نقد منهجية المختصرات في التعليم
قال ابن خلدون في نقده للمختصرات: “ذهب كثير من المتأخّرين إلى اختصار الطّرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدوّنون منها برنامجا مختصرا في كلّ علم يشتمل على حصر مسائله وأدلّتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفنّ. وصار ذلك مخلّا بالبلاغة وعسرا على الفهم. وربّما عمدوا إلى الكتب الأمّهات المطوّلة في الفنون للتّفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله ابن الحاجب في الفقه وابن مالك في العربيّة والخونجيّ في المنطق وأمثالهم. وهو فساد في التّعليم وفيه إخلال بالتّحصيل وذلك لأنّ فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعدّ لقبولها بعد وهو من سوء التّعليم كما سيأتي. ثمّ فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلّم بتتبّع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها. لأنّ ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت. ثمّ بعد ذلك فالملَكة الحاصلة من التّعليم في تلك المختصرات إذا تمّ على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة عن الملكات الّتي تحصل من الموضوعات البسيطة المطوّلة لكثرة ما يقع في تلك من التّكرار والإحالة المفيدين لحصول الملكة التّامّة. وإذا اقتصر على التّكرار قصّرت الملكة لقلّته كشأن هذه الموضوعات المختصرة فقصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلّمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النّافعة وتمكّنها. «ومن يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له».
التعصب المذهبي ونقد ابن حزم له
بلغ التمسك بمذهب مالك في المغرب إلى نوع من التعصب حتى قال ابن حزم: “قد وصل أهل الأندلس في تقليد مالك حتى عرضوا كلامه تعالى وكلام رسوله على مذاهب إمامهم، فإن وافقاه قبلوهما وإلا طرحوهما، وأخذوا بقول صاحبهم، مع أنه غير معصوم، ولا نعلم بعد الكفر بالله معصية أعظم من هذا”.
تجربة ابن العربي في القضاء
يذكر ابن العربي رحمه الله تعالى حين عُرضت عليه ولاية القضاء، وأنه وافق على قبول هذا المنصب الخطير، الذي مكث فيه ستة وبضعة أشهر، ثم تركه حين ثارت الغوغاء في وجهه، وقال أنه قبل المنصب مختارا لثلاثة أوجه: أحدها: سر ما بيني وبين الله. والثاني: معاينتي للباطل قد دمّر الأرض، فأردت أن أصلح ما تمكنت منها، من كف الظلم والاعتداء، وبث الأمن، وحفظ الأموال، وكف الأطماع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفك الأسير، والتحصين على الخلق بالسور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، فحكمت حتى أرِجَت أقْطَارِي، وَرُفِعَ السَّمَر بِأخْبَارِي، فَضَجَّ العُداة، وظهر الولاة حين صَفُرَ وِطَافُهُم من الحرام، وابيضت صحائفهم من الآثام، فَدَسُّوا إليّ نفراً من العامة فثاروا على، وساروا إليّ، فَنُهِبَت داري، وهم قيام ينظرون، ولا يغيرون ولا ينكرون، فانتشلوا مالي، وهدموا مسجدي وداري … وتعرضوا لنفسي فَكَفَّ الله أيديهم عني، ولقد وطّنتها على التلف وأنا أنشد لخُبَيْب: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً … عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ في الله مَصْرَعِي وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار لكنت قتيل الدار. الثالث: أن الناس كانوا يظنون أن الأرض خالية عن سياسة درب بالخلق، درب بإقامة الحق فأردت أن أكشف لهم عن بنات صدري، وأعلمَهُم كيفية وِرْدِي في الأمر.
