محاور في البناء الفكري والسلوكي
في منهجية التفكير والتحرر العقلي
التفكير عملية معقدة فهو يتضمن التجرد والتخلص من تأثير بعض الآراء والعادات المتسلطة على النفس بحكم العادة والتقليد. وتكمن الصعوبة في التفكير في المواجهة الآراء التي سادت وعاش عليها الناس، وهذه المواجهة تسبب الخوف والإرباك، وقد قال سقراط قديما: الناس يخافون من التفكير.
هذا الخوف من المواجهة مع الأفكار السائدة، جعل كثير من الناس يتجهون نحو التفكير السطحي بعيدين عن التعمق والتأمل والتفكر المستقل وذلك ليس عجزا ولكن طلبا للسلامة، فشرط التفكير الإبداعي أن يتحرر من الخوف كي يكون صاحبه قادرا على طرح أفكاره ومواجهة النقد الجمعي.
هل ممكن أن يسلم الإنسان من الانتقائية في اختياراته المعرفية؟ أظن أن ذلك أمر صعب للغاية، فالإنسان لا يمكن أن ينفك عن الاختيارات المبنية على الرغبة، وهذا النقص ممكن تجاوزه بوضع ضوابط تحكم الفكر حيث تعمل تلك الضوابط على جعل الانتقاء والانتخاب يكون وفق أسس علمية وليس وفق الحالة النفسية أو التنشئة التربوية. الالتزام بالضوابط العلمية وإزاحة الرغبات فيه صعوبة على النفس، وربما تكمن الصعوبة في مقدار التزامه الذاتي بتلك الضوابط العلمية، فالالتزام بالضوابط العلمية أمر شاق على النفس. وكذلك من الصعوبات هو التصادم مع الآخرين، فالآخرون يميلون للانتقاء الذاتي دون الالتفات للضوابط العلمية، وهذا يولد تصادم مع الآخرين. ولكن مهما كانت الصعوبات يبقى الفكر بحاجة ماسة لضوابط علمية تجنب العاطفة والرغبة الذاتية الاختيار.
التبعية للآخرين وعدم قدرة على تكوين التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار دون سؤال شيخ أو استشارة إنسان هي دلالة على القصور العقلي، الله جعل سؤال أهل الذكر في حالة واحدة فقط: “في حالة عدم المعرفة”. والناس حالها خلاف ذلك فهي تسأل في جميع حالاتها، حتى ولو كانت تعلم فهي تسأل، وهذا ما أفقدها الثقة في معرفتها. استخدام العقل مطلب وضرورة، فما خلق الله لنا العقل إلا لنستخدمه وليس استخدام عقول غيرنا، والشريعة حثتنا على استخدام عقولنا بأنها تجاوزت عن الخطأ إذا بذلنا جهدنا في التفكير. لذلك لمن أراد أن ينال الفهم عليه أن لا يقبل شيئا قبل إخضاعه لعقله وغربلة وتمحيص ما يصل إلى فكره.
نحن بحاجة لأن تكون عقولنا أكثر مرونة، فالفكر المرن قادر على استيعاب معطيات العصر وقادر على التعامل معها بكفاءة واقتدار، ولكن كيف لنا أن نكتسب عقلا مرنا؟ المرونة الفكرية صعبة للغاية، وسر صعوبتها أنها تتطلب إعادة قراءة للفكر، قراءة ذاتية لاكتشاف الصحيح والخاطئ، وتأتي الصعوبة في أنه يتطلب التخلي أحيانا عن بعض العادات والممارسات، بل ويتطلب أحيانا التخلي عن بعض المسلمات لاكتشاف عدم صحتها، لذلك نحن نترك مراجعة أفكارنا رغبة في العيش بسلام. وهذا ما يجعل أفكارنا صلبة.
إدارة الذات والتعامل مع المشاعر
حين ارجع بصري للوراء التمس شيئًا جميلًا كي أمنح نفسي ساعة من الراحة الذهنية، أجد أن كثيرا مما كنت أدركه قد أُلقي به في لحج النسيان فلم أعد أذكر شيئا، وكنت أظن أنني لن أنس ما مر بي، ولكن ربما كل ساعة تأتي تأخذ شيئا من الماضي فتمحيه وتلقيه بعيدًا عن الذاكرة؛ بل عن الحياة كلها. أعود لنفسي لألومها وأعاتبها: كيف تناسيت ما لا يُنسى؟ كيف ضيعت ما أكنزت؟ فتقول لي: العمر يجري كجريان الماء في الجداول .. وتظن أنه سيحمل معه قطراته حتى النهاية .. ولكنه في كل مكان يمر به يضع بعضًا من قطراته، يضعها هناك ويتركها ولا يذكرها، وما يبقى معه إلا ما دفعته الحركة، فمن تحرك وجرى فلن حين لا تتذكر لحظة جميلة عشتها هل هذا من الشقاء؟ وحين تتذكر لحظة تعيسة أليمة مرت بك هل هذا من تعاسة اللحظات ونكدها؟ يبقى النسيان علامة ضعف ودلالة عجز.يُنسى ومن سكن وبقي فسيلقيه التيار حتى يكون حطامًا وكأنه ظلا تلاشى حين ذهب جسمه. ولست اعلم: هل النسيان من البؤس أم من النعيم! حين لا تتذكر لحظة جميلة عشتها هل هذا من الشقاء؟ وحين تتذكر لحظة تعيسة أليمة مرت بك هل هذا من تعاسة اللحظات ونكدها؟ يبقى النسيان علامة ضعف ودلالة عجز.
