فقه التغيير ومراجعة النفس
ربما إحدى سبب تحسران هو أننا نريد أن نعيد حياة اليوم لتكون كالأمس، نريد، بصورة عاجلة، أن نخرج من لحظات المعاناة التي أحاطت بنا، وهذا التحسر قد يقلقنا؛ بل ويكسرنا ويسلبنا قدرتنا على المقاومة والتحدي. أن تتحسر دائما على الماضي وتندم على فقدانه هو توقف عن طلب التغيير، وضرورة التغيير نسيان الماضي والعمل مع الحاضر كما هو، فالواقعية فهما وعملا مطلب ضروري، ولا يمكن للإنسان أن يقدم حلا وهو قابع في الماضي فكرا وتصورا، فشرط الانتقال الحركة، ولا تكون الحركة إلا لحي، ومعنى الحياة أن تعيش واقعك لا واقع غيرك.
في كتاب الله تعالى إشارات إلى بعض الأخطاء التي وقعت من الصحابة الكرام .. فمن ذلك مثلا ما وقع في غزوة تبوك قوله تعالى: “كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ”. فلماذا؟ لعل السر في ذلك والله أعلم هو: التبصير بالخطأ من أجل التصويب وسلامة المسير .. فالخطأ قد يقع لنقص الإنسان وعدم كماله، فبيان الخطأ له هو من النصح وهو من باب المحافظة على سلامة المنهج كي يتجنب الخطأ ولا تتوارثه الأجيال.
حين يقع المرء في خطأ .. فأسوأ طريقة في التعامل مع هذا الخطأ هو: تبريره .. حين تبرر الخطأ فأنت تعطي نفسك فرصة أخرى لإعادة ارتكابه .. التبرير الدائم هو صد عن محاسبة النفس وعدم اكتشاف جوانب التقصير فيها. إحدى العلل الكبرى هو: عدم الاعتراف بالخطأ وتبريره، فحين يقع المرء في هذه الآفة فهو سيبقى أسيرا لهذا المرض ولن يقوى على المعالجة حتى يتخلص من التبرير وينتقل إلى المعاتبة الذاتية ولوم النفس حتى يقلع عن الخطأ.
الانضباط ليس شيئا موروثًا؛ بل هو أمر يكتسب نتيجة التعليم والتدريب، فعلّم ودرّب نفسك على الانضباط. الانضباط يذكرك بما تريد. ولا يمكن تحقيق أهدافك ما لم يكن لديك انضباط وقدرة على التحكم في قراراتك.
أدوات التفكير والوعي
لا يمكن للمرء أن ينال المعرفة ما لم يتعلم كيف يفكر. لا يكن همك جمع المعلومات وحفظها، ولكن ليكن همك كيف تتعامل مع المعلومات تفكيكا وتركيبا وفهما.
حينما تكون في وضع معقد، وفي بيئة سريعة التغير، فأنت مطالب أن تكون صاحب مرونة كي تستطيع تواجه هذا التعقيد والتغيير السريع. الصلابة وعدم المرونة تعني الجمود في بيئات متحركة لا تعرف السكون. المرونة هي: أن تتمسك دائما بحل وحيد، ويكون لديك طريقة واحدة في مواجهة جميع المشكلات. والمرونة أن يكون دائما لديك خيارات متعددة قابلة للتطبيق. وعندما تكون لديك أفكارا كثيرة؛ فهذا يعني تعدد طرق الحلول للمشكلات، فالأفكار الجديدة هي نوافذ جديدة لك في هذا العالم، فالعالم لا تغيره إلا الأفكار الجديدة.
تأمل .. قال مستشار المبيعات والتحفيز كافيت روبرت Cavett Robert “نظرًا لأن 95 في المائة من الأشخاص مقلدون و 5 في المائة فقط مبدعون ، فإنه يتم إقناع الناس بأفعال الآخرين أكثر من أي دليل يمكننا تقديمه”.
