمكانه مواجهة أسئلة اليوم بنفس الثقافة السابقة. لذا كان من المهم أن يكون هناك مراجعة فكرية مستمرة كي يبقى الشخص في حالة وعي مستمر، فمما يلاحظ في “الساحة الثقافية” غياب الطرح النقدي، فقراءة الذات قراءة فكرية هادئة بعيدة عن التشنج والانفعال يكاد يكون غائبًا في التطوير الذاتي، ودون مراجعة والوقوف على نقاط النقص فإن الفرد سيبقى في مكانه ويتجاوزه الزمن.
ضوابط العلم والدعوة والإيمان
عبادة الشيطان ليست طريقة جديدة على البشرية؛ بل هي قديمة جدا، فإبراهيم عليه السلام قال لأبيه: “يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا” وقال الله تعالى عن الكفار: “إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا” فقوله: “وإن يدعون إلا شيطانا” يعني ما يعبدون إلا شيطانا مريدا. وقوله تعالى: “ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون” . فقوله تعالى: “بل كانوا يعبدون الجن” أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم. وصورة عبادة الشيطان قد تتعدد ولكنها تتفق كلها في طاعة الشيطان فيما أمر ونهى، كما قال الله تعالى: “وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..” فالشيطان دعا أوليائه فاستجابوا له، وهذه هي عبادة الشيطان: أن يستجيب المرء لدعوة الشيطان في الكفر بالله تعالى والصد عن دينه فيكون بذلك عابدا للشيطان. “ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا”.
قال المؤرخ الإغريقي بلوتارك: “من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار، وبلا ملوك، وبلا ثروة، وبلا آداب، وبلا مسارح، ولكن لم نجد قط مدينة بلا معبد يمارس فيه الإنسان العبادة”.
رأيت شابا لم يبلغ في العلم الشرعي مبلغا يدخل في مجادلات ومناقشات مع أهل البدع والانحراف قاصدا الدفاع عن دين الله عز وجل، والحقيقة هذا مزلق خطير أن يناظر الإنسان وهو لا زال ينقصه كثيرا من العلم، فالإنسان يبدأ بنفسه أولا تعليما وتربية، وخاصة في مرحلة الشباب والصغر، حيث تكون النفس أقدر على الحفظ والتعلم، فيتعلم ويمكث في الطلب حتى ينال ما يعصمه بإذن الله تعالى من الوقوع في الشبهة وما يمنحه القدرة بتوفيق الله تعالى على الرد على أهل البدع والخرافات. الاستعجال في المناقشات والمجادلات ليس محمودا، فالإنسان في مقتبل عمره عليه أن يبتعد عن قراءة كتب أهل البدع فضلا عن مناقشتهم، فمن كانت بضاعته العلمية قليلة، ودخل في مناقشات عقائدية فقد لا يسلم أن تعلق في ذهنه شبهة من الشُبه فيسقط في بدعة ولا يخرج منها، فكان من الحكمة والسلامة أن يؤصل أولا نفسه علميا حتى إذا كبر سنه، واشتد عوده في العلم فلا ضير أن يدخل في المناقشات مع أهل البدع سائلا ربه التوفيق والسداد.
أحيانا تجد أن الخلاف الفقهي يكون أشد من الخلاف الأصولي، فيتحول الخلاف الفرعي، والذي أراه ضرورة بشرية، إلى صدام ونزاع؛ بل أحيانا إلى عداء. جعل الناس على قول واحد أمر متعذر، وعدم قبول اختلاف الناس هو جهل بالطبيعة البشرية، فالله خلق الناس مختلفين، وأراد هذا الاختلاف، والأمة تعددت أقوالها في الفروع وهي مذاهب قائمة لا يمكن أن تزال، فالاختلاف في الأمة أمر واقع ولا يمكن جعل الأمة على قول واحد. علينا أن لا ننكر هذا الاختلاف فهو واقع، ولكن علينا أن نحسن التعامل معه وأن يكون سببا للثراء المعرفي وليس سببا للفرقة والتناحر.
إجماع أهل اللغة على تغليب الذكور على الإناث في الجمع، فإن اجتمع الذكور مع الإناث فإن الرجال يغلبون. • العرف الشرعي, قال الله تعالى عن مريم: “وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين” فـ(القانتين) جمع مذكر سالم، وقوله تعالى: “قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا” وفيهم حواء.
إشراقات من السيرة والأدب
قالت خديجة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام حين ارتعاده وخوفه، قالت: “والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف،وتعين على نوائب الحق”. فهذه بعض من صفات النبي عليه الصلاة والسلام قبل النبوة، وترتكز غالبا على الفعل المتعدي للغير، فكلها أفعال فيها تجمل ومساعدة للآخرين، وهذا يدل على كمال حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وبهذه الصفات النبيلة استنبطت خديجة رضي الله عنها أن الله تعالى لن يخزيه أبدا، فكون الإنسان يتحلي بالصفات النبيلة الكريمة فلن يخذله الله تعالى، فهذه إشارة لطيفة جميلة من أمنا خديجة رضي الله عنها.
قال ابن حزم في “رسائله” وقد ذهب الموت بأخيه ثم أبيه فقال كلمات ملؤها الحزن والأسى: “وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء، وما انتفعتُ بعيش، ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وإنه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفك يطرقني، ولقد نغص تذكري ما مضى كل شيء استأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا”.