آفة التبسيط والسطحية الفكرية
ربما إحدى مشاكلنا الفكرية هي التبسيط..
فنرى كل شيء بسيطا، حتى القضايا المعقدة نراها بسيطة ونتعامل معها وفق هذه الرؤية التبسيطية، وغالبا ما تختزل القضية في عبارة: “الأمر بسيط، ما يحتاج هذا التعقيد”.
هذه الرؤية التبسيطية جعلتنا لا نفهم الأمر على حقيقته، وجعلت قدرتنا الفكرية غير قادرة على النفاذ في أعماق القضايا؛ بل نكتفي بالرؤية السطحية التي من خلالها نصدر حكمنا وغالبا ما يكون خاطئا؛ بل ومدمرا.
ومن علامة الرؤية التبسيطية هي الاستعجال في الحكم، استعجال دون تروي وتأمل وبحث، لهذا لا تستغرب حين تذكر في مجلس ما قضية معقدة للغاية عجزت العقول عن حلها أن تسمع مباشرة حلا لها، وهذا لا يدل على القدرة العقلية بقدر ما يدل على السذاجة الفكرية والسطحية المعرفية. فالاستعجال في فهم المشكلة وفي حلها آفته أنه يولد مشكلات أخرى.
كثير من القضايا تتطلب خلفيات علمية ومعرفية، وبعضها يتطلب ممارسة عملية كي تفهم غورها وتدرك أبعادها، لذا نحن بحاجة أن نقف كثيرا قبل إصدار أي حكم في قضية شائكة، أن نقف نتأمل في القضية ذاتها، وفي الأثر المترتب من أحكامنا، فلو منحنا أنفسنا فرصة التأمل لحققنا نوعا من الصحة في أحكامنا بل وتصوراتنا. …
التحرر من ندم الكتابة وانتظار ردود الفعل
كنت إذا كتبت شيئا يسار الندم على الكتابة .. لأسباب عدة، فعدم الإتقان أحيانا، وأحيانا عدم الإلمام، ولكن وجدت أن الندم لن يتركني وسيهلكني وستكون عاقبته ترك الكتابة، فقررت أن لا أندم على شيء كتبته، وأن أي شيء اكتبه عليّ أن لا أعيد قراءته وأن أنساه وأذهب لكتابة فكرة أخرى، فكان ذلك أريح لنفسي.
ولعل من الآفات النفسية أيضا المتعلقة بالكتابة هو انتظار ردة فعل الناس عما تكتب، فهنا تكون المحرقة، ويكون الهلاك! فمن أرخى أذنه لم يقوله الناس عن كتابته فقد قضى على قلمه، ولن يقوى أن يكتب مرة أخرى، فالناس نفوس متباينة وأفكار شتى، فإرضاؤهم محال، وطلب رأيهم دوما أمر مزعج لهم وممل، لذا كان أجمل ما يكون هو إرضاء ذاتك وكفى، والأجمل أن تكتب وتنسى ما تكتب، فلو بقيت تتذكر ما كتبت اتعبت ذاكرتك وأقلقت نفسك.
مقاومة الشلل الفكري وعبارات الإحباط
من العبارات المدمرة لرقي العقل وانطلاقه عبارة “ليس بالإمكان أحسن مما كان” فهذه العبارة أوقفت العقل عند نقطة زمنية تاريخية لا يمكن أن يتجاوزها، ولن يكون هناك أحسن منها في المستقبل، فهي حكمت حكما قاسيا أنه لن يكون أفضل مما جرى، فمنعت العقل من البحث عن الإبداع.
إصدار أحكام كلية كهذا الحكم، يجعل العقل يتقوقع وينحصر حتى يصيبه الشلل الفكري فيكون عاجزا عن تقديم حلول إبداعية لمشاكله الآنية؛ إذ قد سلم أنه لن يكون هناك أفضل مما كان، فالبقاء على ما كان هو الأسلم والأفضل.
تقفل الواقع، وإغلاق المستقبل أمر مشين، فهذا يمنع المصلحين والمبدعين من ابتكار حلول وإيجاد أفكار إبداعية لم يسبق لها من قبل، علينا أن نتيح للعقل أن ينطلق ويبتكر دون الحكم عليه بالعجز وهو لم يمارس الفعل. علينا أن نحرر العقل من عبارات النقص والازدراء ونطلب منه الانطلاقة ضمن إطار الشريعة ومرجعياتها الفكرية والتعقيدية كي نحقق رقماً في هذا الوجود.
