في منهجية العلم والقراءة
أحيانا يأخذ بك العجب مأخذه، فمن ذلك، ما جاء عن المزني في قرءاته للرسالة للشافعي، فهو في حالة تواصل معها لا تجد له تفسيرا، فيقول: “أنا أنظر في كتاب الرسالة منذ خمسين سنة ما أعلم أني نظرت فيه مرة إلا وأنا أستفيد شيئا لم أكن عرفته”. فتكرار قراءة كتابا لمدة خمسين سنة أراه لا يكون إلا للقرآن الكريم أو السنة المطهرة، ولكن فعل ذلك مع كتاب أصولي يجعل المرء في حالة اندهاش.
أعجبني ما سماه ألمسيري “الذئب الهيجلي” وهو يعبر عن الرغبة العارمة في نيل أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل، إن لم يكن كلها. وهذا الذئب هو الذي يصرع القراء والكتاب إذ النتيجة لا شيء، فمن رام قراءة كل شيء وجمع المعلومات التي لا يربطها رابط فإنه لا يستطيع إنتاج معرفة. المعرفة لا حدود لها والمعلومات بحر يمكن أن يبتلع المرء، فكان لابد من التوقف عند نقطة يحددها المرء، وإلا لن يصل لساحل الإنتاج أبدًا.
في هذا الزمن إذا تغلبت على “التشتت” فقد ملكت أمرك .. وسلمت من وباء الفوضى الذي أهلك كثيرا من الناس. لتسلم من داء “التشتت”: لا تتعلم كل شيء. لا تقرأ في كل شيء. فقط: “ركز” في شيء تحبه وله ثمره.
قيل قديما: “مثل من يطلب العلم جزافا كمثل حاطب ليل يقطع حزمة حطب فيحملها، ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري”. نحن حين نغذي أجسادنا ننتقي أطيب الأطعمة وأحسنها، ونتجنب السيء الرديء مخافة على أجسادنا، وكذلك حين نقرأ علينا أن ننتقي أجمل الكتب وأنقاها مخافة على عقولنا أن تتلوث، فلا تتناول الكتب الضارة وتقول: لن يضرني شيء، وما يدريك، فلعلي جرثومة فكرية تصيبك بالعطب.
من جميل القول: لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة إلا عندما يتعلم كيف يفكر. فيكتور هوجو
بناء الذات وتحقيق الاستقلالية
تحكمك في حياتك يساعدك على تحقيق ذاتك، فإذا لم تتحكم بلحظتك وساعاتك فستجد العمر يتسرب منك ولم تستطع تحقيق ذاتك ومراداتك، لذا كان من المهم أن لا تجعل البيئة والظروف هي التي تتحكم في حياتك.
هناك طاقات مبدعة ولكن تلاشى إبداعها بسبب ضعفها وخورها، فهي تجبن عن المغامرة والإقدام خوف الوقوع في الخطأ. الخوف عدو الأحلام والطموح. لا يكفي أن تكون مبدعا لتحقق إنجازاتك؛ بل لابد أن تتحرر نفسك من الحواجز الوهمية التي في ذهنك، فالمبدع لابد أن يكون مقدامًا.
الإنسان هو الوحيد الذي يعرف رغباته .. ويعرف قدراته .. ولكنهم لا يتركونه .. لا يتركونه يعمل وفق ما يريد وما يحب لا يتركونه يختار .. يختارون له الرغبات .. يستغلون حياءه .. يكلفونه بما لا يريد .. يصرخ .. هذا لا يناسبني .. هذا لا يتفق مع رغباتي يحرجونه .. يقولون: احتسب .. لا تترك هذه الثغرة يضغطون عليه .. يستحي .. ينصاع لهم .. يتعذب من الداخل .. لا يبالون. لا يجد حلمه .. لا يهتمون. يتهرب منهم … يلاحقونه حتى يرجعونه متغلغلا بسلاسل الحياء .. يعود .. يريد أن يشارك .. لكن لا يستطيع .. يجلس صامتا .. لا يهمهم .. أهم شيء يكون حاضرا .. يفقد نفسه .. لا يبالون .. ما أجمل أن يتعلم المرء كلمة “لا” .. لو قال: لا. لملك نفسه .. ما أشقى أولئك الذين يرون أنهم يعرفون رغبات الآخرين .. ما أتعس أولئك الذين يرسمون أهدافا لغيرهم .. يريدون من الآخرين أن يعملوا كما يعملون .. يحفظ ما حفظوا .. يقرأ ما قرأوا .. ولو ملكوا الأمر .. لأعادوا رسم وجه حتى تكون مثل وجوههم .. ما أجمل أن تقول: لا .. قل لا .. لكل أمر لا ترغبه .. قل لا .. فالخسارة حين تقول: نعم .. وتنكسر من الداخل ..
