الجهد والنبوغ في التحصيل العلمي
العطاء المعرفي ليس له بداية عمرية محددة، وإنما يعتمد بشكل كبير على الجهد والنبوغ، ونحن لو تأملنا في سيرة العبقري الجليل مالك بن أنس رحمه الله تعالى لوجدناه بدأ طلب العلم وعمره سبع سنين، ليكون شيخ علم في سن السابعة عشر من عمره، فتصدره للفتوى وهو بهذا السن دلالة وعي وأثر جهد بذله خلال نموه. وهو لم يتصدر الفتوى بقرار ذاتي وتزكية ذاتية؛ وإنما بتزكية من علماء كبار في زمنه، فقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه “الفقيه والمتفقه” (2/325) عن أنس بن مالك قوله: “ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك”. فكان لا ينصب أحدا للفتوى حتى يشهد فقهاء عصره بأهليته لذلك. وأنس بن مالك نفسه يجعل ضابطا للمفتي وهو أن يكون علماء عصره يشهدون له بأنه أهل لذلك، فيقول: ” ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل يراني موضعا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو نهوك، قال: كنت أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه “. ومثله الشافعي رحمه الله تعالى، فقد حرص منذ صغره على التعلم المبكر حتى نال درجة الإفتاء وهو في عمر الخامسة عشر، جاء في “لوامع الأنوار البهية” (2/462) قول الشافعي عن نفسه – رحمه الله تعالى -: “حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر. وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة”. فالمعرفة لا ترتبط بالسن وإنما كما ذكرت بالجهد والنبوغ؛ حتى قال هارون بن سعيد الأيلي: “لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة أنه من الخشب لغلب لاقتداره على المناظرة”. ولو استرسلنا في الحديث لوجدنا أن كثيرا من المبدعين في تاريخ الأمة ارتبط إبداعهم بجهدهم منذ الصغر، فالصغير حين يُعلم ويُربى على المعرفة ومجالسة العلماء فإنه غالبًا سيكون عالمًا متميزًا، وحين يترك في صغره دون رعاية علمية ولا اهتمام له في تحفظيه والقراءة له فإنه سيكون شخصًا عاديًا حتى ولو كان يملك الموهبة والقدرة على الإبداع، فالإبداع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجهد والكد والبذل والحرص؛ وليس فقط على المقدرة الذهنية، فالعقل الذكي إذا لم يهذب ويعلم فإنه سيكون عقلا عاديا أو عقلا غير منتج للمعرفة.
معضلة ترتيب الأفكار
ترتيب الأفكار قضية معقدة كتعقيد الأفكار ذاتها، فالفكرة لا تنمو لوحدها بل تحتاج لفكرة أخرى وثالثة ورابعة وهكذا دواليك دون معرفة آلية ترتيبها، وكيفية تنظيمها فإنها تنتقل من السلاسة والبساطة إلى التعقيد والغموض، ووجود الأفكار لا يعني بالضرورة القدرة على ترتيب الأفكار، فأنت قد تجد بعض الفلاسفة الكبار ينتج أفكاراً جميلة ولكنه لا يحسن ترتيب هذه الأفكار فيكون غامضاً لدرجة أن الناس ينفرون من قراءة أفكاره، فهو قد أحسن توليد الأفكار لكنه لم يحسن في تنسيقها.