مكنونات النفس وفن التواصل
كان مرعوبا أن يبقى لوحده .. تنتابه لحظات من الأمل حين يبتعد بذهنه عن الوحدة .. لكنه الآن أعتاد الوحدة .. وأعتاد الخوف .. أصبح حلمه الآن أن يبقى لوحده .. أصبح يخشى أن يتبدد خوفه .. حين عاش مع خوفه وجد أن خوفه فيه سكينة وحياة .. كان درسا تعلمه من دروس الحياة .. أن الخوف الحقيقي أن تبقى بعيدا عما تخافه .. صار الآن إذا خاف شيئا ذهب إليه .. صار يرى أن الخوف وهم .. الخوف يسكن فقط في عقول الجبناء والحمقاء ..
هل ما نكتبه هو ما نجده في أنفسنا؟ هل أقلامنا تبوح عما في خواطرنا؟ لا أظن .. فالقلم يحاول جاهدا أن يصف بعض ما نفوسنا؛ ولكنه لن يصل إلى وصف الحقيقة وبيانها كما هي، فالكلمات التي يتكئ عليها القلم للبيان لن تبين عن مكنون النفس، فالقلم لا يقوى على بيان إشراقه النفس، وبهجتها، ومتعتها، فهذه أمور يعيشها المرء ويشعر بها؛ ولكنه لا يقوى على وصفها مهما أوتي من البيان والفصاحة. مكنونات النفس فوق الألفاظ، فنحن نحاول أن نضع اللفظة التي تتلاءم مع المعنى، ولكننا نخفق ونعجز حين نريد أن نصيغ اللفظة الملائمة لما في نفوسنا، (فجمال اللقاء بعد الفراق) لا يمكن صياغته في ألفاظ، ولكن غاية الوصف: أن يسكت المرء؛ لأنه لا يجد اللفظة التي تخرج حقيقة ما وجد في نفسه. لقد أعتدنا للتعبير عن أحاسيسنا ووجداننا أن نكرر ألفاظ الفرح والسعادة، فهذا ما نقدر عليه، ولو كان هناك مناحي أخرى، للبيان عن مكنونات النفس، غير الألفاظ لعملنا بها، ولكن قدرنا أن يبقى سبيلنا عن إخراج ما نفوسنا: هي الكلمات التي هي عاجزة عن بيان حقيقة ما نشعر به. لذا؛ إن صمت الإنسان عن الكلام، فصمته هو بيان عما في نفسه من معنى وإحساس، فهناك أناس من رقة مشاعرهم، وجياشة عاطفتهم، وشدة حساسيتهم؛ يعجزون عن الكلام فيبقى صمتهم شوقا وحنينا ومعنى يبوح به عما في نفسه. فالكلمات ليست دائما متنفسا عما يضطرم في النفس من مشاعر.
كثيرا ما أؤثر الصمت في الحوارات والدردشات اليومية على الجهر برأيي وذلك طلبا للسلامة، وهربا من الجدال، وكسبا للقلوب. فبث الأفكار في كل قضية، والانتصار للقول في كل مسألة، أمر متعب، والحوارات الودية لابد أن يكون فيها ترك مساحات للآخرين أن يقولوا رأيهم، وألا يعترض عليهم، فهذا من التودد اللطيف. حين يكون الهدف من الحوارات هو كسب الآخرين، وتقوية العلاقة، فلا يمكن أن يتحقق هذا الهدف والمرء دائما في حالة غلبة، وميل للمنازعة والمخاصمة. فالتجاوز عن الخلاف في الرأي، وترك الرأي الشخصي جانبا، في خلاف لا تضر فيه الموافقة أو المخالفة، أمر مهم في إراحة النفس من الجدل، وكسب قلب المحاور. ولا يعني صمت الإنسان أن يعيش مهمش الرأي، ولكن معناه معرفة ما القضايا التي يقول فيها رأيه ويخاصم وينافح فيها عن رأيه، ومعرفة متى يترك رأيه جانبا ويتنازل عنه، فالمؤمن هين لين قريب سهل، ولا تتحقق هذه الصفات إلا بالسكوت عن الرأي حينا، والموافقة للغير فيما لا تضر فيه الموافقة، فالتودد أجمل بكثير من الانتصار للرأي.