الأشخاص المنجزون لديهم “الرؤية الذاتية” واضحة، فهم يعرفون ماذا يريدون .. وأين هم الآن .. وأين سيكونون في المستقبل.
التأصيل الشرعي وتصحيح المفاهيم
قال محمد الغزالي رحمه الله: “إن الغفلة عن القرآن الكريم والقصور في إدراك معانيه القريبة أو الدقيقة عاهة نفسية وعقلية لا يداويها إدمان القراءة في كتب السنة. فإن السنة تجئ بعد القرآن، وحسن فقهها يجئ من حسن الفقه في الكتاب نفسه. وقد ذكر ابن كثير أن الإمام الشافعي، قال: كل ما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو مما فهمه من القرآن فكيف يفقه الفرع من جهل الأصل؟!
النقد الصحيح لا أحد ينكره، فلا غضاضة أن تنقد صحيح البخاري أو صحيح مسلم ولكن بشرط أن يكون نقدك بطريقة عملية صحيحة، ومنهجية لا اضطراب فيها، وقد نقد بعض العلماء على ما في الصحيحين ولم يثرب عليهم أحدا، لأن نقدهم كان نقدا علميا، ومن ذلك مثلا، ما قاله ابن تيمية عن صحيح مسلم: “وكذلك صحيح مسلم فيه ألفاظ قليلة غلط، وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ما يبين غلطها، مثل ما روي أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة، فإن هذا الحديث قد بين أئمة الحديث كيحيا بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار; كما قد بسط في موضعه، والقرآن يدل على غلط هذا، ويبين أن الخلق في ستة أيام، وثبت في الصحيح أن آخر الخلق كان يوم الجمعة فيكون أول الخلق يوم الأحد”. انظر “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح” (443/2)
لقد أسقطت الشاعرة قيمة النصوص الشرعية في باب الاعتقاد، فعندهم النصوص لا تفيد اليقين، والعقل عندهم مقدم على النص الشرعي، لذلك ليس من الجدوى ذكر الأدلة الشرعية ومناقشتها لأنها لا تفيد اليقين والعقل أقوى من النص. لهذا تجدهم لا يذكرون الأدلة الشرعية في مصنفاتهم، فأنت تقرأ العدد الكبير من الصفحات ولا تكاد تجد نصا شرعيا، ولو ذكروا نصا فإنما يذكرونه لكي يؤولونه ويغيروا معناه، فذكرهم للنص الشرعي هو من باب التبرع والتنقل وليس من باب الاستدلال وبناء التصور. والكلام في هذا يطول ولك أن تنظر في كتاب “منهج الأشاعرة في العقيدة” فقد بين بطلان مذهبهم بأسلوب علمي رصين يقل نظيره، وهذا الكتاب أراه من الصواعق المحرقة لمذهب الأشاعرة.