الحياة بين ألحان السعادة ونغمات الشقاء
أرى الحياة ألحانا ندونها كآبة وحزنا حينما نكون تعساء، وندونها ألحانا عذبة موسيقية حينما نكون سعداء، فليس للحياة خط لحني فريد نتغنى به دوماً؛ بل نوتات متنوعة الإيقاعات، نشكل أنغامها لتهزنا بقدر ما تهزنا الحياة، فنكتب لحنا زلالا رقيقا أو لحنا كئيبا ثقيلا، لحنا يطربنا ويسعدنا أو يبكينا ويحزننا.
من بؤسنا أننا إذا كنا سعداء لا نشدو ولا نتغنى لأننا نرى الحياة مثلنا لحنا عذباً مأنوساً، فنصمت لنسمع ما تشدو به الحياة من ألحان عذبة رقيقة، نبقى صامتين نتطرب لهذه الأصوات الجميلة، لا نشدو ألحاننا الجميلة فجمال الوجود يغنينا عن التغني.
وحين نكون تعساء ننحب بصوت شجي هائج مائج مختلطا مع صرخات ما حولنا التي امتلأت عويلاً وبكاء، فتعلو أصواتنا الكئيبة مع أصوات ما حولنا رثاء ونواحا، فلا نسمع للوجود صوتا يبهجنا ولا ترنيمات تنشينا؛ بل تأوهات وأنين يدوي مسامعنا. وبمقدار علو انتحابنا وبكانا وأصوات بؤسنا بمقدار ما تزداد تعاستنا ليمكث معنا حزننا وألمنا أطول أمدا، حتى تكاد التعاسة والنحيب تكون جزءا من ذواتنا، فنظن أننا هكذا خلقنا تعساء.
أفكارنا هي التي تمزقنا وتشقينا، نرى البؤس في كل شيء، نراه في ذواتنا ونراه في كل ما يحيط بنا، حتى غدونا لا نتسلى إلا بشقاء أنفسنا وشقاء من حولنا، تلاشت من أذهاننا كلمات الأمل والفرح وبقي لدينا فائض من عبارات اليأس والقنوط نفيض بها على من يجالسنا. أصبحنا نرى من ألقى علينا حديث اليأس أنه حصيف الفكر سديد الرأي نصغي إليه بلهفة وتوق، فألحان الشقاء لها وقع جميل في أسماعنا، نصنع البؤس بأيدينا لنطحن أنفسنا ونسحقها ونبقى أسارى لليأس والقنوط، أصبحنا نتبادل حديث اليأس حتى يأسنا من بعضنا ويئست الدنيا منا ومن حديثنا.
إن كان الوجود قاتماً أفلا نضيء نوراً يبدد هذه العتمة التي تتراءى لنا! أفلا نكون مصدراً للأمل في زمن اليأس! ألا نكون شعاعاً يبعث سنا يزيل ظلمات القنوط! ألا نشرق أسارير الاستبشار والغبطة لمن حولنا! كل ما أخافه أن نزيد العتمة سوادا وظلمة، فقتام الليل لا تجليه النفوس اليائسة.
سؤال التخلف الحضاري وضرورة الوعي الجمعي
منذ أكثر من مئة سنة تساءل المسلمون هذا السؤال: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟
وإلى الآن والسؤال لا زال قائم: لماذا تأخرنا؟ ما أسباب تخلفنا؟ وهذا السؤال كان مبعثه صدمة الواقع، فحين رأى المسلمون الحضارة الغربية ومقدار تجاوزها للحضارة الإسلامية المعاصرة انبثق هذا السؤال، فالتقدمي الغربي هز العقل المسلم وحرّكه من الداخل ليتساءل ويعي ذاته.