تحديات العصر ولحظات العزلة
وجدت كتابا بعنوان “كيف تقطع علاقتك بهاتفك” لم أقرأه، ولا أعرف محتواه، فقط قرأت عنوانه فأدهشني، فكيف لي أن أقطع علاقتي بهاتفي وهو دائم في يدي! وهو أقرب شيء لي! فما أن أستيقظ من نومي إلا وأقلبه بين يدي، ابحث فيه عن الجديد من المعلومات، أتصفح دردشات الأصدقاء، واقرأ مستجدات الأحداث، فهو قريني الذي لا يفارقني، فلا أتصور أن أخرج من البيت من دونه، ولا يمكن أن أجلس في البيت وهو بعيد عني، لقد أصبح جزءا مني، وعبثا حاولت الانفكاك عنه ولكن كان ذلك ضرب من الخيال. أن تجد كتابا يبين لك كيف تقطع علاقتك بهاتفك، فأظن ذلك كذبة باردة، أو نكتة باهتة لا يقبلها العقل، الدعوى كبيرة ومثيرة متحمسة لقراءة هذا الكتاب والذي أجزم أنه سيفشل في عمل قطيعة بيني وبين هاتفي، فتصور الأمر لوحده كاف ببطلان الدعوى، ولكن لا يمكن للقاضي أن يحكم حتى يطلع على الدعوى ثم يصدر حكمه، وها أنا أرجئ الحكم حتى أطلع على الدعوى فقد، وقد هنا للتقليل، يكون محقا.
القارئ لن يجد ضيقا أو مللا مع الحظر؛ بل سيجدها فرصة جميلة أن يمكث مع كتبه، يمكث معها قارئا لها، ومحاورا لقضاياها، ومحللا لمحتواها، فينسى أنه يقضي في بيته ساعات حظر، ويجد أن الوقت أضيق مما تصوره. فمجالسة الكتاب ومصاحبته هي من ملذات الحياة التي لا يعرفها كثير من الناس.
مع كورونا .. أصبحت ساعاتي متشابهة .. وأيامي متكررة .. فلم يعد هناك شيء جديد أو أمر مختلف .. فما عملته بالأمس سأعمله اليوم وأعمله في الغد .. كل ما أخشاه أن تبتلعين الساعات التي لا جديد فيها فتقضي على ما تبقى لدي من حماس وبعض من الأمل .. فاللحظات حين لا تتجدد فإنها تخ الأمل .. ويسري معها الملل وبعض من اليأس .. وكم أخشى من تشابه اللحظات .. فكل شيء معها يتراخى ..فتفتر العزائم ويتلاشى الحماس .. وتبقى النفس تدفع ذاتها دفعا .. فيتشتت هواها .. ويغيب رأيها .. ولا تجد نشوة الانتصار ولا لذة العمل ..
تُرى كم رواية ستكتب عن كورونا وعن الحجر الصحي؟ كم قلم سيبدع في سرد القصص والأحداث في معايشته لهذه الأزمة؟ حدث كوني، لم يحدث مثله من قبل بهذه الصورة الغريبة، فالعالم صغُر جدا أمام هذا الحدث، وتقزم لدرجة التشابه في معالجة هذا الداء، رعب يكسو الأرض برمتها حتى يكاد يخنقها، فقد أصيب الأرض وحشة مخيفة، فلم تعد تسمع خفق نعال الناس، بل ما تشاهده هو خروج الحيوانات من جحورها لتلهو في طرق المدينة دون خوف من إيذاء الإنسان لها؛ فالناس قد تلاشت. كأني أرى فيروس كورونا مستلقيا على ظهره، وقد أخرج لسانه مستهزئا وساخرا من بني آدم، ويقول: لو أكبر قليلا لقضيت عليكم. وسخريته تدعو للتساؤل: لو واجهنا أكبر من هذا، كيف سيكون حالنا؟ أترك لكم الجواب … ولكن دعوني أعود لبداية حديثي، كيف نحدث أطفالنا إذا كبروا عن هذا الوباء؟ كيف ننقل لهم مشاعرنا ومعاناتنا؟ .. كيف نحدثهم عن بقاءنا في البيت؟ .. وعن مشاهدتنا للفيروس وهو يقضي على الناس؟ .. إننا نعيش حدث تاريخي سيذكره الأجيال من بعدنا .. فهل نشعر بهذا الحدث!؟ ..