بين يدي البلاء والرضا
أحيانا يخالج المرء شعورا أن وضعه السيئ الذي يعيشه لن يتغير، ويتصور أن حياته ستبقى على هذا الحال. وهذا الشعور هو شعور خاطئ بلا شك، فلو تأمل قليلا لأدرك أن الظرف الصعب الذي يعيشه لن يدوم وسيرحل ويكون من الذكريات، فهذه طبيعة الحياة؛ فهي في حال تغير وتبدل لا ثبات وسكون. الابتلاء لا بد أن يمر بالإنسان، والابتلاءات صورها كثيرة جدا، وهذه الابتلاءات نستطيع تجاوزها إذا سلكنا الطريق الصحيح؛ ومن ذلك: الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، وحسن الظن بالله تعالى؛ فمن أسعدك في الماضي؛ سيسعدك في المستقبل، ومن صرف عنك السوء في الماضي؛ سيصرفه عنك في المستقبل، ومع حسن الظن هذا؛ ادع الله تعالى بأن يصرف عنك البلاء، فالله يريد منا أن نلتجئ إليه، “أدعوني استجب لكم”، فقط استحضر قلبك وارفع يديك وأدعو بقلب منكسر لله تعالى ثم ارتقب الفرج ولا تستعجل. ومع هذه الشدة التي تمر بها، تذكر أن لحظات الرخاء والسعادة كانت أكثر بكثير من لحظات المعاناة، فلو مر بك يوما ما يسوؤك فلا تتبرم وتجزع وتنس نِعم الله تعالى عليك والتي هي لا تحصى ولا تعد، بل كن شاكرا عند النعمى، صابرا وراضيا عند الضراء، ولو فعلت هذا لنعمت نفسك ولسعدت، فمع الرضا يخف على النفس البلاء، وكأنه لا ضيم ولا بلاء. عوّد نفسك حين البلاء أن تحمد الله تعالى وتشكره، فأنت لست بذلك تنال الأجر فحسب؛ بل ترتقي بنفسك وتتعالى فوق المحنة التي تمر بها، فدع قلبك دائما في حالة ارتياح واطمئنان ورضا، فما اختاره الله تعالى لك هو خير، لذا دع نظرك وفكرك يتجه دوما نحو النعم وتعامى وتجاهل المحن التي تمر بك، فلو جعلت بصرك لا يرى إلا المحن والمصائب فلن ترى المنح التي في طيات البلاء، فالتفت دوما إلى ما أكرمك الله تعالى، لترى أن هذا البلاء كرامة من الله تعالى لك؛ ليكفر به سيئاتك ويرفع به درجتك، فتلقى الله تعالى وقد ذهب عنك السيئات ونلت عظيم الحسنات، فالسعادة الحقيقية، والكرامة الكبرى أن تلقى الله تعالى وقد ذهب الله تعالى عنك سيئاتك. فانظر للبلاء دائما بهذا المنظار.
موازين القراءة والكتابة والمعرفة
أسوأ ما يكتب المرء حين يكتب للسوق، حين يكتب للثراء المالي وليس للثراء المعرفي، فمن كتب للمال فلن تجد منه فكرة خلابة، ولا معرفة فاتنة؛ بل غالب ما تقرأ رص عبارات وتكرار كلمات وإعادة إنتاج الآخرين بصيغة مختلفة. الكتابة هي تعبير عن الذات، هي إضفاء قيمة معرفية، وإثراء للمعرفة، وليست للاسترزاق، ولعلي لا أخطئ القول إن قلت: إن الذين يتاجرون بأقلامهم ويجعلون المعرفة سلعة للتكسب قد ساهموا في تسطيح الفكر، فالقلم لا يمكن أن يكون محايدا، فإما أن يرتقي بك أو يسفل بك. والقلم الذي لا يبالي بالمعرفة فلن يرتقي بالآخرين.
قراءتنا حين لا يكون فيها الجهد الذهني فهي قراءة بسيطة، سرعان ما تنطمس من الذاكرة، وتبقى رسوما في الذاكرة لا يحسن منها إخراج معنى مكتملا. القراءة هي حفر في الذهن، هي كد للعقل، فعيناك تقرأ، وقلمك يكتب، ويشطب، ويستبدل، وحينا يضع لونا، وحين يضع خطا، فالقراءة تتطلب أن يستجمع القارئ معارفه ومنطقه اللغوي والمعرفي والفكري، حتى يفهم ما يقرأ ويتجاوز ما قرأ. القارئ هو بين فكرين: فكر ما يقرأ له، وفكره الذاتي، فلا يريد أن يلغي فكره ولا يحق له، وعليه ألا يلغي فكر من يقرأ له ولا يحق له، وهذا سر الإجهاد الذهني: وهي المحاولة الجادة في فهم الفكريين، ثم الجهد الآخر في الوصول للحقيقة، وهذه تتطلب جهدا تجعل القارئ ينتقل من مرحلة التلقي إلى مرحلة النقد التي هي أشد معاناة وأصعب مطلبا. ..