وعلى مدار قرن من الزمان تعددت الأجوبة وتنوعت، ولكن لم نصل بعد إلى حل عملي لهذا التردي الحضاري، وأعتقد أن الجواب على هذا السؤال سيبقى معلقا مالم يتحول السؤال إلى الأمة وليس إلى النخبة، فلا بد أن يكون هذا السؤال سائدا بين عامة الناس كي يوقظ شعورها بالمسؤولية وتشعر أنها مسؤولية عن تقديم حل لهذه الأزمة التي طال أمدها
. حين يكون الهم الفكري والثقافي سائدا بين الناس فإن الأمة ستصحو من غفوتها، وستكون قادرة على البحث عن مخرج لأزماتها المتكررة، ولكن حين يكون الهم الحضاري ساكنا في عقول فئة بسيطة فإن التردي الحضاري سيطول، وسيبقى دور الإصلاح محدودا عاجزا عن التغيير الإيجابي الفعال. …
ثبات الأحكام الشرعية رغم تبدل الزمان والمكان
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: “إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما، … فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال، وإن ما ثبت فهو ثابت أبداً في كل زمان وفي كل مكان وفي كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال آخر”. الإحكام في أصول الأحكام (5/711)
سنة التقلب في الحياة ومعرفة سنن الله
تغير الزمان وتغير الأحوال سنة ربانية، فمن التفت للتاريخ وجد أن حياة الناس في حالة تغير، ولا تخلو من ابتلاء وجفاء، وما أن تتزين الحياة يوما ويكتمل حسنها إلا ويعقبها من الشدة والكرب ما يذهب ذاك الحُسن، فهي بنيت على كدر ولم تبن على صفاء دائم، ولا نقاء خالد، فنضارتها وبهاؤها سريع الاضمحلال والزوال .
فسنة الحياة أنها متقلبة بين الخير والشر، “وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون” ولعل من شقاء المرء أن لا يدرك هذه السنة الربانية في طبيعة الحياة، فهو يريدها دائما مليحة خالية من الهم والكدر، ومن جهل هذه السنة، توهم وظن حين تقبل السيئات والكدرات أنها باقية على الدوام، فيزداد همه وضيقه، ويتملكه اليأس والقنوط، ويستسلم للهموم، ويصبح عاجزا عن مواجهة الحياة، لتوهمه أنها وصلت خط النهاية.
إن أكثر ما يقضي على الإنسان ليس الفتن، مع أن الفتن مقلقة، فكم أسهرت عيونا وأيقظت جفونا، ولكن من جهل سنن الله تعالى في الوجود، سينظر للحياة بعين مجردة من حكمة الله تعالى، وينظر لم يجري فيها من أحداث أنها أحداث كلية باقية لا يقدر على زوالها أحد، فجهله بسنن الله يزيد في قلقه وحيرته، لذلك كان معرفة سنن الله تعالى مطلب شرعي لا يجب تركه، كي لا يسقط المرء في اليأس والقنوط، ونحن نجد في القرآن الكريم تردد ذكر الله تعالى في السير في الأرض “قل سيروا في الأرض …” وهذا السير هو دعوة ضمنية لاكتشاف ومعرفة سنة الله تعالى في خلقه. …
التجديد في الدين وشروط المجدد
مما أُخذ على ابن الأثير رحمه الله تعالى أنه ذكر بعض علماء الشيعة الأمامية من المجددين، وهذا خطأ كبير من ابن الأثير رحمه الله تعالى، فعلماء الشيعة وإن وصلوا في العلم غايته لا يعتبرون من المجددين بتاتا، إذ كيف يكون مجددا وهو يخرب الدين؟ كيف يكون مجددا وهو يميت السنن ولا يحييها؟ كيف يكون مجددا وهو ينشر البدع والخرافة؟ التجديد هو إحياء ما اندرس من الدين، والشيعي يحرف ويغير في الدين فلا يكون مجددا. إذ أهم شرط في المجدد هو نصر السنة وقمع البدعة. فيكون التجديد خاص في أهل السنة لا غير. …
ضمان بقاء الطائفة الظاهرة على الحق
لا يمكن أن يكون الإسلام غريبا في كل الأرض، أو ذليلا في كل الأرض، فقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة”. فلا بد من وجود طائفة على الحق أعزاء مادامت الحياة.
وهذا الحديث رسالة للمتشائم الذي ظن السوء، إذ ظن اندراس الدين، فالله لا يخلي الزمان من أهل الحق ينصرون الدين ويحفظونه نقيا صافيا كما أنزله الله تعالى. وقد بوب الخطيب البغدادي لهذه المسألة بقوله: “ذكر الرواية أن الله تعالى لا يخلي الوقت من فقيه أو متفقه”. فالأمة بمجموعها معصومة عن إضاعة الحق.
أحاديث الفتن وتأثيرها على النفس
أحاديث الفتن والمحن تفت في عضد المرء إذا لم يكن ذا قوة وجلد، فهي تسري في الجسد، فتأتي على مناطق النشاط فتضعفها، وعلى مساحات التفكير فتغلقها وتسدها، حتى يكون خليَّا من العمل والفكر، لا تستعذبه أحاديث الانتصار ولا تبهجه أقوال الظفر والنجاح، قد تآكل من الداخل وتفتت، فالفواجع والمحن تذيب القلوب وتفتت الأكباد وتطفئ جذوة الممانعة والمدافعة.