من جنون الأقاويل، وغرائبي التأويل، تفسير ابن عربي لقوله تعالى “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه” أن كل من عبد إلها آخر ما عبد إلا الله دون أن يدري فقد قضى ربك بذلك. وهذا ما يقوله أيضا ابن السيد في شعره: وكل معبود سواك دلائل *** من الصنع تنبي أنه لك عابد وبهذا التفسير المنكر لهذه الآية، أبطل الشرك، وجعل الشرك توحيدا، ولم يكن هناك مصلحة من الرسل، وكان قول المشركين “قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا” قولا عبثا. إن أصحاب الحلول والتفسير الباطني يعبثون بكلام الله تعالى، فهم قد اعتقدوا اعتقادا باطلا، وأولوا كل آية وفق معتقداتهم، فجاءوا بالعجائب، وحملوا القرآن والشريعة بالمتناقضات.
إذا وجدت راقيا يأخذ مالا على رقيته .. فنصيحة: تجنبه. لا أقول إن المال الذي يأخذه حرامًا، ولكن لعله يرقيك من أجل المال، والرقية هي تدبر وخشوع قبل أن تكون بحثا عن التكسب. إذا عجزت أن ترقي نفسك، فدع أحدا من أهلك يمسك المصحف ويقرأ ما تيسر من كتاب الله تعالى، ويقرأ السور والآيات التي خصصت بالرقية كالفاتحة والبقرة والمعوذتين وغيرها، وستجد نفعا كبيرا بإذن الله تعالى.
قال الشعراوي رحمه الله تعالى حول قوله تعالى: “لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم” .. قال: “لا حاجةَ للشيطان بأصحاب الصراط المعوج لأنهم أتباعه، فالشيطان لا يذهب إلى الخمارة مثلاً، إنما يذهب إلى المسجد ليُفسِد على المصلين صلاتهم، لذلك البعض ينزعج من الوساوس التي تنتابه في صلاته، وهي في الحقيقة ظاهرة صحية في الإيمان، ولولا أنك في طاعة وعبادة ما وسوس لك”.
الناس بطبيعتها وفطرتها تعرف الحق من الباطل، فالحق لا تكاد تجهله العقول، ولكن تقل رغبة الناس في الانقياد للحق، ليس جهلا بالحق، ولكن لثقل الحق على النفس، فالحق له جلالته وله قوته، والنفوس الضعيفة الواهنة الخائرة لا تقوى على حمل الحق، فتترك الحق وتذهب للباطل لضعف في عزيمتها وسقم في إرادتها.
أدب النفس والمجتمع
أحيانا ينسى الإنسان نفسه، ويظن أنه إله، أو أنه قد تجاوز القنطرة فيتوهم أن الله تعالى قد غفر له ذنوبه، وهذا الوهم الكاذب الخادع، يجعل الإنسان ينظر للآخرين نظرة تعالي، وأنه أفضل منهم، ولك أن تتأمل عندما رأى رجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعض المنكرات، فحملته الغيرة لله على أن قال لصاحب المنكر: والله لا يغفر الله لك، فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك». فهنا الرجل تجاوز في إنكاره، وجزم بأن الله تعالى لا يغفر له، وما يدرك! الإنسان يجب أن يبقى في حالة انكسار حتى ولو لم يقترف الذنوب، فما يدري المرء على ماذا يختم له. فإذا أُعجبت بنفسك وعملك فتوقف مستنكرا على حالك، فالإعجاب داء فتاك، ومرض عضال يقضي على العمل، فقد يكون العاصي الذي تزدريه مقر بذنبه، منكسرا لله تعالى، وأنت بعجبك بنفسك وبتعاليك أصبحت أقل منه منزلة ومكانة. فرفقا بنفسك وبالآخرين.
أصبحت ساعاتي متشابهة .. وأيامي متكررة .. فلم يعد هناك شيئا جديدا أو أمرا مختلفا .. فما عملته بالأمس سأعمله اليوم وأعمله في الغد .. كل ما أخشاه أن تبتلعني الساعات الفاترة المتكررة فتقضي على ما تبقى لدي من حماس وبعض الأمل .. فاللحظات حين لا تتجدد فإنها تخبت الأمل الذي في النفوس ويتسرب إليها الملل واليأس .. كم أخشى من تراخي الزمن .. فكل شيء معه يتراخى ..فتفتر العزائم ويتلاشى الحماس .. وتبقى النفس ضعيفة هزيلة .. فيتشتت هواها .. ويغيب رأيها .. ولا تجد نشوة للانتصار ولا لذة للإنجاز ..