جدلية الرواية والقراءة العلمية
لا أخفيكم سرًا، أنا من الأشخاص الذين لا يقرأون الروايات، فالروايات التي قرأتها في حياتي قليلة جدًا، ولا أعلم ما سر هذا مع قناعتي أن الرواية أسلوب مانع في توصيل الفكرة. وقناعتي أن الرواية الجيدة: تنمي الخيال وتزيد من المحصول اللغوي للقارئ، بل وأراها مدرسة لفهم الحياة ومشاهدة صور لا تظهر إلا في الرواية. ولكن لا أعلم لماذا قراءتي للروايات قليل جدا. أذكر في صغري أنني قرأت جُل روايات وكتابات “غادة السمان”، وكثير من روايات “نجيب محفوظ”، ثم تركت هذا الفن واتجهت للقراءة العلمية التي صرفتني عن قراءة الرواية، والحقيقة أن مكتبتي فيها كثير من الروايات ولكن لضيق الوقت ولتزاحم القراءة لم أتمكن من قراءة ما اقتنيه من روايات، حتى أنني قررت يوما أن أقرأ روايات “مدن الملح” للروائي عبد الرحمن المنيف، وهي خماسية مشهورة، فقرأت المجلد الأول “التيه”، ثم تركتها وعدت لقراءة الكتب العلمية، أجدني في صراع ونزاع مع نفسي، إذ تتوق نفسي لقراءة الروايات وما أن أقرأ رواية إلا وأجدني أجد في إنهائها كي أعود لقراءة ما اعتدت عليه. لست أعلم هل أنتم مثلي، تكونون في حالة شد وجذب مع الروايات؟
دلالات اليقين والشك في القرآن
الظن يراد في القرآن على معنيين: اليقين والشك. وقد نقل أبو البقاء في كتابه “الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية” ص 588 عن الزركشي ضابطين في معنى الظن في القرآن، فقال: “وقال الزركشي: للفرق بينهما ضابطان في القرآن: أحدهما: أنه حيث وجد الظن محمودا مثابا عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذموما متوعدا عليه بالعذاب فهو الشك: والثاني: أن كل ظن يتصل به (أن) المخففة فهو شك نحو: {بل ظننتم أَن لن يَنْقَلِب الرَّسُول} وكل ظن يتصل به (أن) المشددة فهو يقين كقوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي ملاق حسابيه} ، والمعنى في ذلك أن المشددة لتأكيد فدخلت في اليقين، والمخففة بخلافها فدخلت في الشك”.
مشهد وفاة أبي ذر الغفاري
وفاة أبي ذر رضي الله عنه وفاة غريبة، فيها من الحزن والألم الشيء الكثير، فقد وافته المنية وهو في منفاه، بعيدًا عن الناس، يعاني ألم البُعد والوحشة، قد كبر سنه، وأثقله المرض، ولم يكن معه حين وفاته إلا امرأته، فقد مشى وحده، ومات وحده. يذكر البيهقي في “دلائل النبوة” (401/6) كيف كان فجعة وقلق زوجته حين موته لوحده، فقالت أم ذر: “لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال لي: ما يبكيك فقلت: ومالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنا لي ولا لك قال: فأبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: «ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين» وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة فأنا ذلك الرجل والله ما كذبت ولا كذبت فأبصري الطريق. فقلت: أنا وقد ذهب الحاج وتقطعت الطريق . قال اذهبي فتبصري. قالت: فكنت أشتد إلى الكثيب ثم أرجع فأمرضه فبينما أنا وهو كذلك؛ إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تخد بهم رواحلهم … قالت: فألحتُ بثوبي؛ فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي فقالوا: من هو؟ قالت: أبو ذر! قالوا: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم! ففدوه بآبائهم وأمهاتهم- وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال: أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين فما من أولئك النفر رجل إلا وقد هلك في قرية وجماعة والله ما كذبت ولا كذبت، أنتم تسمعون أنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، أني أنشدكم الله ثم إني أنشدكم الله أن لا يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا. وليس من أولئك النفر إلا وقد قارف ما قال، إلا فتى من الأنصار، فقال أكفنك يا عم أكفنك، في ردائي هذا أو في ثوبين في عبيتي من غزل أمي. قال: أنت فكفّني، فكفنه الأنصاري من النفر الذين حضروه وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان. وكان في هذا الحديث عن أبي ذر: فابشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يموت- بين امرأتين مسلمين- ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا». لحظات من الألم لا تُنسى عاشتها أم ذر وهي تودع رفيق دربها، وأنيس وحشتها، لحظات مؤلمة مفجعة لا يمكن أن تنسى ألمها وفزعتها وهي تطفئ سراج أبي ذر الذي لن يغيب نوره عن فؤادها المكلوم.