شغف ابن العربي بطلب العلم
يصوّر لنا بعضُ تلاميذ ابن العربي رحمه الله تعالى الحياةَ العلميةَ التي كان يعيشها في خَلوة العلم والبحث فيقول: ” … وكنا نبيت معه في منزله بقرطبة، فكانت الكتب عن يمينه وعن شماله، وكان لا يتجرد من ثوبه، وكانت له ثياب طويلة يلبسها بالليل وينام فيها إذا غلبه النوم، ومهما استيقظ مَدَّ يده إلى كتاب، وكان مصباحه لا ينطفئ الليلَ كله”. البغية: (83(
الإصرار على النهوض
استمر في النهوض في كل مرة تسقط فيها .. فالنجاح لا بد أن يسبقه سقطات وإخفاقات.
المظهر والجوهر في شخصية العظماء
كان جمال الدين الأفغاني يجلس في القهوات، وقد كان هذا الفعل مستهجن في زمنه، فعابه الناس على هذا الفعل، ولكنه كان يرى أن هذه فرصة في الحديث مع الناس ومعرفة طبائعهم وشمائلهم، وقد كان لجلوسه أثر اجتماعي كبير. قال زكي مبارك رحمه الله تعالى: “الأخلاق الحقيقية للعظماء هي أجل وأدق من أن يفهمها عوام الناس، وما تعلق متعلق بهفوة صورية لرجل من الأكابر إلا وهو غافل جهول، فما تسمح قوانين الحياة بأن يسود رجل إلا وهو على جانب من متانة الخلق، وسجاحة النفس، ورصانة الطبع، وطهارة القلب، ولو كره المتزلفون إلى المجد بالوصولية والضعة والاستخذاء. دلوني على عظيم واحد أثر عنه الانقياد لهواه في صباه. ما نبغ في الدنيا نابغ إلا بعد أن قدم شبابه قربانا للمجد”.
نقد التفسيرات غير العلمية للتاريخ
أحيانًا تشعر أن العنصرية لا تفارق أي شيء؛ حتى في تفسير التطور الحضاري، فيقولون: الحضارات القديمة نشأت في المناطق الحارة مثل مصر والهند.. ومع تطور الإنسان انتقلت حضارته إلى الباردة مثل إنجلترا والسويد.. تفسيرات الأحداث والوقائع التاريخية إذا لم تكن مبنية على منهجية علمية فإنها لن تسلم من العبث ولن تكون محايدة. لذلك لا تبني على هذه التفسيرات علما مطلقا، فالإنسان في تفسيره ليس منصفا دائما.
داء التقليد وسبيل القوة
قال محمود شاكر رحمه الله تعالى: ” من بلاء الأمم الضعيفة بنفسها، أن انبعاثها إلى التقليد – تقليد القوي- أشد من انبعاثها لتجديد تاريخها بأسباب القوة”.
انطباعات حول رواية “لعبة المغزل”
للتو انتهيت من قراءة رواية “لعبة المغزل” للروائي الإرتري حجي جابر، وكم وددت أنها لم تنته، فقد غصت فيها وعشت معها حتى شعرت أنني من شخصيات الرواية، فهي لا تنفك الإثارة والتشويق في سير الرواية، فهي تنقلك من حدث لآخر، وتجعلك تعيش كل حدث بشوق ولهفة وتطلع. الرواية فيها جرأة وخروج على المألوف، رواية فيها كثير من الإثارة، كل صفحة فيها تشدك لقراءة ما بعدها، تجعلك في حالة عطش تبحث عن ارتواء، فقد أبدع الراوي في استخدام الألفاظ. وهذا أكثر ما شدني في الرواية هي لغة الكاتب، فلغته السردية جميلة ومتماسكة، ووصفه للحالات النفسية فيه اقتدار، وأعجبني النهاية غير المتوقعة للرواية، فهي صدمة للقارئ، الرواية تستحق القراءة. الرواية تحكي أن الحقيقة لا تظهر للناس، وأن القوي هو الذي يصنع ما يريده أن يكون حقيقة في أذهان الناس، ولا يمكن معرفة الحقيقة إلا بمعاناة وتضحية ومخاطر، فالوصول للحقيقة قد يعني، في بعض الأحيان، التضحية بالذات. في بداية الرواية شعرت بالملل، وكدت أتوقف عن قراءتها، ولكن حين تعمقت أكثر وجدت صعوبة أن أتركها، فهي تسير في تجمل وحسن في خط تصاعدي، وهذا من جمال صنعة الرواية أن تستمر تأخذك برفق حتى تصلك للدهشة والإثارة.