الفتنة موطنها صغير ولكنها تتسع وتنتشر بأقوال الناس وأحاديثهم، فلا تترك بيت إلا دخلته، حتى يظن المرء أن الفتنة عمت وتمت، فيصيبه العجز والخور، لذلك كان من الفطنة لمن علم من نفسه أن أحاديث الفتن تكسره وتقعده، أن لا يصغي لها ولا يشاهدها وأن يبقى بعيدا جانبا عنها كي يظل واقفا قارا ساكنا لا تموج به الفتن.
جوهر الإيمان: الشعور بوجود الله
قال مالك بن نبي رحمه الله: “إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده ونملأ به نفسه”. …
الرفق والرحمة في مواجهة قسوة العصر المادي
في هذا العصر المادي القاسي أحوج ما يكون الإنسان إلى الرفق والرحمة، فقسوة الحياة وشقوة الدنيا لا يمكن تجاوزها وتفاديها إلا بشيء من الرحمة لتبقي بعضا من البسمة. فحين تفقد فيها الرحمة وتتلاشى فيها المحبة تكون الحياة أقسى من الموت.
ومن جمال الحياة وحسنها أن تلقى أخا تقاسمه أتعابك، فتطرح له أثقالك، وتبث له آلامك، فالقلب يحتاج ليد رقيقة حانية تنعشه وتبقيه ينبض أملا وسعادة. وعادة القلب لا يبث ما به إلا لقلب امتلأ حباً وعطفا، فيبوح ما به من وجد، ويذكر ما شجاه وأضناه… فلنكن قلوبا تلك القلوب الحانية.
داء التردد وعجز اتخاذ القرار
حين لا يميز الإنسان بين ما يأخذ وما يدع يقع في مأزق “التردد” فتقل لديه بواعث الإقدام، وتزداد حيرته، ويتأرجح بين ذا وذا فيقف حائرا غير قادر على حسم الأمر، وما يلبث هذا الوقوف والتردد أن يزعجه ويزعج من معه، وغالبا من تردد في أمر فإنه يحجم عنه ولا يقدم، وذلك طلبا للسلامة وأثارا للراحة.
إن العجز عن سرعة اتخاذ القرار يسقط في بؤرة التردد والجمود، ويصبح كل شيء لديه محير، ولا يقف المتردد عند حالة معينة؛ بل يسري تردده في كبار الأمور وصغارها، فيتردد فيما يلبس، وفيما يأكل .. وإن اتخذ قرارا ندم وتحسر فهو دائما في حالة موازنة ومفاضلة لا تنتهي. فلا يقرر ولا ينفذ إذ يذهب به خياله في كل صوب فيبقى حائرا عاجزا عن اتخاذ القرار.
الخطأ جزء من الحياة، وابتغاء الصواب دائما يصيب المرء بالجمود والإحجام، فعلى المرء أن يعمل ويتخذ قراره ويمضي؛ فكثرة التردد داء يقعد المرء عن العمل.
المسافة بين الفكرة واللفظة في التواصل
هل ما نفكر فيه هو ما نتلفظ به؟
هل ما نقوله حقيقة يمثل أفكارنا؟
أظن هناك فرق بين قولنا وأفكارنا .. قولنا هو محاولة نقل ما نفكر به، وهذا النقل قد يكون نقلا قاصرا، فلا ينقل حقيقة أفكارنا كما هي بصورة مطلقة، فنحن نعمل على تحويل الفكرة التي في أذهاننا إلى لفظة يدركها الآخر، وهذا التحويل يعتمد على أمرين: مقدار ما نملكه من مفردات قادرة على احتواء أفكارنا كما هي. وعلى وعي المتلقي وما لديه من خبرات ومفاهيم ومفردات.
هذه العلمية المعقدة تكوين بصورة سريعة دون تروي وهذا ما يجعل هناك احتمالية الخطأ أكبر، أي في نقل الفكرة لألفاظ تدرك. ويزيد من نسبة الخطأ أنه في أحيان تكون الفكرة غير واضحة في الذهن، فيكون نقلها غير واضح لأنها هي غير واضحة.