حنين للماضي يكاد يقطع النفس حسرات، وما أقسى ألم الحنين حين يصاحبه وحدة ووحشة من الحاضر، فيكون جمرة تشتعل في الفؤاد، الحنين يشقي ولكن صاحبه لا يطلب أبرادا لهذا الحنين، فالحنين يُشقي ويُسعد، يُتعس ويُبهج، النفس تتألم ولكن في قراراتها ترى هذا الألم غطاء ظاهري لنفس بهجة فرحة بهذا الحنين.
ما أجمل الإصغاء! فهو يستميل المتحدث لأن يتفنن في حديثه، ويغير من أسلوبه من أجل ألا يمل جليسه. الإصغاء يجعلك أكثر تركيزا لحديث الآخرين، وتفهما لما يقولونه. الإصغاء يجعل المتحدث يسترسل في حديثه وهو مبتهجا أن هناك من يسمع له. آفة مجالسنا اليوم، هي أن كل شخص يريد أن يتكلم، يريد أن يستحوذ على المجلس لوحده، وما أن يتحدث شخص إلا ويقاطع حديثه ويعلق على قوله وهو لم يتمه، فمقاطعة المتكلم قبل أن يفرغ من حديثه أصبحت سمة بارزة لا يكاد يسلم منها أحد إلا ما رحم الله. للأسف إننا نفتقد أدب الحديث في مجالسنا. نحن بحاجة أن نسمع أكثر مما نتكلم، بحاجة أن نعطي الآخرين وقتا كافيا ليعبروا عما في نفوسهم، إننا بحاجة أن نصمت حين يتحدث الآخرون كي نعي ونفهم قولهم وكي نشاركهم بإيجابية صادقة، وكي يشعروا بقيمتهم ووجدهم معنا.
قراءات في التاريخ والثقافة
قال الغزالي: “كاد الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية يصدرون تشريعات تبيح التعدد لمعالجة الزيادة الهائلة في عدد النساء! غير أن الكنيسة تدخلت معترضة فوقف التشريع!”. لقد ساهمت الكنيسة في تحطيم المرأة الغربية، المرأة الغربية ابتذلتها العلمانية وباركت الكنيسة هذا الابتذال.
من الروايات القديمة التي أثرت في الفكر الأوربي، رواية “كوخ العم توم” في عام 1852 وكانت الأكثر مبيعا في ذاك القرن، فقد بيعت 300 ألف نسخة في أمريكا، ومليون ونصف في بريطانيا، وقد أصبحت كاتبة الرواية “هارييت ستو” بعد كتابة هذه الرواية أيقونة للنضال ضد الرق والعنصرية، فعندما زارت بريطانيا استقبلتها حشود ضخمة وحرصت ملكة بريطانيا على مقابلتها. لقد أسهمت روايتها في تجيش العواطف، حتى حين استقبلها الرئيس الأمريكي لنكولن في البيت الأبيض قال لها ممازحا: “هذه السيدة الصغيرة هي المسئولة عن تلك الحرب الكبيرة”. ترجمت الرواية لأكثر من ستين لغة، ولا يزال تأثيرها باقيا في الوجدان الأمريكي، فهي تدرس في المدارس والجامعات الأمريكية. يقول د.الطيب بو عزة عن الرواية: “رواية الحرية، وصوت يندّد باستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وقد استطاعت ستو أن تحشد فيضاً من المشاعر الإنسانية والقيم الدينية بلغة بسيطة قريبة من النفس، كما أجادت تصوير الآلام البشرية الناجمة عن الرق والعبودية، ونقل مشاعر الأمهات اللواتي انتُزع أطفالهن منهن ليباعوا في سوق النخاسة. وإذا كانت الرواية من الناحية الفنية تعد من النصوص السردية البسيطة في حبكتها الدرامية”.