مقارنة الذات بالتطور الشخصي
لا تقارن نفسك بالآخرين، ولا تحاول أن تفقد شخصيتك وتذوب في شخصية غيرك، انظر للآخرين فقط من باب الإثارة والتحفيز ولكن ليس من باب اللوم الذاتي وتقسيم نفسك. اسعي دوما لتغيير وتطوير نفسك عن طريق أهداف وخطط، قارن نفسك مع ماضيها، فهل أنت تسير نحو تطور مطرد أم أنك ثابت في مكانك، فالشخص الذي يجب أن تكون أفضل منه هو أنت، فاجعل يومك أفضل من أمسك فهذا أفضل مسلك نحو الترقي.
الثقة بالنفس والمغامرة بالتغيير
أكبر عدو في تحقيق الإنجاز هو النظر للذات نظرة دونية؛ لكي تستمع بحياتك وتحقّق أحلامك لا تقف كثيرًا أمام ما يواجهك من صعوبات بحجة أنك غير قادر، أو لا تمتلك الموهبة لذلك، عليك أن تؤمن بما وهبك الله من طاقاتك وقدراتك، وعليك – أيضًا – أن تخاطر فإن فشلت فزد ثقتك بذاتك؛ فأنت اكتسبت خبرة لم تكن تملكها من قبل.
الانتصار الحقيقي في الإنسانية
توقف عن إنهاء السباق ورجع يحمل منافسه ويمد له يد العون ليشاركه الفوز .. هذا هو الانتصار الحقيقي، فالفوز الحقيقي أن تبقى إنسانيتك حية ولا تنساها وقت التنافس والصراع … موقف تاريخي لا يمحوه التاريخ.
متطلبات العقول القيادية
في هذا الزمن، نحن بأمسِّ الحاجة لعقول مفكرة قادرة على استيعاب متطلبات الواقع وفق المنهج الرباني، تنطلق مع الحق حيثما كان؛ لتمزق حجبَ الباطل، وتنيرَ الطريق للبشرية بنور الوحي، نحن بحاجة ماسَّة لعقول متحررة من طغيان الجهل، وسلاسل الهوى، وقيود التقليد، قد كسرت الجمودَ، وانطلقت نحو العلم الديني والدنيوي، تبتغي إعلاءَ الحق لا إعلاءَ ذواتها.
استدامة الأحلام
لا تجعل لأحلامك تاريخ صلاحية، كل يوم جدد أحلامك حتى تراها واقعًا بين يديك.
العظمة ونصرة الذات
” … الأمم لا تنجب العظماء إلا مرغمة. إذن، لن يكون الرجل عظيما إلا إذا انتصر على أمته جمعاء …” شارل بودلير
رفق المربي في التعامل مع الأخطاء
جاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: “سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال بعض القوم: لو عرّست (التعريس: هو نزول المسافر آخر الليل نزلة للاستراحة وللنوم) بنا يا رسول الله؟ قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء. الحديث” فما ألطف النبي عليه الصلاة والسلام في تعامله مع الصحابة، فلم يوبخ أحدا ولم يعاتب أحدا، حين ناموا عن الصلاة وإنما قال: “إن الله قبض أرواحكم حين شاء” .. فما أجمل المربي أن يسلك هذا المسلك، أن يكون رقيقا لطيفا ودودا في تعامله مع الآخرين .. “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم” .. فباللين والعفو والغفران تكسب قلوب الآخرين.