هذا الأمر يجعل هناك نسبة من الشك ولو بدرجة ما إلى أن أفكارنا تختلف عن منطوقنا، ومما يدل على ذلك أيضا هو أننا أحيانا نحاول نهذب الفكرة كي يكون لها قبولا، وهذا التهذيب هو من أجل المتلقي، فيكون هناك تعديل لفظي يجعل قولنا يختلف عن فكرتنا.
هل هذا الأمر يجعلنا نقرر أن هناك مسافة بين الفكرة واللفظة؟ التطابق الكلي يكاد يكون متعذر، وذلك أن ما في الذهن غير مدرك واللفظة مدركة، وعملية التحويل من عدم الإدراك للإدراك لا يجعل التطابق كلي؛ بل لابد من نسبة تفاوت نتيجة هذا التحول.
هل هذا الأمر يعتبر تناقضا بين ما في الذهن وما ننطقه؟ ليس هناك تناقضا، وإنما هي محاولة سعي للتوافق، ولكن التوافق المطلق متعذر، فلا يكون هناك تناقض وإنما توافق قاصر لا يصل لدرجة التطابق الكلي.
إدراك هذا الأمر، يجعلنا في حالة عذر لأنفسنا ولغيرنا في حالة عدم فهم فكرة الآخرين، فالمتلقي هو أيضا يعمل على تحليل وتفكيك وربط وفك وبناء صورة معتمدة على الألفاظ قد يخرج بصورة مغايرة كليا عن الصورة التي في ذهن المتحدث. …
رقابة الأفكار: ملاحظة تاريخية
يشتكي دوستويفسكي من الرقابة والناشرين، فقد بعث رسالة لأخيه ميشيل قائلا: “إن هؤلاء الرقباء الخنازير قد أجازوا نشر الفقرات التي استهزئ فيها بكل شيء حتى لقد يشتمل ظاهرها على زندقة وتجديف، فلما انتهيت من كل ذلك إلى ضرورة الإيمان بالمسيح أوقفوني عن الكلام”.
تجاوز الفترات القاتمة واليأس الخانق
تمر أحيانا على الإنسان فترات قاتمة، يشعر فيها بؤسا خانقا، وتصيبه غشاوة تمنعه من رؤية النور في الأفق، وتسيطر عليه الأوهام، فيمتلئ قلبه يأسا مميتا، وتشاؤما حانقا.
ولو استسلم الإنسان لهذه النزعات لدمر نفسه بنفسه، ولهوى في عذاب داخلي مهلك، ولأصبح رجلا تعيسا لا تساوره أي رغبة في النهوض والتغيير، فيؤثر الاعتزال على المخالطة، إذ يرى أن الحياة قد تكدر صفوها وذهب حسنها.
هذه اللحظات القاتمة التي تمر على الإنسان إن لم يتجاوزها لهلك وأهلك غيره، وتجاوزها يكون بمعرفة أن الحياة هذه طبيعتها، فسنة الله أنها لا تبقى على حال، وأنها لا تسير على وتيرة واحدة، ولا تأتي وفق الهوى، فاصبر وصابر ولا تحزن.
لطف العتاب ووقع كلمات المحب
ليت من عاتب أن يتلطف في العبارة، فغلظة العتاب أشد وقعا على النفس من السياط، وليت من نحب إن عاتب لا يكثر، إذ يكفي من المحب همسة، فيغض الطرف مرات ويعاتب مرة، فأخشى أن زاد العتاب أن يورث في القلب جمرة لا تطفئها كلمات الوداد. وقد قيل قديما: ترك العتاب عتاب.
عبارات العتاب مهما ترققت، وتعطفت كلماتها، ولانت حروفها، يبقى لها ألم وجرح قد يطول التئامه، ومرد ذلك: أنها جاءت من حبيب، وكلمات من نحب لا تُنسى وهذا سر ألمها، فهي تُبقى في الذاكرة لا تمحى، وبقاءها يُشقي ويُؤلم.
الثقة بالنفس والابتعاد عن التباهي
لا يجد رجل واثق من نفسه حاجة إلى البرهنة أنه واثق من نفسه. هناك مثل أمريكي يقول: “أصغر الكلاب أشدها نباحا”.
سنوات المشقة وجمالية الذكرى
قال فرويد: “عندما تستعيد ذكرياتك في يوم من الأيام، يفاجئك أن سنوات المشقة كانت أجمل سنواتك”.