صراع الأفكار والنوم
عندما ما يرهقني التعب ويثقلني النوم؛ أحاول دومًا أن أدفع النوم بقدر استطاعتي؛ لأني أشعر أنني بحاجة ملحة إلى الانتباه والتفكير أكثر من حاجتي للنوم. ولكن يزداد تعبي حتى لا أقوى على المقاومة، أذهب لغرفتي وما أن ألقي بنفسي على الفراش حتى تتسارع الأفكار نحوي وكأنها تنتظر لحظة الظلام لتستيقظ هي من سباتها وتوقظني معها، فيدبر عني النوم وأبقى ملازما للفراش: لا مستيقظا ولا نائما، فلا جسمي يقوى على النهوض من التعب، ولا الأفكار تتركني وتدعني أنام. لا أعلم هل هذا من الشقاء! لا أعلم .. ولا أدري لماذا تتزاحم عليّ الأفكار حين أريد النوم! ففي النهار كان همي كيف استدعي الأفكار، والآن همي كيف أتخلص منها، ومن نكد اللحظات وتعاستها أنني دومًا أفشل في تشتيتها وإبعادها عني، ويزداد حنقي، حين استيقظ من نومي ولا أجد تلك الأفكار التي أسهرتني وأرقتني… لست أدري: هل أنتم مثلي قد أثقلتكم أفكاركم؟ …
تساؤلات حول ماهية السعادة
هنا أثير بعض الأسئلة المتعلقة بالسعادة .. أضع أسئلة دون أجوبة لها .. فأنا أعلم أننا لن نتفق في الأجوبة .. أسئلة أنثرها دون ترتيب فالهدف هو اكتشاف معنى السعادة .. ودعوني أبدأ هذه الأسئلة بهذا التساؤل: • هل قيمة السعادة تكمن في البحث عنها أم في الوصول إليها؟ • فهل السعادة بحثا مستمرا لا يمكن الوصول إليها، حتى ولو وصلت للسعادة فإنك تبقى في حالة بحث عنها، يعني استحالة الوصول إليها. أم يمكن تحقيقها والوصول إليها. ولو وصلت للسعادة فهل ستبقى أبدية أم حين الوصول إليها ترحل وتتلاشى؟ • هذه الأسئلة تفتح أبوابا لأسئلة أخرى : • هل يمكن تحقيق السعادة بشكل فردي أم لابد أن يكون هناك أًناس يشاركونا في تحقيق سعادتنا؟ • ويتعلق بذلك: هل السعادة هي الشعور بالمتعة؟ • هل السعادة تكتسب من الخارج أم تنبعث من الداخل؟ • هل المعاناة تنفي السعادة، أم أن السعادة لا تأتي إلا من معاناة؟ • العاشق المتيم يعيش معاناة في عشقه، ويشعر بسعادة في عشقه، فكيف تجتمع المعاناة والسعادة؟ • لو افترضنا جدلا: إن الحياة لا موت فيها ولا مرض ولا ألم ولا فقر ولا معاناة .. فهل نال الإنسان سعادته؟ • وهل سيشعر بكآبة السعادة، إن صحت التسمية؟ • هل تحقيق السعادة هي الغاية الأسمى الإنسان؟ • هل السعادة هاجس كل إنسان؟ • هل السعادة هي النجاح وتحقيق الهدف، أي: هل كل ناجح سعيد؟ • إذا كانت السعادة في تحقيق اللذة، والحيوان يحس باللذة، فهل الحيوان أيضا يشعر بالسعادة؟ • ما علاقة الفرح بالسعادة؟ هل الفرح هو السعادة؟ • الدين، والفن، ما علاقتهما بالسعادة؟ • هل الجمال المادي والمعنوي هو السعادة أو ما علاقته بالسعادة؟ • العيش الهنيء والأمن .. هل هما ذات السعادة؟ • ما علامة الحياة البائسة وما علامة الحياة السعيدة؟ • المرض والفقر والفُقد .. هل هي فعلا تسلب السعادة؟ • الناس يربطون السعادة بالمال، فهل علاقة السعادة بالمال علاقة تلازم؟ • هل علاقة الفضيلة بالسعادة كعلاقة المال بالسعادة؟ • هل يمكن أن يكون هناك شخصا سعيدا كامل السعادة لا يشوب حياته شيء من الكدر؟ • هل السعادة نوع واحد؟ أم هناك سعادة صغرى وسعادة كبرى ..؟ • الشجاعة، الذكاء، الكرم .. وفي المقابل: الجبن، الغباء، البخل .. أي ذلك يجلب السعادة؟ • هل الأغبياء أكثر سعادة أم الأذكياء أكثر؟ • أيهما أكثر سعادة: الرجل أم المرأة؟ الكبير أم الصغير؟ • هل للسعادة حد زمني؟ أم أنها لا تعترف بالزمان ولا المكان؟ • لماذا ترتبط الطفولة بالسعادة، هل السعادة هي الخلو من الهم؟ • ما سر اختلاف الناس في تحديد مفهوم السعادة وفي وسائلها؟ …