النجاح والخوف من الفشل
إذا كنت تخاف من الفشل؛ فأنت لا تستحق النجاح. تشارل باركلي
القاعدة الشرعية في الأمانة
قال القوافي: ” القاعدة الشرعية: إن كل أحد مؤتمن على ما يدعيه، فإذا قال الكافر: هذا مالي، أو هذا العبد رقيق لي، صدق في ذلك كله، وكذلك إذا قال: هذا ذكيته، فهو مؤتمن فيه، كما لو ادعى أي سبب من الأسباب المقررة للملك من الإرث والاكتساب بالصناعة والزراعة وغير ذلك، فهو مؤتمن، إذ كل أحد مؤتمن على ما يدعيه مما هو تحت يده في أنه مباح له، أو ملكه؛ لأنه لا يروي لنا دينا، ولا يشهد عندنا في إثبات حكم، بل هذا من باب التأمين المطلق “. كتاب الفروق للقرافي (15/1)
تحدي العقل الغربي المعاصر
أحد أسباب العجز الذي نلحظه هو أننا نفتقد الثقة الذاتية وأننا لسنا أهلا لأن نقدم شيئا قويا، وهذا لا تجده في العقل الغربي المعاصر، فالعقل الغربي يجعل للجميع حق التفكير وأنه قادر على تجاوز من سبقه
خطورة القارئ الإمعة واستقلال الفكر
قد يكون الإنسان كثير القراءة، لدرجة التهام الكتب ولكنه في تفكيره إمعة، فهو غير مستقل التفكير، فلم تفده قراءته في الترقي الفكري أو في الاستقلال في الفهم أو في بناء منظومة معرفية. والإمعة القارئ أشد خطرا من الإمعة الجاهل، فالجاهل لديه عذره، وربما لو تعلم لاستقل بفكره، ولكن القارئ لا عذر له غير أنه فاقد الثقة في تفكيره وعاجز عن الاستفادة مما قرأ، وصعب تغييره لأنه يملك المعلومة ولا يحسن تقديرها. القارئ أو الكاتب الإمعة لا يمكنه أن يقدم جديدا فهو قد سلم فكره لغيره، ومن تنازل عن فكره، فكيف يبدع ويبتكر وهو لا فكر له؟ فهو وإن كتب لا ينشر فكره على الحقيقة؛ وإنما ينشر فكر غيره الذي تمثله في نفسه، لذلك لا تجده يستدرك على نفسه شيئا، لأنه لا يتمثل نفسه. الإسلام جاء ليحرر العقل من سيطرة الآخرين، ويجعل العقل ملكا للإنسان، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: “لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا؛ ظلمنا ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا”. فهذا الحديث يظهر لك مقدار السعي للتميز الذاتي، والمحافظة على الشخصية من الذوبان في الآخرين، وذلك بتوطينها على التفكير المنطقي: إذا أحسن الناس أحس، وإذا أساءوا فلا. وقس على هذا جميع شؤون الحياة. تجريد العقل لا يعني التمرد بحال، ولكن يعني القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، القدرة على فعل الصواب، القدرة على التخلص من المؤثرات الخارجية، والإنسان الذي يجامل، ويتملق، ويخشى أن يعلن عن آراءه هو غالبا سيسير خلف الآخرين دون وعي، وسيقودونه حيثما شاءوا، فمن جبّن أن يقول رأيه وعجز أن يستقل بفكره فهو آلة تردد ما ينتجه ويقوله الآخرون. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (اغدُ عالمًا أو متعلمًا ولا تكوننَّ إمَّعة)؛ فأخرج الإمعة من زُمرة العلماء والمتعلمين، وإذا لم يكن الإمعة عالما ولا متعلما فلم يبق إلا أن يكون جاهلا مقلدا يُساق حيث أراد الآخرون. عش حياتك، وقل رأيك، وأعلن عن أفكارك، حتى ولو أخطأت فهو خير أن تكون ذيلًا أو إمعة، فليس شرطًا إذا فتحوا الناس أفواههم أن تفتح فاهك، ولكن شرطًا أن يكون ما تقوله هو نابع من قناعتك وناتج من ذاتك. فإن كان ما قلته خطأ وتبين لك خطأك فارجع عنه غير مكترث ولا مبالي، وإن كان ما قلته صوابا فالزمه وإن كنت وحدك.