حين انتهي من عمل ما وانتقل لحالة فراغ، تنتابني سلبية رخوة تنساب خلسة إلى فكري، ما تلبث أن تسيطر علي حتى أشعر بحاجة ملحة للخروج من هذا الفراغ القاتل .. أمكث في حالة اضطراب فكري، يأخذ مني وقتا طويلا أفكر: ما العمل الذي ماذا سأفعله؟ في هذه اللحظة يغمرني شعور بالضياع، كأنني أسير في صحراء لا اتجاهات فيها، تغيب عني أهدافي، وكلما أجهدت نفسي في إمساك فكرة ما، أجدني أتملص منها وانزلق لفكرة أخرى، أحاول عبثًا أركز فكري في فكرة ما ولكن سرعان ما يحيط بهذه الفكرة ضباب كثيف يمنعني من رؤية أبعاد الفكرة وجمالها.. حقيقة: إنها لحظة متعبة اختيار ما تريد أن تعمله إن كنت حرًا في اختيارك.
السعادة ليست شيئا جاهزا تلتقطه؛ بل هي نتيجة عمل وحركة.
إن كنت في حالة نفسية سيئة فلا تنتظر من أحد أن يخرجك من هذه الحالة السيئة .. خروجك من وضعك السيئ هو بيدك أنت .. انتظارك للآخرين أن يغيروا حالتك النفسية هو قرار آخر يعقد الأمر حيث تدع الآخرين يتحكمون في مشاعرك .. وقد تجد من يأخذ بيدك وقد لا تجد .. تعلم كيف تتحكم وتسيطر على وضعك النفسي.
نحن نعيش في عصر المادة، وهو عصر يتسم بالقسوة والصعوبة حيث أن الإنسان يكون جزءا من المادة وهذا يتعب الإنسان ويجعله يعيش في قلق ذاتي .. لذلك إذا لم يكن لديك قدرة على التخلص من “القلق” الذي تصنعه الحياة المعاصرة وإلا فإنك ستكون ضحية للاضطرابات النفسية والجسدية.
التخلص من المشاعر السلبية يتم أولًا بمعرفة سبب الشعور السلبي، ثم التوجه نحو إزالة السبب، مع تهيئة النفس وتكيفها بأن لا تلتفت للأمر مرة أخرى بقدر الإمكان.
الإلهام لا يأتي من ماذا تعمل ولكن لماذا تعمل.. “لماذا” هي وقود الفكر.
فن التعامل مع الآخرين والعلاقات
التنازل الدائم ليس دلالة على حسن الخلق؛ بل قد يكون دلالة على “ضعف الشخصية”، أن تكون أحيانا صارما وحازما ولا تتنازل عن حقك بسهولة يجعل الآخرين يحترمونك أكثر ويخشون أن يخطئوا مرة أخرى، فصنع المهابة في نفوس الآخرين تأتي من حزمك وجديتك. التسامح مطلب وضروري ولكن ليس كل شخص يستحق تسامحك وعفوك، هناك أناس إن سامحتهم تمادوا في تجاوزهم.
تستطيع أن تقنع غيرك أن يقول: “نعم” عندما تجعله يشعر بالرضا عن نفسه وعمله وإنجازاته. الناس ستفعل لك أي شيء تقريبًا عندما تتعامل معهم باحترام وكرامة وتظهر لهم أن مشاعرهم مهمة بالنسبة لك.
غالب حال كثير من الناس هو: البحث عن الحب .. ابدأ بنفسك: أعط الحب للآخرين .. فستجد أن الآخرين يمنحوك حبهم وودهم.
الإنسان بطبعه يحب النقاش والحوار والجدل، فالحوار ضرورة بشرية لا انفكاك منها لأنها وسيلة للتواصل مع الآخرين، ولكن ما يفسد الحوار هو التعصب للرأي وعدم محاولة تفهم قول محاورك، والأسوأ أن يتحول الحوار إلى اتهام في النيات وتراشق بالألفاظ وحينها يكون الحوار وسيلة للتقاطع بدلا ما كان وسيلة لبناء العلاقات وتقوية الروابط. والمرء عليه أن يكون ذكيًا في اكتشاف شخصية من يحاوره، فإذا رأيت من تحاوره أنه متعصب في حواره منفعل في كلامه فالتزم الصمت وأمسك لسانك وتوقف عن المناقشة، فليس كل شخص لديه القدرة على سماع قول يخالف قوله ورأيه.