كنت أتأمل .. ما سر تميز أهل المغرب بالطرح العلمي الرصين على مستوى الفلسفة وعلى مستوى التأصيل المعرفي! وللجواب على هذا التأمل يتطلب الوقوف على البيئة العلمية التي أنتجت هذا الكم المعرفي الحديث الذي لا نجده في المشرق، وعدم وقوفي على البيئة العلمية المغربية لا يمنحني القدرة في الوصول لنتيجة صحيحة. ولكن أقول: استنباطا مما أجده في كتاباتهم هو تمكنهم من اللغة العربية من ناحية المعاني وقدرتهم على صياغة الفكرة في أسلوب أدبي رصين وهذا يعني أن معرفتهم تعتمد على القراءة وليس على المشافهة، ولست هنا في صد مقارنة بين الطريقتين؛ ولكن التلقي عن طريق الكتاب ترتقي بالمرء من ناحية الأسلوب الكتابي وجمال الصياغة. ولعل أيضا من الأسباب هو احتكاكهم المباشر بالثقافة الغربية، فقلما تجد عالما أو مفكرا مغاربيا لا يتقن لغتين، وهذا ربما جعلهم قادرين على تناول الأفكار المعاصرة قراءة ونقدا وتقديم رؤى لا نجدها عند القلم المشرقي. ولك أن تضيف أن الفكر المقاصدي له أثر في ذلك، فلقد هيمن الفكر المقاصدي عبي الفكر المغاربي المعاصر مما جعله ينظر دوما للكليات والتي هي أساس الجزئيات، والنظر في الكليات تعطي المرء شمولية في التصور، وقدرة على الفهم أوسع من النظر الجزئي. …
قال أحمد فارس الشدياق يشكو فيها حاله مع الترجمة:
ومن فاته التعريب لم يدر ما العنا
ولم يصل نار الحرب إلا المحارب
أرى ألف معنى ما له من مجانس
لدينا وألفا ما له ما يناسب
وألفا من الألفاظ دون مرادف
وفصلا مكان الوصل والوصل واجب
وأسلوب إيجاز إذا الحال تقتضي
أساليب إطناب لتوعي المطالب
فيا ليت قومي يعلمون بأنني
على نكد التعريب جدي ذاهب …..
منهج التعامل مع السنة النبوية
فائدة حسنة: قال ابن قيم رحمه الله تعالى كلاما جميلا في وجوب تعظيم حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، يحسن للمسلم قراءته، قال رحمه الله تعالى: “وقد كان السَّلفُ الطَّيِّبُ يشتدُّ نكيرُهم وغضبُهم على مَنْ عارض حديثَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوِّغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وبقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65]، وبقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)} [الأعراف: 3] وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: “ثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال كذا وكذا”، يقول: من قال بهذا؟! ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، يجعل جهله بالقائل به حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفته تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى إتفاقهم على مخالفة سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأقبح من ذلك: عذرُه في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة، واللَّه المستعان. ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام ألبتة قال: لا نعمل بحديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى نعرف من عمل به، فإن جَهِلَ مَنْ بلغه الحديث مَنْ عَمِل به لم يحل له أن يعمل به، كما يقول هذا القائل” كتاب “إعلام الموقعين عن رب العالمين” (4/188)
ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بعض الأصول والقواعد التي أقامها الخلف حتى صرفتهم عن السنة دراسة وإتباعا، وقد حصرها الشيخ رحمه الله تعالى في الأمور التالية: الأول: قول بعض علماء الكلام: إن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة وصرح بعض الدعاة الإسلاميين اليوم بأنه لا يجوز أخذ العقيدة منه بل يحرم. الثاني: بعض القواعد التي تبنتها بعض المذاهب المتبعة في “أصولها” وذكر منها ما يلي: أ – تقديم القياس على خبر الآحاد. ب – رد خبر الآحاد إذا خالف الأصول. ج – رد الحديث المتضمن حكما زائدا على نص القرآن بدعوى أن ذلك نسخ له والسنة لا تنسخ القرآن. د – تقديم العام على الخاص عند التعارض أو عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. هـ – تقديم أهل المدينة على الحديث الصحيح الثالث: التقليد واتخاذه مذهبا ودينا. من كتاب “الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام” ص 38 ..