وفاء المحب ومرارة الفراق
ولك أن تتعجب .. مع مضي السنون لازال جرحه ينزف فأي امرأة هذه التي لم يقوى على نسيانها! وأي وفاء هذا الذي يحمله في قلبه! .. لا زال قلبه ينزف دما، لم يبرأ جرحه ولم يندمل بل لا زال وصب، وما بالك بقلب قد نزف دما ولم يبرأ؟ فلن تزيده الأيام إلا اتساعا حتى يبلى ذلك القلب السقيم.
ثم يعود ليخاطب “بنان” ناسيا جرح قلبه .. قائلا بأسى:
بنانُ يا أُنس أيامي
التي انصرمت وليس يومك في قلبي بمنصرم
كانت بنان هي أنسه، وهي سلوته في دهره، وحين يذهب الأنيس، يذهب معه حسن الأيام وبهائها، ولكن أيام “بنان” كانت في قلبي صاحبها، وحين تسكن الأيام القلب فإنها لا تبلى، فلا يجري عليها الحدثان، فلا مغيب الشمس يخفيها، ولا شروقها يحرقها، بل باقية ما دام ذاك القلب ينبض بذكرى تلك الأيام.
ولكن تأخذه الحسرات على بنان، فينادي بألم..
بنان لقد طال الفراق وأوحشت
دروبي ولكن المهند ماضيا
ها هو يشتكي من طول الفراق، ووحشة البعد، فلم يعد أحد يؤنسه، ولم يبقَ له رفيق درب يخفف وطئت المسير، فدروبه صارت موحشة قفرة، ولكن ما عساه أن يفعل وقد حكم القدر وذهب من في القلب وقر .
فيعود لبنان ليناديها فلعل صرخات ومناجاته تصل إليها فيقول:
أناجيك من دنيا الفناء وقد مضت
سنون ووجدي ما علمتِ وحاليا
أي تجلد هذا! وأي تعلق هذا! ها هو يناجيها وقد مضى على رحيلها أعوام مديدة، فلا زال يشعر بالوصل والقرب، فالموت إن غابها جسدا لم يغبها وجودا في ذاكرته، لا زال الوجد كما هو، لا زال الحال كما هو ..
وحاله كما قال:
وحيد فما أختار بعدك خُلة
عليل وما أرضى بغيرك آسيا
لقد آثر الوحدة على صحبة غيرها، لقد آثر أن يبقى على ذكراها حتى وإن سقمه المرض وعلته الأوجاع، فلن تسلى نفسه بغير بنان.
أسباب الوقوع في الحيل: الظلم والجهل
في كلام نفيس لابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر فيه سبب وقوع الناس في الحيل، يقول: ” ولقد تأملت أغلب ما وقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين.
إما ذنوب جوزوا عليها تضييقا في أمورهم، ولم يستطيعوا دفعه إلا بالحيل، فلم يزدهم الحيل إلا بلاء كما جرى لأصحاب السبت من اليهود، كما قال تعالى: “فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم” [النساء: 160] . وهذا ذنب عملي.
وإما مبالغة في التشديد لما اعتبروه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل؛ وهذا من خطأ الاجتهاد، وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له وأدى ما وجب عليه، فإنه لا يحوِجه إلى الحيل المبتدعة أبدا، فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج. وإنما بعث نبينا بالحنفية السمحة.
فالسبب الأول هو الظلم، والثاني عدم العلم، والظلم والجهل هو وصف الإنسان المذكور في قوله تعالى: “وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” [الأحزاب: 72:[
الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/29)
قصة بيع كتاب الجمهرة
كان لأبي الحسن الفالي الأديب اللغوي نسخة في غاية الجودة من كتاب الجمهرة لابن دريد دعته الحاجة إلى بيعها
فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينارا فلما تصفحها وجد بها أبياتا بخط بائعها :
أنست بها عشرين حولا وبعتها ,,,, لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ,,,, ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية ,,,, صغار عليهم تستهل شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرة ,,,, مقالة مكوي الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ,,,, كرائم من رب بهن ضنين
فرد الشريف الكتاب عليه ووهبه المال .
[ وفيات الأعيان 316/3 ]
ومضات متفرقة
حين يصبح حديثك عن ذاتك .. يكون الحديث فاتنا.
أقرأ كثيرا لدرجة فقدان التفكير ..
دوما أهرب للماضي .. فأنا أعشق الحرية. …
في هذا الزمن .. آمالنا تذوي .. وأحلامنا تتلاشى .. نعيش دون أمل ولا حلم. …
انظر للحياة بعين التفاؤل لترى الأمل في كل ذرة في الوجود. …