الكلمات تجرحنا إذا سمحنا لها بذلك .. فالكلمات وحدها لا تستطيع أن تجرحك مال تأذن أنت لها بذلك وتمنح لها القدرة في أن تجرحك ..
في مواجهة المشكلات واليأس
أسوأ ما يكون حين تكون في مشكلة وتقول: ليس هناك حلًا. لا تقل: مشكلتي كبيرة ليس لها حل. لا تقل: جربت كل الحلول وفشلت . لا تقل: ليس هناك أحد قادر على حل مشكلتي. حين تصل لهذه المرحلة فإنها لم تعد المشكلة في “مشكلتك” الآنية وإنما في اليأس والقنوط والحالة السلبية التي وصلت لها .. لذلك عليك أولًا أن تتخلص من هذه المشاعر الخاطئة في نظرتك لمشكلتك .. ثم بعدها توجه لمشكلتك برؤية داخلية: بأنك قادر على حل مشكلتك بكل يسر… تعقيد المشكلات هو أحد أسباب بقائها.
قد تكون لديك مشكلة ما .. فلا تحاول أن تسقط مشكلتك على الآخرين، إسقاط المشكلة على الآخرين يجعلك تضطر أن تكتبن مشاعرك .. وكتبت المشاعر يولد معاناة قاسية على النفس.. ابحث دومًا عن سبب مشكلتك .. ولا يكن همك أن تبرئ نفسك .. بل ليكن همك معرفة السبب الرئيسي وراء المشكلة .. كي تقدر على حلها وتجاوزها ..
حين تعبر عن مشاعرك السلبية فلا يعني أنك تخلصت منها، بل العكس، فأنت أعطيت ليشعروك السلبي فرصة للتمدد، وكذلك منحت الآخرين مبررا أن يبتعدوا عنك ..
إضاءات تربوية
ابنك بحاجة ماسة لدعمك ومساندتك كي تزداد ثقته في نفسه، لا يشترط الدعم أن يكون مالا .. ولكن الأهم أن تعزز الجوانب الإيجابية لديه .. تعزيز الجوانب الإيجابية لابنك تمنحه الثقة الذاتية .. وإن نجحت في أن تجعل ابنك واثقا من شخصيته فقد أبدعت في تربيته.
إذا كنت تعاتب ابنك على الخطأ .. فوجوباً أن تثني عليه حين يقوم بعمل جميل .. التركيز على الأخطاء “فقط” لا يجعل الأبناء يفتخرون بذواتهم ..
الوالدان حين يكون دورهما التوجيه الدائم والنصح المتكرر دون حوار أبنائهم وسماع معاناتهم فإنهم يبنون جسورا من الجفاء بينهم وبين أبنائهم .. أحيانا الأبناء يريدون أن يخصوا الحياة وفق تجربتهم الشخصية .. امنحهم الفرصة أن يخوضوا غمار لوحدهم وفق أفكارهم وتجاربهم.. ولكن كن قريبا منهم كي تسندهم حين يحتاجونك.
مسائل متفرقة
إن الله ليس بتارك أحدًا من المسلمين صبيحة أول يوم من شهر رمضان إلا غفر له” حديث موضوع. انظر السلسلة الضعيفة (1/296)
يقول الكاتب الفرنسي نيكول شام فور: “ليس من السهل العثور على السعادة .. فمن الصعب أن تجدها في نفسك، ولكن من المستحيل أن تجدها في مكان آخر”.
لعله من المستبعد أن تشعر بالوحدة إذا كنت قارئا … الكتاب ليس فقط يمنحك بعدا فكريا وثقافيا ولكنه علاجًا لمن يشتكي الوحدة .. فالكتاب أنيس وأنس لمن تناوله.
مما قرأت :: وفي عام 1889 م، كتب الكاتب الأمريكي مارك ثوين قصة “London Times”؛ يصف فيها جهازًا سمَّاه “تيليكتروسكوب”، والذي يستطيع شبك العالَم في اتِّصال مرئي يُتاح فيه لأيِّ فرد أن يَرى ويُناقش أفراداً آخرين في أي مكان. هذه هي شبكة “الإنترنت” في زماننا هذا كما و َصفَها الكاتبُ في خياله العلمي.
في مسائل الاختلاف المشروع، لا يحق لأحد حمل الناس فيها على رأي واحد. وقد تواتر عند أهل العلم من أنه لا يصح الإنكار على المخالفين في مسائل الاجتهاد. وللأسف قد يغلو البعض ويرى من خالف في مسائل الاجتهاد أنه أبطل السنن.
لم يعد كافيا أن يبرر أحدهم أعماله بمقاصده الطيبة.. فلابد أن يطرح السؤال التالي: ماذا هناك في الخلف؟
في بعض الأحيان أنت لست بحاجة لخطط .. ولكنك بحاجة للثقة .. الثقة في كل ما لديك ..