من ذاكرة الحضارة وأخبار العلماء
وصفت خراسان بأنها جنة العلماء، وفيها “كان في كل جامع كبير مكتبة، لأنه كان من عادة العلماء أن يوقفوا كتبهم على الجوامع. ويقال إن خزانة الكتب “بمرو” كانت تحوي كتب يزدجرد؛ لأنه حملها إليها وتركها. وكان الملوك يفاخرون بجمع الكتب حتى كان لكل ملك من ملوك الإسلام الثلاثة الكبار بمصر وقرطبة وبغداد في أواخر القرن الرابع ولعٌ شديد بالكتب؛ فكان الحكم صاحب الأندلس يبعث رجالا إلى جميع بلاد المشرق ليشتروا له الكتب عند أول ظهورها؛ وكان فهرس مكتبته يتألف من أربعة وأربعين كراسة، كل منها عشرون ورقة، ولم يكن بها سوى أسماء الكتب. أما في مصر فكانت للخليفة العزيز خزانة كتب كبيرة، وقد ذُكر عنده كتابُ “العين” للخليل بن أحمد، فأمر خُزّان دفاتره، فأخرجوا من خزائنه نيفًا وثلاثين نسخة، منها نسخة بخط الخليل بن أحمد، وحمل إليه رجلٌ نسخة من تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار؛ فأمر العزيز الخزّان، فأخرجوا ما ينيف عن عشرين نسخة من تاريخ الطبري منها نسخة بخطه. وذُكر عنده كتاب الجمهرة لابن دريد، فأخرج من الخزانة مائة نسخة منها.
وقد أراد المتأخرون أن يقدروا عدد ما كانت تشتمل عليه هذه الخزانة، فيقول المقريزي إنها كانت تشتمل على ألف وستمائة ألف كتاب، ويذكر عن ابن أبي واصل أنه كان بها ما يزيد على مائة وعشرين ألف مجلد. وقال ابن الطوير إن خزانة الكتب كانت تحتوي على عدة رفوف، والرفوف مقطعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل، وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب”. من كتاب “الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري” ص (286- 287(
يذكر الياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان” هذه القصة التي لا تخلو من طرافة عن محمد بن هبة الله البروجردي، فيقول: قال أبو سعد: أول ما لقيته أني كنت قاعدا في جامع بروجرد أنسخ شيئا من الحديث فدخل شيخ ذو هيئة رثّة (يقصد بن هبة الله) فسلّم وقعد، فبعد ساعة قال لي: ايش تكتب؟ فكرهت جوابه وقلت في نفسي: ماله ولهذا السؤال؟ ثم قلت متبرّما: الحديث. فقال: كأنك تطلب الحديث؟ قلت: نعم، قال: من أين أنت؟ قلت: من مرو. قال:عمّن يروي البخاري الحديث من مرو؟ قلت: عن عبدان وصدقة وعليّ بن حجر وجماعة من هذه الطبقة. قال: ما اسم عبدان؟ قلت: عبد الله بن عثمان بن جبلة. قال لي: لم قيل له عبدان؟ فوقفت فتبسم، فنظرت إليه بعين أخرى وقلت: يذكره الشيخ. فقال: كنيته أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله فاجتمع في اسمه وكنيته العبدان فقيل له عبدان، ففرحت بهذه الفائدة فقلت: عمّن سمعت هذا؟ فقال: عن محمد بن طاهر المقدسي، ثم بعد ذلك كتبت عنه أحاديث من أجزاء انتخبتها عليه. من كتاب “معجم البلدان” (1/404)
ذكر الماوردي كلاما عن نفسه، يظهر فيه تواصعه ومجاهدته لنفسه، وكبح جماحها، فيقول: “ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابا، جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدتُ فيه نفسي، وكددتُ فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعا بعلمه، حضرني، وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لواحدة منهن جوابا؛ فأطرقت مفكرا، وبحالي وحالهما معتبرا. فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا: واها لك. وانصرفا. ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما ، وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه، فبقيت مرتبكا، وبحالهما وحالي معتبرا. وإني لعلى ما كنت عليه من المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل بها قياد النفس، وانخفض لها جناح العجب، توفيقا منحته ورشدا أوتيته وحق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن. فقديما نهى الناس عنهما، واستعاذوا بالله منهما من كتاب “أدب الدنيا والدين” للماوردي ص 73
كتاب “النكت والعيون” للعلامة الماوردي في تفسير القرآن، وهو كتاب مخطوط والذي أرجو أن يوفق له من يخرجه محققا، فالماوردي موسوعي غزير العلم، متبحر في فنون وعلوم كثيرة، يستحق أن يتفرغ لكتابه شخص متقن، والمخطوط موجود في مكتبة كوبريللي باستانبول بثلاثة أجزاء.
من جميل القول: أقمنا كارهين لها فلما … ألفناها خرجنا مكرهينا وما حب البلاد بنا ولكن … أمرّ العيش فرقة من هوينا خرجت أقرّ ما كانت لعيني … وخلّفت الفؤاد بها رهينا من كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان (3/283)